الرئيسية » فكر » فلاح حكمت : الموهومون

فلاح حكمت : الموهومون

الموهومون
فلاح حكمت

كثيرةٌ هي الأوهام في حياتنا . حياتنا ذاتها قد لاتعدو أن تكون وهماً بمعنى أنّ مانحسبه حقيقة راسخة ليس سوى مواضعة سايكولوجية تتباين بحسب الأفراد تبعاً للأمثولة الفلسفية التي مفادها ( نحن لانرى العالم كما هو ؛ بل نراه على الحال الذي عليه نحن ! ) . لاحدود لسلسلة الأوهام التي يمكن أن نختبرها في حياتنا إلى حدّ صارت معه المفاهيم الفيزيائية الوجودية الأولية ( الزمان ، المكان ، الوعي ،،، ) أوهاماً كاملة تتقاطع مع رؤيتنا البديهية لها بحسب مايرى معظم الفيزيائيين الذين باتوا يرون الوجود أقرب إلى محاكاة حاسوبية كاملة محكومة بقوانين فيزياء الكم الغريبة .
لستُ أقصد هنا الحديث عن تلك الأوهام الجمعية الملازمة لوجودنا البشري ؛ لكني أسعى لتناول نمط آخر من الأوهام فردية الطابع والتي يمكن أن تصبح خصيصة ملازمة لصنف محدّد من الناس ذوي منازع سايكولوجية خاصة . يكمن العنصر الإيهامي لدى هؤلاء في طهرانية متخيلة ناشئة عن الإدمان على فعل لايفعله الآخرون ، ومع الزمن يتصلّب هذا الشعور الطهراني والإحساس بالفائقية البشرية والإنجاز المتميز ويتخذ عند هؤلاء سمة الحقيقة المقطوع بصحتها حتى لو لم تُعلن على الملأ ولم تُدعَم بحقائق نراها على الأرض . إنه نمط من الوهم الشبيه بوهم من يحجّ إلى مكة فينشأ لديه نوع من الإحساس الموهوم بأنّ أفاعيله القادمة صارت محصّنة حتى من المساءلة الضميرية بصرف النظر عن مدى إشتمالها على مثالب أخلاقياتية توجع الضمير البشري غير الملوّث بالأدران .
ثمة طهرانية موهومة أستطيع أن أسميها ( طهرانية القراءة ) نراها مجسّدة لدى أفراد عانوا في حيواتهم المبكرة عنتاً معيشياً أعاقهم عن التحصيل الأكاديمي فانكفأوا على ذواتهم وعوالمهم المغلقة يشبعونها قراءات في شتى المظان المعرفية المتداولة ( الأدب والفلسفة والتأريخ والسايكولوجيا بخاصة ) حتى إستحال فعل القراءة لديهم نمطاً من الممارسة التطهيرية التي يريدون بها الترفّع عن المجال الأكاديمي السائد واعتباره فضاءً لايرقى لتخوم تطلعاتهم الطموحة العابرة للجبهات المعرفية المتقدّمة ، ومع السنوات يتصلّب لديهم هذا الفعل التطهيري حتى يستحيل طهرانية مترفعة وإن تلفّعت بأوهام ثقيلة .
يمكن وصف هؤلاء الموهومين بطهرانية الفعل القرائي بأنهم ( مقراؤون بلا معدة ) ، ولندقق هنا في وصف ( مقراء ) الذي جاء على زنة ( مفعال ) وهي صيغة تشير لإسم الآلة ؛ فهم أقرب إلى بلدوزرات تبتلع كميات ضخمة من المعلومات لمحض أنها تستطيب فعل الإبتلاع هذا ولاتجد له بديلاً يعطيها بعض شعور الإنجاز في هذه الحياة .
ثمة مايمكن تسجيله من ملاحظات مميزة لهذه الظاهرة السايكولوجية السائدة في مجتمعاتنا العربية :
أولاً : قد تكون هذه الظاهرة ردّة فعل متوقعة لانحسار التعليم وغياب العدالة وتكافؤ الفرص في التعليم العالي وبخاصة في الدراسات العليا فضلاً عن جمود النظم التعليمية الجامعية وعدم قدرتها على تلبية بعض نوازع الأفراد التواقين لإختراق التخوم المعرفية وعند الإنكفاء في محض تخصّص دراسي بليد .
ثانياً : تشيع هذه الظاهرة في الفروع المعرفية التي تتيح للمرء قدرة المناورة وسلوك المسالك الإلتفافية الكيفية والإلتواءات اللغوية ( فلسفة ، سايكولوجيا ، أدب ، تأريخ ،،، ) في الوقت الذي تختفي مع الفروع المعرفية الصلبة التي تتطلب تدريباً شاقاً وإعداداتٍ فكرية محددة تستعصي على كل ألاعيب المناورة ( رياضيات ، فيزياء ، ذكاء إصطناعي ، علوم حاسوبية ،،، ) .
ثالثاً : غالباً ماترى هؤلاء الموهومين متجهمي الوجوه ، مفتقرين إلى الكياسة ، منكفئين في كهوفهم الملأى بالكتب المحشورة حشراً فوق بعضها . مانفعُ قراءة تنتهي بنا إلى بلادة الحس وتجهّم الوجه وتوهّم رفعة طهرانية متورّمة ؟

تعليق واحد

  1. باهرة عبداللطيف

    التفاتة دقيقة لسلوك نمط من المثقفين..! ليتك ياعزيزي استاذ حكمت ترفدنا من حين لاخر بمقال تحليلي يرصد عالم الادباء والمثقفين بعين خبيرة ونظرة ثاقبة تخصك بجدارة.

    – تحية وتقدير للمنبر الرصين (الناقد العراقي) لاحتضانه المثقفين والادباء المبدعين بكرم كبير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *