الرئيسية » نقد » ادب » ابراهيم داود الجنابي : السيرة الغيرية والسيرة الذاتية .. الاجناس والتعالق الزئبقي رواية قلعة طاهر انموذجا

ابراهيم داود الجنابي : السيرة الغيرية والسيرة الذاتية .. الاجناس والتعالق الزئبقي رواية قلعة طاهر انموذجا

السيرة الغيرية والسيرة الذاتية .. الاجناس والتعالق الزئبقي رواية قلعة طاهر انموذجا
ابراهيم داود الجنابي

تشير اغلب الدراسات النقدية والكثير من المشتغلين في حقل الرواية ان كتابة السيرة الذاتية لاتنتمي الى حقل الرواية فيما يعده البعض نكوص وهروب ويعزون ذلك الى ان كتاب السيرة الذاتية تحت ,عنوان رواية ,يعانون من نقص المخيلة وقلة حيلتهم في استنباط الرؤى الفاعلة من اجل انتاج فعل ابداعي يحمل السمات المهمة لعملية الروي بالاضافة الى ان فضاء السير الذاتية يتيح للكاتب ان يتخذ من الفترة الحياتية وتقلباتها مساحات واسعة من الاحداث الجاهزة بوصفه قد تعامل وعاش في خضم كل هذه الاحداث لهذا لا يحتاج الى مخيال خصب يمتاح منه الارهاصات التي تلون فضاءات الاحداث . او ان كاتب السيرة الذاتية يجنح في كتابته الى ترميز بعض الامور التي لا يمكن التطرق اليها في مسيرته الحياتية كونها ,ربما تخدش او تفضح بعض الاسرار .كل هذه الاراء وغيرها تؤكد ان السيرة الذاتية جنس ادبي كبقية الاجناس له خصوصيته وادواته .
يرى د.جميل حمداوي (علينا ان لا نخلط بين السيرة الذاتية والسيرة الغيرية لان البيوغرافيا منتشرة بشكل كبير في الاداب العربية والغربية على حد سواء وما دامت هذه البيوغرافيا ترجمة توثيقية وتاريخية وفنية واخبارية ترصد حيوات الاخرين على حساب ذات المبدع الكاتب وتؤرخ لها من منطلقات نفسية واجتماعية وفنية وتاريخية ..)
(قلعة طاهر ) رواية سيرة لكاتبها حسن السلمان والتي صدرت عن دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع عام 2017 والتي تشير عتبتها الاولى على انها رواية سيرة غيرية وليست سيرة ذاتية حيث تتحدث عن الواقع الريفي في العراق وتحديدا في جنويه حيث بيئة الاهوار التي نزدهر فيها العفوية والفقر وجماليات المكان اضافة الى السطوة القاهرة على رقاب الفقراء والفلاحين واستفحال قسوة الاقطاع بشيوخه وحاشيتهم التي تثقل كاهل الطبقات المسحوقة .ربما لا اتفق تماما لا بل اختلف مع ما جاء في الغلاف الاخير للكتاب والذي يتحدث ليؤكد (تسير حركة الشخصيات وفقا لمخطط سير الحكاية من دون تدخل الراوي بالكشف عن اعماق الشخصية وهتك جوانيتها النفسية عبر التداعيات المنولوجية والخطابات الذاتية )* ولان الراوي عليم ومتابع وجدير المعرفة بكل الاحداث لانه سيبوح لنا في اخر الرواية عن متعلقات وخصوصيات تفاجيء المتلقي ففي صفحة 29 من الرواية يتحدث الراوي العليم عن تلك الخصوصيات حيث يقول (مع نهاية كل موسم حصاد وبعد استلام ريع المحاصيل يسافر شيخ طاهر بصحبة السركال الى بيروت او القاهرة للاصطياف يخلعان الزبون والعقال والشطفة ويرتديان اخرموديلات البدلات الانجليزية والقبعات الامريكية واربطة العنق الفرنسية ) ليصل تدخل الراوي الى شروحات مفصلة عن علاقات الشيخ وهو يشرح لاحدهم عن صورة له مع فتاة بيروتية شقراء بشورت قصير في شارع الحمرا .ما يبدو ان تدخلات الراوي العليم كانت واقعة حقيقة لا يمكن القول عنها على انها سلوكيات راو عليم بكل التفاصيل . وما يؤكد ذلك مسالة مهمة تناولها الكاتب بجراة حقيقية حول سلوكيات طوفان اخ الشيخ والرديف بعلاقته مع احدى المومسات في تلك القرى النائية .
ما يميز رواية قلعة طاهر انها تخطت الحواجز والاكراهات القيدية وانسابت احداثها بكل عفوية وجراة في الطرح اضافة الى التعددية الشاخصة لتنوع الاحداث وكأن الكاتب يسجل التفاصيل بكاميرة خفية ,هذا ينم عن مخيال خصب كونها سيرة غيرية وليست سيرة ذاتية يستطيع ان ينهل من ذاكرته حتى التفاصيل الدقيقة للاحداث .ولان السيرة الغيرية بمفهومها الاصطلاحي تعني الشكل الاخر من اشكال السيرة لكنها تختلف عن السيرة الذاتية كونها تتناول بوعي شخصية اخرى بكل مفاهيمها وخلوصات سلوكياتها وصولا الى احساس متقد وعالي للولوج الى عوالم الشخصية المنتخبة وكتابة سيرتها بكل الارهاصات التي تحمل .فقد كانت الرواية حبلى بالاحداث التي توازنت فيها عناصر الروي الفاعلة ابتداء من سلوكيات الشيخ طاهر واخيه الشيخ طوفان وحكاية المعلم الشيوعي (قاسم ) وهروبه مع حبيبته (نعيمة ) الى المدينة وقصة (زهرة ) مع الحارس (ماهود ) لتتمثل الحكاية مثيولوجيا استطاع من خلالها الكاتب الى اسطرة الحكاية بين الراعي والراعية الذي دفع بأمه لتكون زوجة لاب الراعية الذي اشترط هذا.. كون الراعي لا يمتلك اختا بديلة لحبيبته الراعية ولم يجد الراعي بدا من اخبار امه بتلك الشروط التي وافقت عليها ..لينتهي الامر نهاية ماساوية بمقتل الكل نقرأ ص 50 (لم يدم شهر العسل طويلا حتى غرزت ام الراعي منجلا في راس ضرتها .. حينها توقفت ثلاثة مشاحيف في كل مشحوف رجلان ملثمان يحملان البنادق والفالات .عرفت زوجة الراعي انهم اخوتها ,اقتادوها الى المشحوف وتقدم احد اخوتها وغرز منجلا في راس ام الراعي بعد ما احرقوا الراعي ) نستخلص من هذا ان الرواية حملت في متها الكثير من الاحداث وتداخلاتها مسجلة الواقع الريفي بكل تشكلاته الاجتماعية والسياسية والتي برزت من خلال عمليات الارخنة لاحداث زامنت تلك المرحلة فهي بالاضافة الى كونها نصا ادبيا مجنسا يمكن اعتبارها وثقة تاريخية تحاكي فترة عصيبة من تاريخ العراق .
زئبقية التداخل الاجناسي والتعالقات بين ما هو سيرة غيرية وذاتية ترسخت تلك الاشكالية في رواية حسن السلمان عندما تحول ضمير السرد الى الضمير الانوي ضمير المتكلم وتحديدا في الفصل الاخير (فقد ابي هوية الاحوال المدنية فاصطحبته الى مديرية جنسية قضاء الميمونة التابع لمحافظة ميسان لاصدار هوية بدل ضائع ) ص164 تلك هي المفاجأة التي تحدثنا عنها في المقدمة والتي رسخت التحولات انفة الذكر ليتحول الفصل الاخير الى ما يشبة ادب الرحلات لان التجوال في مسرح الحدث مع الاب كان عبارة عن تلمسات للماضي الحاضر حيث افصح الكاتب عن القرابة التي تربطه بالشخصية المركزية للرواية وهو الشيخ طاهر (نظر الي ابي فاسرعت اليه ..اشار الي بقايا طوفة طينية وقال (هنا كانت قلعتنا ,هنا كانت صريفة جدتك, وهنا كانت صريفة عمك طاهر ,وهنا كانت صريفتي ……..)ص 166 .خلاصة القول ان فعل التشابك بين السيرتين كان هو الضربة والدهشة في هذا الفعل السردي السيري .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *