الرئيسية » ملفات » د. سعد الصالحي : مراثي غيلان (الجرعة الخامسة- الأخيرة) (ملف/18)

د. سعد الصالحي : مراثي غيلان (الجرعة الخامسة- الأخيرة) (ملف/18)

سندويجات
في عام 1966 نقل أبي من ناحية كنعان في بعقوبة إلى مستوصف (الدهاليك) في سبع أبكار من بغداد . وأجرنا بيتاً لصق بيت عمتي ( حظية ) الملاية الحسينية لتستمتع أمي وبيبيتي بالقرايات العاشورائية طيلة شهر محرم . عمتي حظية ربيبة قرية جيزاني الإمام في ديالى صارت بغدادية تضحك على لكنتي القروية الممطوطة على طريقة أهل بعقوبة ، ذلك أني كنتُ أقول ( البستايان ) بدل (البستان) أو (ديري بولج عليه) قاصداً (ديري بالج عليه) ليتأكد ضحك ابني عمتي يوسف وعيسى على هذا الصبي الممغنط بدشداشته المقلمة ولسانه الأعوج .
دار بي عيسى في أنحاء صليخ العتيك واشترى لي سندويج روست من محل أبي قيس المصلاوي . الروست ؟ .. سندويج ؟ .. ما أغرب هذه الكلمات وما أطيب هذه اللفة ؟!
ثم اصطحبني يوسف بعد يومين إلى مطعم الجنابي وأذاقني طعم الكص .. يا ألله ماهذه الجنة .. !
أما ابن عمتي الأكبر موسى طالب المسرح في معهد الفنون الجميلة فقد تخير لي مطعم كباب عمنا عبد الواحد بعد أن تجولتُ معه في أبهاء المعهد وشاهدت أول مرة في حياتي الفنان كامل القيسي والكاتب علي حسن البياتي ومشغل رجل نحات راحل اسمه جواد سليم .

كما كنت

هو ربيع العام 1981 يوم دَلَـقَـتْ زوجتي سطل ماء خلفنا .. وكنتُ في ذلك اليوم الملازم الأول طبيب الأسنان
الذي أقله صديقه نائب الضابط المصور الشعاعي حمد الجبوري بسيارته الخاصة إلى وحدته الطبية على حدود الجبهة المشتعلة، إذْ نأت بيَ الأرض والمعالم عن كل ما تَــقلَّـبْتُ فيه من نعيم أواسط السبعينيات في محلة راغبة خاتون التي تملأُ ذاكرتي بعطر قداح النارنج .
مــررتُ مرتبكاً ونحن في الطريق إلى (سومار) بكل محطات طفولتي، بعقوبة، كنعان، بلدروز، الروابي ومناقع المياه وحقول تمن العنبر في الإتجاه نحو أفق تلالٍ وقممِ جبالٍ تلوح خلف أطراف مدينة الرمان مندلي .
يا لله .. أدمنتُ بعد سنتين في جدب جبهة الحرب تلك النائياتِ بعبق الشهداء. أدمنتُ طعم الوليمة التي تفوح برائحة صمون الجيش الأسمر من قصعة اليابسة والتمن والبصل على حافة الخنادق. كانت قذائف الهاون تئز وتنفجر ذات مقربة أو مبعدة .. ولا خسائر في الأيام. طابت لي تلك الرواقم كأنها ماء الورد يوم عاد النقيب عباس المصلاوي إلى وحدتنا الطبية مبتهجاً ضاحكاً بعد أن اجتاز بسلامٍ حقل ألغامٍ ضد الدبابات، لكنه تمزق في غفلة قدمٍ عند حضن مأوىً مرتجل في الأرض الحرام .

سلطان وغالب ومحمود
ظل جاري (سلطان) مثار إعجاب ضباطه وجنوده لما تميز به من مهارةٍ وموهبةِ تدريبٍ في مهنةِ ميدان القوات الخاصة
منذ كان تلميذاً في الكلية العسكرية في ثمانينيات القرن الماضي. أما (غالب) فقد اجتاز بنجاحٍ محاولتي امتحان كلية الأطباء الملكية البريطانية في السبعينيات ليعود استشارياً تميز بحظوة مرضى ومسؤولين من مختلف الأعمار والمهابات الحكومية. بقي (محمود) ضابطاً في موقع المحافظة العسكري ملائماً لكل أوصاف التدين والتحزب المسموح به لحملة الإيمان التي فرضتها البطاقة التموينية في سنين الحصار والخبز الأسود.
زوجة سلطان كانت من بنات أشراف بغداد في محلة الشيخ كمر، وقد حملتْ عن كاهل زوجتي عناء الطبخ لفاتحة والدي بكل أصناف الوجبات المطلوبة لتلك المناسبة من طرشانة وبامية وتمن وهبيط لحم عجل و(حلاوة موتى) من التمر الزهدي. وكانت زوجة غالب قد تركت مدينتنا وانتقلت إلى بغداد لتأسى وحيدة في منزل كبير في حي الضباط بالغزالية بعد أن بقينا نفتقد ألذ صينيةٍ لوجبة يوم الجمعة التي كانت تكرمنا بها من يديها البصراوية بسمك الصبور والعنبة وطرشي النومي حامض. قبل ثلاثين عاماً لم يكن محمود ليسمح لزوجته (خنساء) أن تتواصل معنا كثيراً لأن ابني الأشقر الصغير كان قد أسرَّه يوماً ما ببراءة طفل عمره ثلاثة أعوام (عمة خنساء كلش حلوة).. فأصرَّ على منع دخولها إلى بيتنا مهما كانت المناسبة..!
مازال غالب حياً يتكسبُ من عيادته المتواضعة في دولة عُمان إذ هاجر إليها بعد أن هُدِّدَ بقتل أبنائه واختطافه لأنه (زنكين)، وتوفي سلطان بسرطان الكبد على الرغم من أنه لم يذق يوما طعم النبيذ أو الخمرة ولم يكن مترهل وزنٍ أو وريث مرضٍ من هذا النوع، لكنه أصيب بتكيس الكبد الخبيث بسبب الخضروات التي أدمن تناولها طرية وعذراء من بستانه في قرية جيزاني الإمام. بولعٍ ودمعٍ سخين قبلتُ يد الشيخ يحيى الذي ألحد محمود في قبره في مقبرة السيد إدريس في بعقوبة، فقد خُطِفَ وقُتِلَ على يد أقاربه المتطرفين لأنه قرر نبذ كل خطأٍ في حياته.. لاسيما بعد أن تزوج إبني الأشقر الصغير أجمل بناته فصارعزيز عمته الخنساء الوحيد .
جدي .. وعمر الشريف

كان العصملّي معروفاً بين أبناء عشيرتنا في بعقوبة وقراها بحذقه للطب والشعر ، وجرأة المغامرة ، وشيء بلا حياء .. هو عشق النساء بلا استثناء .
لطالما أجلسني بين يديه وهو يلف سجائر المزبن ويدخنها بلهفة عمر دائم متحدثاً معي بعمري الطفل عن عاهرات الصابونجية ، وتلك التي حاولت الموت لأجله بعد ليلة حمراء كي ( يستكعهدها ) مقابل الإحتطاب والطهي والخبز والتنظيف والتلطيف ، وأن تنادمه بعرق هبهب كل ليلة ، وغير ذلك من خوافي الفراش الطيب كما يحب ويرغب .. مقبلةً يديه أن يخلصها من حياة المومسات بإشراف جندرمة الصحة .
صاحت به جدتي فطومة وهو يتألق سعادةً القص معي :
– موعيب عليك تحجي هالسوالف ويه الولد !؟
فأجابها بلا تردد كأنه مزمعاً ذلك من قبل :
– فوتي بربوك ، ليش آني مو طلكتج من عبد الله وأخذتج ضرة على رقية ؟!
لم تجبه جدتي فقد كانت – على الرغم من كل كهولته – تعشقه حد النخاع ، وتأكدت لي براعته مع النساء عصر ذات ذلك اليوم وأنا أشهد فيه جارتنا صباح ، الشابة الشقراء البارعة الجمال ، تمسك يده بشغف وهي تحدق في عينيه ، مصغيةً لحكاياه عن عاهرات الصابونجية ، قائلةً :
– جدو ، آني أموت عليك ، إنت تشبه عمر الشريف .

حبيبتي
يقولون إن الزمان استدار كهيئته الأولى ، وذلك عندي مذ أبصرتكِ وحيدةً على حافة أريــــكةٍ في مقصف فندق الميليا منصور ببغداد تنتظرينَ شيئاً ما مربدَ العام 1997 .. هل أخطأتُ في التأريخ أم أن فنجان قهوتي الذي دعوتكِ إليه شهد لحظة كان لابد من صلبها كمسيحٍ على شفا حفرة من العشقِ ، فقُلتِ :
( نعم )
حينها تأكد لي كم كنتُ مخطئاً منذ ولادتي أن كل الأشياءِ حين اتجهت شرقاً .. كانت تتــــجه إلى تخوم غربٍ قصي على ضفاف البحر المتوسط في غزات ويافات .. إليكِ .. وأحـبكِ .

النقطة
إستيقظت ضحى اليوم وبي رغبة كافرة للكتابة عن أي إحتمال يبرر هذا الجموح . إستعذت بالله ولعنت كل أجدادي قبل الإسلام، وبعد الشيوعية، ونقطة بداية ميشيل عفلق التي لا علاقة لها مطلقا بنقطة ماياكوفسكي .. والتي ترجمها ألأخير إلى طلقة صنعت بداية مجده الشعري لدينا في الشرق الحزين .
لا أعلم لم تذكرت عرج بوريس باسترناك ودشداشة فلوبير؟ على الرغم من إيماني بأنني أنمو نحو شخصية عصابية ستتجزأ إلى ألف إزدواجية تنتهي صارخة بعد آخر شظية:
– دَنْـــبـَــلـــــــة ..!
ولا أقصد هنا دملة مليئة بالصديد، بل أقصد تلك البطاقة الوردية التي ترد لك سعرها بعد شطب إحتمالٍ ما من جغرافيتها المباركة في نادي نقابة الأطباء أو كلية الطب عام 1977 في بغداد .
ظللتُ أردد مذ لحظة إستيقاظي (على عناد علوي الهاشمي):
كيف لا يجئ الحزن إلي وأنت معي؟!
إذ كانت حفيدتي تمارا (سنة واحدة) تحاول سد أنفي بكيس مطاط تلعب به كي تجعلني أضحك ..!
وحين تصيحُ : بـــيـــبــي
أهيج كأني جمل حجازي:
(ولج ديري بالج عليها )
فتحتضن زوجتي العجوز الحفيدة تمارا كأنها تحتضن تلك اللحظة بيننا ونحن نختلي طلاباً معاً خلف جدران كلية الصيدلة عام 1976 قرب القسم الداخلي للطالبات، نسرق القبلات ومس بعضنا حتى نشوة النصر من العدو الصهيوني .
لهذا السبب، تزوجت أحلاماً .. وأنجبت أحفاداً، ولله ألأمر من قبلُ ومن بعدُ .

معركة الجزائر

من تقاليد شباب الستينيات للسهرة أو التنزه على شواطيء نهر خريسان في بعقوبة أن يرتدوا (القاط)
بقطعتيه مع الرباط على القميص الأبيض ثم تصفيف (البُكلة) بما يتناسب وعِظم أجمة الشعر لتشبه (بُكلة) الممثل الأميركي جيمس دين .
وبعد أن أتمَّ إبنا عمي أياد وفؤاد كل تلك الطقوس قاما بما ينبغي لترتيبها أيضاً على مقياسي الولادي وهما يتنافسان على تصفيف (بُكلتي) وتهذيب بدلتي، لأنني في كل الأحوال ابن عمهم الصغير الريفي القادم من كنعان والمعتاد على الدشداشة والحزام والحفو صيفاً وشتاءاً .
عبرا بي مساءاً إلى ضفة نهر خريسان الشمالية وأنا أتبختر ببدلتي وبكلتي إلى بيت أبو جورج التلكيفي أبو الكبة المصلاوية، حيث التقينا بصديق آخر قد تزيا كذلك ببدلة سوداء ورتب شعره بأفضل مما اعتنيا به، تحلقنا جميعاً حول طاوة أبو جورج على البريمز وهو يقلي لنا كبة موصل لم أذق في حياتي أطيب منها وقد تخير كل منا قطعة تفيض سخونة ملفوفة في نصف رغيف خبز نقضم منه وهي تسيل سمناً وبهارات ونكهة كأنها كل الذاكرة .
كانت تلك ذخيرة حضورنا إلى سينما النصر في بعقوبة وهي تعرض فلم (ماجدة) بطلة معركة الجزائر للمخرج الشاب يوسف شاهين وقد حجزنا اللوج الأوسط من الطابق العلوي فيها مستمتعين ومنفعلين بأحداث ومشاهد الفلم العاصفة بالثورية والتحرر من الإستعمار التي تخللها تصفيق النظارة حين كل طلقة يطلقها ثوار حي القصبة في العاصمة الجزائر على القوات الفرنسية .
كان لكل بطل من الثوار في الفلم (بُكلة) لا أتذكر شكلها بل أشمها في كبة أبو جورج في بيته في الضفة الثانية من نهر خريسان في بعقوبة … حتى الآن .

بعد خمسين عاماً

عندما أدركتُ مراهقتي في الصف ألأول المتوســـــط، كنتُ من أشــــــــد المنافسين لأصدقائي رامي وسلام في كرة القدم في درابين محــــــــلتنا، أطلقنا على فريقنا إسم (نسور راغبة خاتون)،
ولطالما كانت أمهم الشقراء الجميلة بشعرها القصير تحضر لنا لـــــفات كباب الطاوة مع الخضرة والطماطة زوادةً لمتعتنا البريئة حين نـــــغادر الدربونة ونقرر لعب الطوبة في الحديقة المقابلة لقصر فتاح باشا . كان أبو رامي سياسيا يسارياً معارضا تـــــــحمل عبء اعتقالات مريرة فــي سجون أنظمة الحكم المستديرة في مدينتنا المدورة وهو من أبناء مدينة باسمة، مما زاد دكنة لون وجهه ألأسمر أمام باب دارنا الذي يقابل باب دارهم ، يعـــني (الباب عالباب) .. نتبــــــــــادل صـــــحـــــون الطـــعام ونعـــــــــــــيرهم أدوات المطــــــــبخ أو نستعير منهم راس بصـــــل أو كرصتين خبز كدأب نسوان أهل بــــــــغداد .

يوماً ما دعاني ألأخوان رامي وسلام مع ثلة من صبيان الـــــدربونة إلى دارهم لمشاهدة فلم كارتون على شاشة فانوس سحري جلبه أبوهم مـن بلاد بعيدة في إيفاد غابر .. حشرنا جميعا في غرفة الخطار الضـــــــيقة الأنيقة نراقب سير المشاهد الكارتونية حين فوجئت بيد أم رامي تجرني خلسة من ظلمة الغرفة الى الخارج طالبة مني مساعدتها في إعـــــداد كلاصات البيبسي للأصدقاء . لا أعلم كيف تجرأتُ على سؤالـــــها وهي تحتضنني بغفلة ثوانٍ في المطبخ :
– خالة .. هاي شنو؟ أشو إنتِ حاضنتني وتبجين؟
فأجابتني بشهيق زفرة تحرق صدري حتى اليوم بعد خمسين عاما:
– من تكبر راح تعرف ليش .
ماعلمتُ ماكانت تقصد بتلك الكلمات، لكنني بعد عشر ســـــــــــــنين من مغادرتهم جيرتنا، كنت عائدا عــــــصر يوم ما من كليتي إلى دارنا وإذا بأمي تناديني:
– سعودي، خالتك أم رامي جتنا خطار اليوم وتسأل عليك، تعال ســـــــلم عليها .
إضطربتُ تماما عند رؤيتها وهي مازالت بكامل جمالها الذي أدركـــــتُـه بعد كل تلك السنين، حييتها بشوق وقلت لأمي بدون تردد أو خجل :
– ماما آني كلما أشوف أم رامي أتذكر هند رستم .
ولم تتردد أم رامي أن تضيف مع ضحكة غنج :
– وآني كلما أشوف سعودي أكول شعـــــندة هذا الولد ؟!
ثم أصرت على أن أوصلها الى منطقة باص المصلحة كي لا تـــــــــــعود متأخرة الى بيتها، رافقتها وهي تحتضن يدي اليمنى وتضغط علـــــــيها بحنوٍ تسرب الى دمي، وعندما وصل باص المصلحة، وقبل أن تـــــصعد اليه .. نظرتُ إلى عينيها باكية ثانية بنفس تلك الدموع التي شَهَقَتْ بها بزفرة تحرق صدري حتى اليوم بعد خمسين عاما ..

مأمون ومريضتي الجميلة
فتح مأمون أبو الفلافل دكانه أول مرة في ركن ساحة مكتبة الصباح في الأعظمية ، كنا نصطف منتظرين قدومه وهو يهوي كفارس على ذلك الطشت العملاق الذي يفور بالزيت ، منبهرين بيديه اللتان تتسارعان بمهارة حاوٍ لدلق حبات الفلافل التي يتبقبق منها بأزيز النكهة فوران النضج . رحتُ أثناء ذلك أختلس النظر لفتاة صغيرة تساعده في فتح الصمونات وإعدادها للسندويج وهما يعملان بصمت يرغمنا على الوقوف في صف الإنتظار بلا ضجيج بل بدهشة المراقبة والتأمل . يسأل كل واحد منا قبل أن يناوله لفته :
– صاص لو عنبة ؟
تناولت لفتي ورحت منغمساً بلذة الطعم اللاذع للصاص الحريف مع شرحات الطماطة والخس مختزناً سعادة فتى من بغداد بذكريات الفلافل ونكهة القداح الذي يغمر الأعظمية وراغبة خاتون في بوادر آذار ونيسان .
سألتُ مريضتي الجميلة الجالسة على كرسي الأسنان :
– حسيتِ بأي وجع أثناء العلاج ؟
أجابتني بمرح :
– كلما حسيت بوجع أتذكر شلون جنت تاكل لفة الفلافل من إيدي وآني بعدني زغيرونة ..

أرانب الحليب
أجلسني في حضنه ، وظل يناغيني بالبستات والأغاني والهدهدات كي أقتنع بشرب كوب الحليب . وماكنت أرضى لأن الأرانب لم تخرج من كومات السعف اليابسات ، بقيت أبكي رافضاً طالما رفضت الأرانب ذلك الخروج لكي أستمتع بقفزاتها البريئة وهي تخمش وجوه بعضها البعض ، ثم شممتُ نكهة القدح كأنها السكر وقد خرجت تلك الكائنات بسعادة البياض والبراءة ، فرحتُ أحتسي الحليب من يد ابن عمتي رياض وهو يضحك كأن الأرض استعادت ريق الأطفال وبهجة الحياة . هل كان ذلك في أبي صيدا أم بغداد أم كنعان ؟ .. مازلتُ أحب الأرانب .

الحرس القومي

على ضفاف نهر (خريسان) في بعقوبة، إصطحبني إبنا عمي أياد وفؤاد عصراً إلى الكازينو المقابل لسينما (ديالى) بعد أيام من انقلاب الرابع عشر من رمضان عام 1963 الذي أودى بحياة الزعيم عبد الكريم قاسم .
كنتُ وأنا الصبي القروي القادم من ناحية (كنعان) أتشوق بلعابي عبر نكهة الكباب المشوي على الفحم إلى المذاق العجيب، وإذ أشمها أول مرة تنتشر بدخانها بين الجالسين مستمتعاً بانتظار الملهوف لتلك الوجبة الشهية، راعني مرور لوري مليء بالصبيان والصبايا، بأثواب زاهية، يصرخون بكل حنجرتهم وكأنهم بسرعة فائقة :
– وحدة… وحرية… والاشتراكية،
بيها حرس قومي، ضد الشيوعية .
سألتُ مرتاعاً ابن عمي إياد :
– شنو هذا ؟؟؟
أجابني :
– هذا البعث.

بنت السراج
كنا طلاباً ثوريين ، و(سعدون) في العام 1974 كان مطرباً هاوياً نحتفي بصوته ودعوته على شرف حضور الشاعر الكهل الكبير (حافظ) إلى بيته ، لكنَّ (صبيحة بنت السراج) لم تكن محرجة أمام زميل وزميلة من كليتي ورفيق حزبي وعازف عودٍ وتشكيلي شاب حين طلبَتْ من زوجها سعدون أن يسأل الشاعر المُتْعَبَ عن دوره ودور شعره الغنائي بعد فجر الثورة التي باتت تغير العراق ، بيد أن (الحافظ) ردَّ عليها بنبرة مخملية :
– بابا (صبيحة) من فضلج أريد يابسة وتمن ورة ما خلّص بطل البيرة .
عقب حين من الحرج والصمت الذي غمرنا جميعاً أردفَ سعدون معتذراً بعد أن تناول الشاعر وجبته البغدادية :
– عمو (حافظ) ، لا تزعل ، تره (بنت السراج) دارت ظهرها عليَّ ورة ما خلّصـِتْ عشاك .. عبالك الثورة والحزب والبيرة جانوا طابو مال الخلفوها .
إحتسيت قنينة الــ ( فريدة ) بمتعة مزهواً لتلك السهرة الثورية التي جمعتنا بسعدون والشاعر الكهل الكبير ساعة ودعنا ووزَّع علينا بقايا نسخ مجموعته (أحزان الدوالي) وهو مسرور بعشاء (اليابسة والتمن) ألأسطوري من دون إجابةٍ عن سؤال الثورة ..!
أصرَّتْ (صبيحة بنت السراج) بعد تلك الليلة .. على الطلاق من سعدون ، فأجابها لذلك وراح يردد بعدها بسنين :
(ما تكدر تنساك الروح .. تريد اتظل ، تريد اتروح) .
كنا طلاباً ثوريين ، و(سعدون) في العام 1974 كان مطرباً هاوياً نحتفي بصوته ودعوته على شرف حضور الشاعر الكهل الكبير.. رحمه الله .

في الطريق إلى الراقم 1172

خرجتُ لأستنشق الهواء بعد أن تشبعت رئتيَّ بعطن الملابس الخاكية التي مزقتها الشظايا المختلطة بالطين والدماء ، إذ لم أتماسك حين أمسك أحد جرحى جنود القوات الخاصة يدي وأنا أُضمد جراح رأسه ، مرتعباً ، يسألني :
– سيدي ، ألله يخليك خو مو راح أموت ؟
– لا إبني إصابتك جداً بسيطة ..
كنتُ أضغط بقطع الشاش على نسيج مخه الذي بات مندلقاً إلى خارج رأسه بفعل شظية أطارت سقف قحفه بالكامل ، وكان ساعتها قد راح يغادرني إلى عالم آخر بوجه رضي لا أثر لأي معاناة ألم عليه .

وقفتُ أنظر إلى وديان ( نفط شاه ) ، وقمة الراقم 1172 الذي تتوجه سحابات دخان القذائف المتواصلة ، سحبتُ نفساً عميقاً من سيجارتي حين شهقت بدموعي فجأة وأنا أشاهد رتلاً آخر من عربات جنود القوات الخاصة المستجدين في طريقهم إلى الراقم وقد اشرأبت أعناقهم وعيونهم ترنو بشيء من التساؤل إلى بقايا أجساد عشرات الشهداء التي صُفَّـتْ على الأرض أمام بوابة وحدتنا الطبية بانتظار إخلائها .. ومازلتُ أرنو بشيء من التساؤل إلى جثامين عشرات الشهداء التي تنتظر من يخليها ويرفعها عن الأرض .. منذ العام 1981.

عمى بعينك
في ضحى جمعة حزيرانية ، كنا نعود جدي ( حسين بانزين ) في مرضه الأخير ، وقد إحتضنني سعيداً بباب الدار خالي قحطان إذ مابرحتُ مشروع فيلم في سينما الخيام يتلوه عشاء فلافل باذخٍ في مطعم أبي سمير تنقد أمي نصف دينار له في جيبه على ذلك . بيد أن وجود ثائر ابن خالتي أسعدني أكثر لأنه قريني في العمر والتنافس على كل شيء قبيح أو جميل .
سأَلَنا خالنا قحطان بخبث لذيذ :
– يافريق فاز بالدوري هذا الموسم ؟
فأجبنا معاً :
– القوة الجوية .
وأردف :
– ومنو أفضل حامي هدف ؟
قلنا :
– حامد فوزي .
وكرر مفاجئاً:
– منو رئيس وزراء العراق ؟
أجبنا بصوت عال :
– أبو فرهود .
فضحك خالنا قحطان بهستيرية وكرر سؤاله :
– إنجبوا أدب سزية .. أريد إسمه ؟
– طاهر يحيى .
وبغتةً وجه السؤال لي فقط :
– منو انتصر بالحرب قبل اسبوع ؟
قلتُ بلا تردد :
– أكيد خالو ، إحنا العرب .
تلبد وجه خالي قحطان بعد أن أردف ثائر ابن خالتي ضاحكاً على إجابتي :
– عمى بعينك سعد ، وِلَك إسرائيل هي اللي انتصرت علينا .. يابومة .
… … …
… … …
لم تكن تلك نكسة حزيران حسب ، بل كانت هزيمتي في كل شيء .. إذ قرر خالي قحطان صرف النظر عن سينما الخيام ، وعشاء الفلافل عند مطعم أبي سمير ، ثم أعاد نصف الدينار لأمي وترك كلية الإقتصاد والعلوم السياسية والتحق بالكلية العسكرية .

بيبسي وكوكا
وفي صبيحة بعقوبة كنا أطفالاً ننشدُ بسرورٍ في (فِرْجَة العيد الصغير) بعد 18 تشرين 1963:
(( بيبسي وكوكا بالسِجِنْ ، والعب بكيفك يا مِشـِنْ ، ويساعدك سَفِــــنْ آبْ )) .
يشاركنا بذلك جمع الفرق الموسيقية الشعبية بطبولها وأبواقها النحاسية على العرباين والربلات التي تجوب بنا خمس دقائق بخمسة فلوس فقط للمرة الواحدة بين مدخل الفرجة وساحة المراجيح وديلاب الهوا .
كنا نمرح بكل سعادة الأطفال بالعيد حين كان البيبسي ( البعثيون) ، والكوكا (الشيوعيون) معاً في السجن ، والمشن (عبد السلام عارف) يلعب بكيفه ، ويساعده سفن آب (رئيس الوزراء) ..!
ترى من كتب تلك الأُهزوجة ؟

طقوس عصملية

سعد الصالحيلم تكن الدنيا تسع فرحة ابن عمي خلدون وهو يشاهد النجوم على كتفيَّ طبيبا ً عسكريا ما خيبت ظنه قيد أنملة، فأصرَّ على إكمال طقوس سعادته بما ينبغي عليه كل من كان من نسل العصملي حارز العبَّو .. بإلتهام الباجة لا كمثل أي مخلوق آخر على الأرض .

كانت ظهيرة جمعة شتائية ٍ، وبعقوبة تتدثر دفء توقنا للوجبة، ساعة تسلطنت جفنتها بيني وبينه، لتكون أول مرة في حياتي أحاول فيها اغتصاب الباجة بكل تفاصيلها .

راح خلدون يتناول كراعاً بشهية ٍ يلوك حروفها:

– سعودي هاي بس تدهن الزردوم

وما كان يبخل بالثريد مصحوبا ً بالبصل الأحمر المضاد للأشخاص . فكسرت ُ تسللي واقتحمت ُ كرشاتها وكراعينها وثريدها المضمخ باللبن والثوم، كأني وإياه في ماراثون ٍ للبقاء على قيدها. حتى تركنا الرأس علامة، والكراعين أشلاء ً، والجفنة بلقعاً سطحها جفاف وبعض آثار.

مضت أربعون عاما ً، وأنا أمامه الآن .. أسترق النظر الى انبوب التغذية الممتد من فمه الى معدته بعد أن استُؤصلت نصفها .. يحاول التندرعلى ما أصابه وقد قرفصنا عند أقدامه، أنا وابن عمتي، نشاغل ألمه بما اتسع لنا من دعك اصابعها، فيرتخي حتى يغالبه الوسن .

صحا ابن عمتي بعد تلك الليلة فجراً، قال:

– سعودي، أكَعد، خلدون انطاك عمره

تعليق واحد

  1. عبد الرضا حمد جاسم

    له الذكر الذي اتمناه دائم عطر
    عاش واثقا مبتسم و مات و الابتسامة قد لا تليق بغيره

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *