الرئيسية » ملفات » الشاعر عيسى حسن الياسري يستعيد ذاكرة قصائد المراعي
حاورته: إستبرق العزاوي (ملف/118)

الشاعر عيسى حسن الياسري يستعيد ذاكرة قصائد المراعي
حاورته: إستبرق العزاوي (ملف/118)

المبدع الكبير عيسى الياسري

إشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تحتفي بالشاعر الكبير “عيسى حسن الياسري” بهذا الملف الذي – على عادة الموقع – سوف يستمر لحلقات كثيرة لأن الإبداع الفذّ لا يحدّه زمن . لقد وضع عيسى الياسري بصمته الشعرية الفريدة على خارطة الشعر العربي والعالمي . نتمنى على الأحبة الكتّاب والقرّاء إثراء هذا الملف بما يتوفّر لديهم من دراسات ومقالات وصور ووثائق تحتفي بمنجز هذا المبدع الفذّ وتوثّق حياته الشخصية والشعرية الحافلة بالمنجزات والتحوّلات الإبداعية الثرة.

الشاعر عيسى حسن الياسري يستعيد ذاكرة قصائد المراعي 
حاورته: إستبرق العزاوي

إلتقيته على هامش مهرجان (مصطفى جمال الدين) الذي نظمه المركز الثقافي العراقي في الولايات المتحدة- واشنطن حيث ساهم في المهرجان المذكور بقراءات شعرية إلى جانب عدد من النقاد والشعراء العرب والأمريكيين، ومع إستمرار التواصل عبر الإنترنت والهاتف كنا نتجاذب أطراف الحديث حول قضايا مختلفة منها المشهد العراقي الحالي وما يعتريه، وثمة حديث آخر عن الأدب والفن، فشاعرنا الياسري المقيم في مونتريال الكندية أحد أولئك الشعراء الذي ولج عتبة الشعر من أوسع آفاقها ونتاجاته تشهد له بالتميز والإجادة ولازال رغم إعتلال صحته مازال يرفد المشهد الشعري بما يطمح له من إبداع فشاعر الكلمة الحرة كما يحلو لنا أن نناديه عبر تجوالنا في دواوينه الثمانية يمكننا القول أن تجربته الشعرية التي أستندت إلى لبنات تعززت بناها بفعل عوامل عدة منها نظرة الشاعر الإستثنائية لماهية الشعر ودوره في جدلية الحياة والوجود وموقفه الفكري الواعي من متغيرات مجتمعه الملتهبة، وعبر عقود خلت من الممارسة الشعرية الخلاقة التي لم تنفصل يوما ً عن فصول تجربته الحياتية المريرة، ومن خلال مسيرة تطور قصيدته التي تشي بأن ثمة لمسات جمالية متأتية من خلال ثقافة شعرية عامة وواسعة وحساسية عالية أفضت إلى إبداع يشار له بالبنان على مستوى الشكل والمضمون وقبل أن نخوض في تفاصيل الحوار لابد لي أن أتوجه بالشكر إلى كريمة شاعرنا الكبير عيسى حسن الياسري د. أروى عيسى حسن الياسري التي أعطت من وقتها الكثير لتساعد والدها في عملية الطباعة على الكومبيوتر فكما هو معروف أن شاعرنا يعاني من وضع صحي معين جعله يعاني منذ فترة ليست بالقصيرة بحالة أشبه بشلل بأطراف أنامله المبدعة التي خطت مفردات الجمال وحملتها في المحافل الدولية لتتوج بالعديد من الشهادات المتميزة ومنها جائزة الكلمة الحرة في هولندا والشاعر عضو اتحاد الشعراء والكتاب الكنديين، إلتقيته فكان معه هذا الحوار: –

س: من المعروف أنك تنقلت بين أكثر من مغترب كيف اثرت محطات الاغتراب على واقع القصيدة؟
ج: لاشك أن المغترب يشكل إضافة جديدة لابداع الشاعر.. لانه يضيف أولا ً معاناة جديدة إلى معاناته التي عاشها في الوطن ستكون أقسى بالتأكيد .. وهذه القسوة لاتتمثل في الحصول على الخبز أو الدواء
أوالسكن ..لأن الدولة التي وصلتها وفرت لي كل ّ شيء دون أن تطلب مني شيئا ً احتراما ً للسن .. ودزينة الأمراض التي كافأني بلدي فيها “تكريما ً لخدماتي ” ..أي أنها لم تقدم لي خدماتها مؤقتة حتى أحصل على عمل بل قدمتها باحترام يليق بي كأنسان ..فهنا الأنسان يمثل قيمة عظمى .. ولكن قسوة معاناتي تلك كانت تتمثل في الحنين إلى الأهل والأصدقاء ووطن الطفولة حتى الكهولة .

صورة نادرة للشاعر الكبير عيسى حسن الياسري بالملابس العربية ايام قرية المحسنة

في بلدي الذي أعطيته أجمل سنوات العمر بين التدريس والإذاعة والصحافة الأدبية .. كافأني بكل ما يدمر العمر ..ويسحق الحياة .. فأنا كما تعلمين .. وأثناء سنوات الحصار الهمجي جلست ولست سنوات أعمل “كاتب عرائض ” في الحر والبرد أمام ” محكمة بداءة الاعظمية ” لأوفر احتياجات عائلتي .. واحمي كلمتي من الانحناء ..ومدح الحاكمين ..وكان بامكاني لو فعلت هذا لعشت مرفها ً.. علما ً بأن ّ صديقي هذا الأنسان النبيل ” لطيف نصيف جاسم ” الذي كان مديرا ً عاما ً للاذاعة والتلفزيون قد رشحني للسلك “الدبلوماسي ” ورفضت ..كنت آنذاك رئيسا ً للقسم الثقافي في إذاعة “صوت الجماهير ” قلت له لا اريد أن اخسر حريتي .. وقد كتبت شيئا مفصلا ً عن هذا الموضوع في ” سيرتي الذاتية ” . أضطررت على مغادرتي بلدي في بداية خريف 1998 بعد أن هدني العمل في “كتابة العرائض ” .. وصلت إلى الأردن محطة الاغتراب الأولى وكان في جيبي “ثلاثون دينارا ً أردنيا ً ” فقط .. كان معي صديق هو وولده الذي اغتالته فرق الموت بعد الاحتلال ..ويتمت اطفاله .. وانضم إلينا صديق عزيز آخر ,,استأجرنا شقة بائسة .. دفعنا ايجارها مقدما ً..وقد تبقى معي خمسة عشر دينارا ً ..وكان عليّ أن أشد حجر المجاعة على بطني ..حتى اجد فرصة للعمل ..وانا لااجيد غير الورقة والقلم .. بعد اسبوعين لم يتبق معي سوى خمسة دنانير .. ولكنني كنت مصمما ً على البقاء حتى ولو مت فوق أرصفة شوارع “عمان ” جوعا ً .. وقد التقيت صدفة أحد الأصدقاء وهو اخي ” الدكتور علي عباس علوان ” الذي كان يدرّس في “جامعة مؤته ” ..تعانقنا وبكينا المصير الذي دفعنا الى هذه المحنة ..وعندما عرف ما اعانيه اتصل باخي وصديقي ” سعد البزاز ” وكان في لندن واخبره بمعاناتي .. في اليوم التالي جاءني الى مقهى ” السنترال ” احد اصدقائي ..اخبرني أن مديرة مكتب “جريدة الزمان ” الآنسة الفاضلة ” ندى قدومي ” تريد حضوري ..وتبرع أن يوصلني في اليوم التالي .. وهناك وجدت أن “سعداً ” هذا الصديق الكبير الوفاء قد أرسل لي مبلغا ً قدره مائتا دينارا أردنيا ً ..وهو مبلغ انقاذي بالنسبة لي ..وفتح أمامي صفحات جريدة الزمان ..وخصص لي مكافأة شهرية مقطوعة كتبت أم لم أكتب قدرها مائة دينارا ً.. كان المشرف على صفحات “ألف ياء ” الثقافية الصديق ” عبد المنعم الأعسم ” وكان يهتم بالمادة التي أرسلها كثيرا ً ..وتاخذ طريقها سريعا ً للنشر .. وهنا استقر وضعي المادي.. ووضع عائلتي التي صرت ارسل لها جزءا ً مهما ً مما استلمه لأنني لم أوفر لها شيئا ً.. وهكذا.. وبفضل هذا الصديق النادر ” سعد البزاز ” الذي تربطني به صداقة حميمة منذ ان كان هو رئيسا ً للقسم الثقافي في اذاعة “بغداد ” وكنت أنا رئيسا ً للقسم الثقافي في اذاعة “صوت الجماهير ” .. استقر وضعي . ثم اتصل صديقي الدكتور “علي عباس علوان ” بأساتذة عراقيين آخرين يعملون معه .. وراحوا يساعدونني ..وأذكرمنهم.. وبصورة خاصة الأستاذ الدكتور ” محمد البكاء ” الذي أمدني بالكثير ,,وفتح بيته لي .. والصديق الدكتور ” صاحب أبو جناح “و ” الدكتور سعيد الزبيدي ” .. لقد دونت تفاصيل كثيرة عن أخي ” سعد ” .. وبقية الأصدقاء لموقفهم التاريخي الشريف الذي لاينسى خلال إقامتي في الأردن في مذكراتي ” غيمة عابرة ” التي تنتظر أن تنشر في يوم ما . كما فتحت أمامي الصحافة الأردنية صفحاتها .. واحتفت بي مؤسساته الثقافية سيما ” رابطة الكتاب الأردنيين ” .. و “بيت الشعر الأر دني ” الذي أقام لي أكثر من أمسية شعرية ..ودعاني للمشاركة في “مهرجان الشعر العربي ” الذي أقيم بمناسبة افتتاحه .. علما أنني حين وصلت “الأردن ” لم أجد من يعرفني من أدبائها .. أو المشرفين على صفحات جرائدها الثقافية بسبب التعتيم الإعلامي عليّ في بلدي .. المتمثل في منعي من المشاركة في “مهرجان المربد ” .. أو المشاركة في مهرجانات الشعر العربية ..بل وحتى منع كتبي من المشاركة في معارض الكتب العربية ..علما ً أنها طبعت جميعا ً في “دار الشؤون الثقافية ” التي كانت أهم دار نشر في الوطن العربي ,, ولكنني سرعان ما فرضت حضوري على الوسط الأردني الشقيق والطيب ..المضحك ياسيدتي .. وربما المبكي معا ً ..أنني زرت بلدي العراق عام 2010 .. احتفت بي المؤسسات الثقافية المدنية .. واتحاد الأدباء ..وحين دعيت للمشاركة في المربد وهي المرة الأولى التي أدعى للمشاركة فيه منذ تأسيسه ..وذهبت إليه.. وكان هدفي الألتقاء بأصدقائي الذين أبعدني عنهم المنفى ..المضحك أنني وجدت أن نفس الوجوه التي كانت تعمل “بوضاعة ذليلة ” في إمرة النظام السابق هي التي تشرف عليه .. ولا أدري أية قدرة يمتلكها هؤلاء الذين يغيرون “براذعهم ” مع كل نظام جديد .. وبصلافة لاتجيدها حتى من يعملن في ” …… ” .
لقد ذكرني موقف هؤلاء الذين يسمون ” بالأدباء ” من الأنتهازيين البشعين بمقولة للفيلسوف
” لوقيانوس ” يذكر فيها ما ينطبق عليهم ” حيث يقول:
” هؤلاء المهرجون والدجالون الجهلاء .. الذين خلقوا ليزحفوا على بطونهم .. وولدوا للذل .. وعاشوا للهوان .. وفطموا على المسكنة .. إذا استطاع هؤلاء أن يتخلصوا من هذا العمل المشين .. فلن يجدوا لأنفسهم أيّ عمل ٍآخر .. لأنهم لن يصلحوا لسواه .. وبذلك يصبحون عاطلين مدى العمر ” .
بعد عامين ونصف وصلت إلى ” كندا ” بعد أن قدمت طلب اللجوء الإنساني إلى “المفوضية السامية .. وفي “كندا ” يضاف عامل جديد للتأثير على قصيدتي ..حيث بعد المكان الجديد الذي يختلف في تضاريسه .. وتشكيلاته الجمالية .. عن المكان الأول .. وهذا ما يمنح لغة الشاعر تنويعات مكانية جديدة .. ويغني قاموسه الأول الذي تأسس وفق ابنية لغوية مميزة .. وعلاقات عائلية واجتماعية مختلفة .. ولكن .. ليس بمقدور جماليات المكان الجديد .. والأنبهار به في المواجهة الأولى معه أو حتى بعدها أن تلغي هرمية المكان الأول .. وعمق أسسه البنائية التي تبدأ من الطفولة لبنة الحياة الأولى .. نحن في أول مواجهة لنا مع المغترب ..او أسميه أنا المنفى ..لأن المغترب يتم بطريقة إرادية ..أما المنفى فهو قسري ..تفرضه ظروف وحشية ..أقول إن أول لقاء لنا مع المنفى علينا أن نعود أطفالا ً نتعلم المشي .. وتهجئة اللغة الجديدة كما يقول ناقدنا المبدع الأستاذ ” حسين سرمك حسن ” في كتابه القيم الذي وضعه عن تجربتي الشعرية وهو بعنوان “شتاء دافئ ” طبع في القاهرة ” .. إنه يحاول أن يقطع جذورنا مع المكان الأول أيضا ً .. ويصهرنا في بوتقته .. ومن هنا يبدأ صراع نفسي بين الشاعر وبين مأزق المنفى .. قليلون هم أولئك الذين حافظوا على انتمائهم للحاضنة الأم .. وأقاموا تعادلية متوازنة .. تعطي المنفى من موروثها الضارب عميقا ً في منطقة الجذور .. وتأخذ منه ماتراه مفيدا ً لإغناء هذا الموروث .. وإثرائه .. وقد حاولت أن أوفق في قصيدتي مابين ما أعطي المنفى ومأ آخذه منه.

س: من الملاحظ أن ثمة معادلات وظائفية تتقابل في نسق القصيدة كيف تؤثث معمارك الشعري؟
ج: هناك وظائف فنية ..ووظائف موضوعية .. وكل هذه الوظائف لن تتآزر على خلق النص الشعري من خلال فرض وظائف هجينة يستعيرها الشاعر من مؤثرات قرائية أو تنظيرات غريبة .. المعمار الفني للقصيدة عملية معقدة التحقق .. وهي لاتكتمل إلا بعد رحلة طويلة برفقة الحياة .. وما يتخللها من آلام .. أو سعادات عابرة .. معايشة مضنية للبيئة والمجتمع الذي يعيش فيه .. حصيلته المعرفية من خلال تجواله الدائب في اتجاهين مغايرين ..أولهما .. الكشف الواعي والتحليلي لكنوز تراثه الابداعي القديم والحديث من أجل أن يتوفر على حصانة تحميه من خسران هويته الإبداعية .. والانجرار وراء مدارس شعرية غريبة وتقليدها بطريقة تفقده صوته المميز ..ومن ثم .. وبعد أن تتأسس حصانته التي تحمي هويته ..عليه أن يرتحل عبر ثقافات العالم بكل مدارسها الشعرية ونظرياتها النقدية .. وابداعها الروائي والمسرحي ..وفنونها التشكيلية والموسيقية .. وفلسفاتها القديمة والمستحدثة .. انها عملية شاقة تتطلب من المبدع أيا ً كان ابداعه أن يتعامل معها بصبر وأناة وحذر من أجل أن يخلق معمارا ً فنيا ً يجمع بين محليته .. وأفقه الإنساني الفسيح .

س: من المعروف أنك محترف شعر بمعنى الصنعة ويتجلى ذلك في حساسيتك العالية بتوفير شروط وحدة القصيدة بدء ً من الفكرة المركزية أو الثيمة ومرورا ً بتشكلات الصور اللغوية كيف تقتنص اللحظة الشعرية وتصبها في أنساق فنية موحدة في الشكل والمضمون؟
ج: لايوجد شيء اسمه ” احتراف الشعر ” فالشعر لم يكن أبدا مهنة وظيفية كبقية المهن الأخرى .. الشاعر ..ومهما ارتقى بابداعه الشعري يبقى مبتدئا ً وهاويا ً .. ثم أن ّ الصنعة في الشعر هي اضعاف وقتل للعملية الشعرية برمتها .. لقد انتهى زمن الصنعة الشعرية .. فقد قسم نقادنا القدامى مثل “قدامة بن جعفر ” و ” ابن سلام ” وحتى ” الجاحظ ” وغيرهم من نقادنا القدامى المدهشين في كشوفاتهم النقدية ..قسموا الشعراء إلى قسمين .. شاعر مصنوع ..وهو الذي توفر على اللغة ..وسباكة العروض الشعري ولم يلتفت إلى التجربة الشعرية التي تشكل حجر الأساس في الإبداع .. وشاعر مطبوع ..وهو الذي ولد وهو يحمل معه موهبته الشعرية .. المدعمة برؤية تأملية للحياة وللمجتمع الذي يعيش فيه ..ومعاناته الذاتية .. وحساسية مفرطة تجاه كل مافي الطبيعة .. ولم تغاير النظريات النقدية المعاصرة ما أسسه نقادنا الأوائل إلا في التسميات ..فبدلا ً من شاعر مصنوع وضعوا محله تسمية ” شاعر ثقافة ” .. وبدل
” الشاعر المطبوع ” كانت هناك عبارة ” شاعر الموهبة ” .. إن ماجاء في سؤالك حول وحدة القصيدة عندي بدءا ً من الفكرة المركزية .. أو الثيمة ..مرورا ً بتشكلات الصور اللغوية ..فهي عملية غير مدركة في معظم نسيج القصيدة ..بل تضافرت على تحقيقها عوامل ذاتية وموضوعية نمت وتخلقت خارج رقابة وتنظيم الوعي الخارجي المستيقظ .. إنها عملية تراكمية لمؤثرات عديدة ..تركت بصماتها على تشكيل قصيدتي ..مع هذا فأنا لا أدعي لها الكمال .. لاننا ..ومتى ما وصلنا إلى هذه القناعة فقدنا دهشة الأبداع .. قصيدتي هي الأقرب إلى العفوية ..والبساطة التي تناقض “التبسيط ” ..ولا أفرض عليها أي ثقل معرفي خارجي .. رغم أنني مثقل بكم هائل من التعرف على الأبداع المحلي والعالمي .. مع هذا استطعت أن أخلق قاموسي الشعري .. وصوتي الخاص ..الذي لم تستطع جلبة الأصوات الشعرية الأخرى على سحبه باتجاه منطقتها .. إنني أتمثل دائما بقول الشاعر “بودلير ” الذي يقول فيه:
” حاولت أن أسجن نفسي في منهج شعري معين .. ولكنني وجدت في هذا الأمر نوعا ً من العقاب الأبدي لذا لجأت إلى البراءة الصافية ” وأنا لجأت إلى البراءة الصافية ..وقبل أن أطلع على مقولة “بودلير ” بزمن ليس بالقصير ..المنهج .. والوقوع تحت سلطة الشكلانية اللغوية .. والتعتيم .. والغموض المقصود وليس العفوي هو الذي يقتل روح القصيدة التي تتسم بالبراءة الصافية . ما أتفق معك فيه هو ” اقتناص اللحظة الشعرية ” التي تأتي على هيئة ذكرى أو حدث معين أو موضوع شبه منسي ..وهنا على الشاعر أن يمسك بهذه اللحظة الشعرية لأنها هي التي تشكل بؤرة وثيمة القصيدة الأولى ..لذا فأنني أحمل معي دائما قلما ودفترا ً .. من اجل اقتناص هذه اللحظة التي لانعرف متى تحضر ..وحتى وانا أضع رأسي على وسادة النوم ..يكون الدفتر والقلم قريبين مني .. لأننا متى تأخرنا عن الأمساك بتلك اللحظة المدهشة نفقدها إلى الأبد .

س: كيف أثرت فصول تجربتك الحياتية القاسية على تجربتك الشعرية؟ .
ج: وهل يوجد ابداع بلا معاناة … ؟.. المبدع كائن محكوم باللعنة وكأنه اقترف خطيئة أبينا ” آدم ” .. هو حفيد ” أورفي ” سارق النار .. الذي تنهش من أحشائه ” النسور ” .. وهو الحامل “صخرة سيزيف “..إنه حالة مرضية .. وآلام أكثر ضراوة من آلام ” أيوب ” .. الناس تنام وهو يتقلب على فراش من حسك ..من أجل ماذا …؟ ذكريات بعيدة .. فقد .. أحبة غابوا وتحولوا إلى ذرات من الغبار ومازالوا يتجولون معه .. عذابات أهله في الوطن الذي صار أكثر رعبا ً من منزل ” هاديس ” وأشد خرابا ً من مدن “واسط القديمة ” التي تحولت إلى تلال ترابية نسميها “اليشن ” .. من هنا فإنّ الشاعر هو حامل أوجاع العالم في كل بقاعه مهما كانت نائية وبعيدة .. هذه المعاناة التي تجعل “من جبل صخري كومة من التراب ” هي التي تمنح التجربة الشعرية صدقها .. وتأثيرها في متلقيها .. وغناها الفني .. وصفاء رموزها واستعاراتها الفنية .. وتقديم عزاءها ومواساتها لكل المضطهدين والمهمشين في هذا العالم ..وإيقاظ روح مقاومة الطغيان عندهم .. إنها هي التي تفرض على الشاعر أن يكون ” حرا ً” ..وعليه أن يكون مؤهلا لتحمل العذابات والعزلة التي يدفعها ثمنا لهذه الحرية وليس هذا فحسب بل ربما قدم “حياته ” قربانا ً لحريته .. الشعراء السعداء لا يكتبون الشعر أبدا ً.. الشعر والألم توأمان .

س: من الواضح أنك من أكثر الشعراء تواصلا ً مع الشعراء الشباب كيف تصف العلاقة بين الاجيال الشعرية في الداخل والخارج؟
ج: قلت في ” غيمتي العابرة ” وهي سيرة حياتية .. إنني حققت أشياء متواضعة وطيبة عبر حياتي الأدبية .. ولكن ّ أهم ما يسعدني وأنا أحدق في لوحة ” غيمتي تلك ” هو متابعتي لاصدرات الأدباء الشباب نقديا ً ,,وبمحبة كبيرة ..كما أنني .. وفي كل موقع أدبي عملت فيه فتحت أمام ابداعهم الجميل فرصة نشره سواء كنت أعرف صاحب النص أو لا أعرفه .. كنت أومن أن واجبنا الأول تجاه الأبداع الشاب هو واجب أخلاقي ..وكنت أعود إلى بداياتي .. وكيف أنني لم أجد من يسندني ممن كانوا يشرفون على صحافتنا الأدبية لأنني كنت بعيدا ً عن الوسط الأدبي .. وأعمل معلما ً في إحدى مدن “العمارة ” .. وقد فرضت نفسي على الوسط الأدبي العراقي من “خارجه ” سيما عندما بدأت مجلة “الآداب البيروتية ” وهي أهم مجلة عربية في الستينيات والسبعينيات كانت تستقطب كبار المبدعين العرب.. تنشر نصوصي الشعرية ويتابعها نقاد المجلة بمحبة .. وكان أول ناقد عربي مهم انتبه إلى خصوصية نصي الشعري هو الناقد المصري “الدكتور صبري حافظ “.. لذا وعندما وصلت بغداد .. وعملت في أكثر من موقع ثقافي عاملت الأدباء الشباب معاملة طيبة ..وكتبت وحاضرت عنهم في أكثر من منتدى ..سيما في اتحاد الأدباء حيث قدمت محاضرة عن شعراء قصيدة النثر في التسعينات .. ودافعت عنهم .. وكشفت عمق وجمالية وأهمية مشروعهم الشعري .. والكثير منهم قرأت لهم وكتبت عنهم ولم أعرفهم . كنت اعتبر هذا ليس مهما ً ..المهم أن أحقق واجبي التاريخي والاخلاقي تجاه منجزهم المدهش . وكانوا في غاية الوفاء لي حتى الآن . أما ما ذكرته عن الأجيال الشعرية فأنا شخصيا ً لست مع مصطلح “التجييل ” ..وقد تحدثت عن هذا في مقابلات عديدة سيما في المقابلة التي اجرتها معي في بيتي في بغداد ” قناة الشرقية ” وأدارها الشاعر المبدع ” خزعل الماجدي ” وقد سألني الشاعر الماجدي عن رأيي في موضوعة الأجيال وقد اجبت عن ذلك باسهاب .. واعدتها إلى جذورها الأولى التي ظهرت في ” اسبانيا ” نتيجة تحولات كبيرة حصلت في المجتمع الاسباني وحتى العالمي انعكست على شعراء اسبانيا .. وشملت ثلاثة أجيال .. ..لكنني أريد لشعرائنا الشباب ألا يقطعوا حبلهم السري بمن سبقوهم .. وأن يؤمنوا أنهم .. ولولا من سبقوهم ما كانوا وصلوا إلى ما وصلوا إليه .. فكل جيل لابد أن يأخذ ممن سبقه .. ويضيف له جديده حتى لاتحصل قطيعة بين الشباب ومن سبقوهم ..مع الاحتفاظ بهويتهم الخاصة .. واعتقد أن تجزيء الشعراء إلى داخل – خارج هو تجزيء لامنطقي ومفتعل ولايتصف ” بالبراءة ” .. إن أدباء الخارج لايقلون انشغالا ً بهموم بلدهم واهلهم عن انشغال شعراء الداخل بهذه الهموم .

الشاعر الهولندي رمكو كولبرت وهو يسلم جائزة الكلمة الحرة العالمية للشاعر العراقي عيسى حسن الياسري

س: نلت جائزة الكلمة الحرة في هولندا كيف أنعكس أثرها على نتاجك الشعري؟ .
ج: لم يكن للجائزة أيّ انعكاس فني أو ابداعي على نتاجي الشعري .. ولكن كان لها انعكاس على وضعي النفسي ..والقيمة المعنوية التي منحتني إياها .. كنت أمر في اقسى حالات حزني في “متاهة المنفى ” فجاء حصولي على هذه “الجائزة العالمية ” إعادة لتوازني .. وتعزيز ثقتي بسلامة الطريق الذي سلكته في الكتابة الشعرية وخصوصيته ..والذي يضفي على هذه الجائزة أهمية أكبر .. أن أول شاعر عالمي شهير حصل عليها هو الشاعر الأسباني الخالد ” رافاييل البرتي ” .. في احدى الاحتفاليات التي أقامها لي اتحاد الأدباء في “بغداد المحروسة ” .. ونشرت وقائعها على صفحة كاملة ” جريدة الصباح الجديد ” .. علق صديقي الأديب والصحفي الحر ” ناظم السعود ” بقوله:
” إن الغرب المتجنى عليه وضع الشاعر ” …………. ” بمصاف ” رافاييل البرتي ” ..أما نحن فأجلسناه يكتب العرائض في الحر والبرد لست سنوات ” .
والآن تترجم بعض قصائدي إلى الانكليزية وغيرها من قبل اساتذة وأصدقاء ..وتنشر في المجلات العالمية .. وقد ترجم لي معلمي واستاذي الكبير ” الدكتور عبد الواحد محمد ” مختارات شعرية إلى الانكليزية .. وأصدرتها ” دار المامون ” في بغداد بعنوان ” العشبة ” ..ومن خلالها تقدمت بطلب للانتماء إلى “اتحاد الكتاب في كندا ” ارفقت فيه نسخة من الكتاب .. وقد وافق الأتحاد على قبولي عضوا ً فيه .. المنفى إذن منحني صفة العالمية من خلال الجائزة .. ومن خلال عضويتي في اتحاد كتاب عموم كندا . وإن كانت اطلالتي الأولى على العالم من خلال ماترجمته لي الشاعرة والناقدة الأسترالية ” آن فيربيرن ” بالاشتراك مع الشاعر السعودي الراحل “الدكتور غازي القصيبي ” عام 1986 ., ونشرته في موسوعتها
” الريشات والأفق” التي ضمت تسعين شاعرا ًمن كبار شعراء العربية ومجلات استرالية اخرى .

س: كيف ترى الحداثة الشعرية في زمن العولمة وكيف تجلت مفرداتها في كيفية إقتراحات المتن النصي للقصيدة وكشاعر محترف هل تعتقد أن هناك فوضى شعرية تشوب المشهد الشعري الحالي في العراق؟
ج: الحداثة ..ومن ثم مصطلح ” مابعد الحداثة ” أعتبرها بدعا ً .. وحذلقات لاترتبط بأيي تقنية علمية أو ابداعية .. إنها من مبتكرات عصر ” العولمة ” ..هذه المبتكرات التي تحاول أن تلغي هوية الأبداع “المحلي ” .. وتدمغه في ختمها .. لايوجد إبداع لايتسم بصفة حداثية منذ عهد ” الأغريق ” إلى يومنا هذا .. بل من عهد ” شعرائنا السومريين ” ..وكل أمة لها سمة حداثتها المميزة التي تحمل طابعها القومي والوطني .. وإذا ما عدت إلى تصفح شعرنا العربي الخالد في عصر ” ماقبل الأسلام ” لوجدت أنه يحتوي على مكون حداثي باهر .. ولو قارنت بين لوحات الفنان السوريالي العالمي ” سلفادور دالي ” وبين معلقة الشاعر العربي “امرئ القيس ” لوجدت أن هذه المعلقة ..وفي معظم بنائها الفني والتشكيلي ماهي إلا لوحات سوريالية باهرة .. ولو كان “دالي “يجيد اللغة العربية لما توانينا عن اتهامه بتأثره في سورياليته بسوريالية ” امرئ القيس ” .. الحداثة سمة متوفرة في الأبداع من أقدم عصوره وحتى يومنا هذا .. المحزن أن هناك من انبهر بهذا المصطلح فأضاع هويته .. وصهرته “العولمة ” في بوتقتها ..وبالتالي أضاع نفسه وابداعه .. بعد أن تحول إلى تابع ..وليس مبدعا ًمؤثرا ً في الحركة الابداعية الانسانية التي تحتفظ بهويتها الاصيلة.. وتكون مؤثرة ومتأثرة في تلاقحية ابداعية تغني النتاج الفني والفكري في كل بقاع العالم . . أما عن اشارتك إلى وجود فوضى تسود ” المشهد الشعري العراقي الحالي ” فاقول لك .. إن ّ هذه الفوضى لاتوجد إلا عند الطارئين على الشعر العراقي .. أما مشهد النتاج الشعري العراقي الشاسع فهو مشهد نستطيع أن نفخر به ..ونضعه بمصاف الأبداع العالمي .

تعليق واحد

  1. عبد الرضا حمد جاسم

    تحية طيبة
    و اعتزاز بالشاعر الكبير عيسى الياسري
    و سؤال
    هل هي لك تلك الرائعة :يا ام عيسى
    دمتم بتمام العافية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *