محمود سعيد : الأوبرا والكلب لعلي الشوك.. رواية السرد الصعب (ملف/11)

ملاحظة:
كان الأستاذ محمود سعيد يكتب مقالاته تحت اسم مستعار هو “مصطفى علي نعمان” قبل عام 2003 لأسباب معروفة.

في أحدى رسائله، شكا المرحوم علي الشوك من شدة وقع مقالة كُتبت عن روايته الأوبرا والكلب، وقال لي بالحرف الواحد: “كتبت بحروف مسمومة، حاقدة”. وكنت قد كتبت هذه المقالة الصغيرة عنها للتو، فقد أهدى الرواية لي يوم وصولها من دمشق، مع رسالة، فبعثت المقالة إلى جريدة الحياة اللندنية حالاً”.”.
******
الأوبرا والكلب
علي الشوك
دار المدى. دمشق ١٩٩٩
مصطفى علي نعمان
هناك موضوعات حياتية لا تكاد تخلو منها معظم الروايات، كالحب والغيرة والانتقام وحبك المؤامرات..الخ. هذه الموضوعات بسيطة سهلة المأخذ، لكن القليل من الكتابمن اختار موضوعاً علمياً، والسبب بسيط جداً: فالموضوع العلمي يستعصي على السرد الممتع، حتى لو وضعه في قالب روائي،وأخضعه للقص، أما إذا غامر وفعل ذلك، ونجح فذلك يعني أنه يتوافر على إرادة قوية لا يتمتع بها إلا أولو العزم، وأثبت علي الشوك في روايته “الأوبرا والكلب” أنه من هذه الفئة.
في سنة ١٩٩٣ وصف علي الشوك رواية صديق، عراقي، جانبته الظروف وقلبت له الأيام ظهر المجن، فلم يستطع نشر روايته إلا بعد ربع قرن، من كتابتها. وصف علي الشوك الرواية بأنها رواية المجازفة والمغامرة، لأن، المؤلف غامر بنشرها على وجوده الأدبي وهو في خريف العمر. ولو أرهقت نفسي لأجد أفضل من هذا الوصف ينطبق على رواية “الأوبرا والكلب” لما وجدت، فكأنه بهذا الوصف يصف روايته لا رواية زميله.
ياسمين فتاة من والد فلسطيني وأم أوربية، تولد في فيينا، وتختارالموسيقى دراسة وهواية، لكنها تخالف رغبة والدها في الزواج من عربي. تتعرف إلى غير واحد أوربي، ثم تقع في غرام “هيرمان” الألماني، عالم الآثار، وتتزوجه سراً، وتسافر معه إلى كريت، ومن هناك تكتب رسالة إلى أبيها تعتذر منه، لكنه ما إن يعلم بزواجها وهربها حتى يصاب بوعكة قلية تتركه بين الحياة والموت، معلقاً آماله على رسالة أخرى منها تعتذر فيها، عن تصرفها ليغفر لها، وعندما لم تصل الرسالة المتواخاة يئس وأحبط، وتفاقم مرضه فرحل عن الدنيا.
عندما وعت ياسمين ما اقترفته يداها بلغ منها الندم أقصاه بحيث بات يؤرق مضجعها، ثم تعايشت معه، “الألم” لا بل أصبحت تستمرئ الألم وجلد الذات، فتركت زوجها في اليونان ورجعت إلى فيينا لتكون قريبة من أمها، وأغرقت نفسها في بحر دراستها لتنسى، لكن هيهات، فالموضوع الذي اختارته صعب للغاية ومصادره قليلة جداً وضائعة. كانت تبحث عن وشائج تربط بين الموسيقى العربية والأوربية في القرون الوسطى، وكانت ترى في العود آلة موسيقية قديمة استعملت في الشرق والغرب، ثم ركزت على النوبة المعروفة في الموسيقى الشرقية والمتتالية، أو الأشكال الموسيقية في الألحان الغربية والتي يرجع أصلها إلى الأندلس، وأمام هاتيك الصعوبات تصاب ياسمين بالإحباط، لكنها تتذكر نصيحة المشرف على رسالتها بعدم الاستسلام، فتتابع قصة تراثية يلتقي فيها الشرق والغرب، فتذهب إلى المكتبة العامة لتتبعها، فتقودها تلك الخطوة إلى خيوط تنتهي بالمغرب، وهناك تلتقي شخصيات مغربية وعراقي فنان “الدكتور ناصر”، يقع في حبها من طرف واحد..
.
تأخذ الموسيقى وتاريخها وآلاتها وعازفوها الحيز الأعظم من الرواية، ولا أعتقد بأن كاتبا غير علي الشوك قادر على الخوض في موضوع كهذا ليشركنا في اهتمامات البطلة، ويدخلنا في أجواء الموسيقى العربية والمغربية، فمنذ ظهور مجلة “المثقف” العراقية سنة ١٩٥٩ وعلى الشوك يكتب عن الموسيقى وتاريخها، وربما تكون “الأوبرا والكلب” ثالث كتبه عن الموسيقى بعد “الموسيقى الإلكترونية” و”الموسيقى بين الشرق والغرب” لكنها تختلف عنهما لأنها اتخذت من الشكل الروائي قالبا. اعتمد المؤلف حبكة غاية في الطرافة والتشويق ليذلل وعورة الموضوع المثقل بالبحث العلمي الذي شغل البطلة وأمها وجمهور القراء. كنا ننفعل مع البطلة حين تجد بصيص أمل يقودها إلى حل لغز الحلقة المفقودة بين الشرق والغرب، نفرح لانتصارها، ونحزن لإحباطها، ثم فجأة كما في الحياة أيضاً يلوح أمل آخر، فإحباط آخر، وكأننا في رواية بوليسية.
لكن ما علاقة الرواية بالأوبرا والكلب وهما ليسا من ضمن الهيكل العظمي للرواية، ولماذا اختارهما المؤلف عنواناً للرواية؟ الحواب يأتي في الفصل الأخير حيث تكون الأوبرا هي المكان الذي يتمكن في الدكتور ناصر من كشف حبه لياسمين، ويكتشف في الوقت نفسه أنها تبادله الحب نفسه، بينما يقوم كل ياسمين قيصر بدور مساعد لا يقل عن دورالأوبرا. ولعل الصفحات الخمس التي حلل فيها المؤلف نفسية الكلب هي أجمل ما في الرواية إن لم تكن أفضل ما قرأت عن حيوان في روايةأعطى المؤلف حيزاً مهماً في الرواية للمكان. كل الأمكنة حية تتحرك، تتفاعل مع القارئ، سواء كان المكان اليونان، أو فيينا أو المغرب، على شاطئ البحر، في المقهى، أمام دار الأوبرا، في السيارة، وأعطى قدراً من الانتباه إلى أبطاله فرسمها بضربات رشيقه من فرشته، لكنها دقيقة على رغم سرعتها. فقد كانت الشخصيات الثانوية واضحة بينة لا غموض فيها وبخاصة الأبوين والدكتور سالم وصديقه ناصر، أما فاطمة الغرنوقية فكانت متألقة كمعظم فتيات المغرب الشقيق والحبيب.
ومما يحسب للمؤلف وهو من المهتمين باللغة أنه اتحف القراء بقدرته على ا ستعمال كلمات كان فيها رائداً مثل الرابوع “اربعة أشخاص” وتارشفت، وضعت في مكانها في الأرشيف” ، وتبنجه “تخدره” وكانت تستعل في الدارجة العراقية فقط، وهي فصيحة. كما أن استعماله لكلمة “صاحياً”، كان النهار صاحياً بدل صحواً فكسر لتقاليد الكتابة التقليدية الروتينية
لكني كنت أتمنى لو استبدل كلمة “استمناء”، “ص١١” بكلمة أخرى، لأني لم أفهمها في السياق الذي وردت فيه، كلك كلمة “الجاجيك” وهي مزة عراقية عباسية، أصلها “جاجق”، ولكنها غير معروفة لغير العراقيين، وربما كانت كلمة “بديا” “الذيْن بديا بربرين” خطأ مطبعياً، بدل “بدوا” “ص ٦٤”. وكلمة هركلة التي تعني الاختيال والبطء، وهو يقصد الهلوجة وهي التعجل. كما تمنيت لوحذف ال من كلمة “الأكدال” فهي “أكدال” لكي لا يزعل أهل الرباط بشكل خاص، والمغاربة بشكل عام، وأنا حريص على رضاهم لطيبتهم المتناهية ودماثتهم. وهنا أحب أن أذكر علي الشوك بأن هذا الحي الراقي في الرباط يخلو من البعوض “ص٦٣”، كما أن، أهل المغرب لا يستعملون كلمة “ولو” “ص٩٧” كما يستعملها أهل الشام، وكل هذه الهنات الصغرى لا تضر بالرواية، ولم أذكرها إلا لعلمي بدخيلة الكاتب السامية التي ترنو أبداً إلى الكمال.
هل رمز علي الشوك إلى إبقاء الشرقي في شرقيته، في هذه الرواية، وعزله عن الغرب عزلة أبدية وهو من المبشرين بالتلاقح الحضاري بين الشرق والغرب؟ أم يجب أن نجرد الرواية من أي رمز ونتركها لتروي احداثاً فقط؟ حسنا إن فعلنا ذلك فما بال ياسمين تهجر زوجها الألماني وترجع إلى شرقيتها وتختار الدكتور ناصر العراقي لتبدأ حياة جديدة؟ أرفضت الغرب لتؤكد الرمز الأول برجوع كل شخص إلى جذوره؟ إنها لوقفة مهمة وسؤال أهم يتعلق بقول من قال: “الشرق شرق والغرب غرب ولن يتلقيا” تلكالمقولة التي كرس علي الشوك الكثير من جهده ووقته لتفنيدها والتي أثمرت عن أكثر من كتاب. وعسى أن أكون من المخطئين!..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *