الرئيسية » نقد » ادب » أحمد الشطري : عبد الزهرة زكي ومجموعته الأخيرة: الشاعر الشرقي الجوال في رحلة الديوان الغربي

أحمد الشطري : عبد الزهرة زكي ومجموعته الأخيرة: الشاعر الشرقي الجوال في رحلة الديوان الغربي

عبد الزهرة زكي ومجموعته الأخيرة
الشاعر الشرقي الجوال في رحلة الديوان الغربي
أحمد الشطري
تعد كتابة الرحلات نوعا من الادب الذي تطور عبر الزمان من اطاره الجغرافي والتاريخي الى الاطار الادبي، ولم يقتصر ادب الرحلة على الوصف المجرد للمكان وما يحتويه، بل تعدا ذلك الى المزاوجة بين ما هو واقعي وبين ما هو خيالي، فعدَّتْ بعض الملاحم كملحمة كلكامش والأوديسا نوعا من ادب الرحلات بل ان البعض يرى ان بعض روايات همنغواي ونجيب محفوظ واخرين يمكن ان تندرج تحت هذا المسمى.
ولعل من اشهر ادب الرحلات في الادب العربي هي رحلة ابن جبير الاندلسي ورحلات ابن بطوطة، اما في العصر الحديث فتبرز امامنا رحلة عيسى بن هشام وتوفيق الحكيم (في زهرة العمر) وشكيب ارسلان ومحمد بن ناصر العبودي الذي يعد اكثر من كتب في ادب الرحلات في عصرنا الحديث.
واذا جاز لي ان اصنف ديوان الشاعر عبد الزهرة زكي الموسوم بـ( الديوان الغربي للشاعر الشرقي)، فاني اجد انه اقرب لأدب الرحلات، ولكن بأسلوب شعري يمزج بين الوصف المكاني بكل ما فيه من جوامد ومتحركات، وبين تفاعلات الشاعر النفسية والتخيلية بما يمر به وامامه من صور واحداث، يتناغم فيها الايقاع الشعري مع الايقاع الحياتي.
ينقل لنا عبد الزهرة زكي عبر خمسة واربعين نصا صورا (انثربولجية)- ان جاز لي- التعبير عن رحلاته بين دول ومدن متعددة، محاورا فيها المكان والانسان عبر لغة تتبسط بمفرداتها وتتسامى بصورها وعمقها هذه النصوص هي صورة مثالية للقصيدة اليومية كما ارى ولكنها ترتدي عباءة الرحالة؛ لتجوب بنا بين اماكن مختلفة وثقافات متنوعة، تمزج بين المنظور من الحياة اليومية، والمرجعي والمتخيل من العمق التاريخي لتلك الاماكن،
” لم تعصم هذه القلعة
في عمق ارياف أوترخت،
أسوارٌ حجرية
وبوابات بمزاليج عظيمة
ولم تعصمها
حتى اسوار المياه التي تطوقها
ولا القناطر الخشبية المتحركة
من ان يعبث بها لصوص وأعداء ومعارك
أتت عليها فدمرتها وأحرقتها وقتلت باروناتها” ص39
هذه الصورة التي ينقلها لنا الشاعر الرحالة عبر هذا النص، هي صورة انثربولوجية لهذه المدينة او هذه القلعة، انها صورة ترسم لنا ماضي المكان والانسان وحاضره مجتمعين:
” ليستأنف بارونات(عائلة داهار) بعدهم البناء والحياة
في القلعة التي ما زالت
تتسور بالمياه وبالجنائن حواليها
بين ارياف اوترخت”
رحلات عبد الزهرة زكي هذه تفتح امام القارئ نوافذ يطل من خلالها، ليس على الاماكن الجميلة النائية وحدها، بل على ثقافات الشعوب في تلك الاماكن، على كيفية تفاعلهم مع الحياة بكل ما فيها من جماليات ابداعية، نوافذ تطل على صور من ثقافة الحياة اليومية لتلك الشعوب:
في المراعي
تمرح معا ابقار وخيول وخراف
تحرسها طواحين الهواء
وثمة في اقصى قرية ليست نائية
رالي لسيارات فلاحين
وخارج سور الرالي ريفيات وريفيون مشجعون
تلتهب أكفهم بالتصفيق
وتمتلأ افواههم وملامح وجوههم بالهتافات.
وحدي الذي يرى القطار يرتج سعيدا من فرط التصفيق والهتاف.
في كثير من الاحيان في كتاب رحلاته هذا يضعنا عبد الزهرة زكي في مواجهة مع لوحة او نصب تذكاري او بوابة متحف؛ ليذهب هو مفتشا عن تفاصيل لحياة متحركة بجانب ذلك المكان، ليس هربا مما وضعنا قبالته او شغلنا به؛ بل ليمنح الصورة نبضا حياتيا، ويمنح الدهشة حضورا فاعلا في ذهن المتلقي، حتى يكاد المكان بكل ما فيه من حياة يتجسد امام انظار القارئ وفي ذهنه:
” اللوحة الإعلانيةُ الكبيرةُ عن متحف فرانز كافكا
كانت على شاطئٍ حجريٍّ لنهر فلتافا خلف المتحف
وكان ينفرد أسفلها عاشقان وحيدان … ما الذي يفعله اذاً عاشقان سوى ان يتركا فرانز كافكا والمتحف خلف ظهريهما
ويواصلا معا متعة الانفراد وحيدين
امام امواج فلتافا المتدفق أبداً.” ص27
هذه الصورة الحياتية التي يقتطعها الشاعر من المشهد الذي امامه؛ ليجعل تركيز الضوء عليها اكثر ، تكاد تشابه خروج ممثل عن النص؛ ليقدم فاصلا دراميا مختلفا، ولكنه يمنح العرض المسرحي بعدا جماليا مضافا، دون ان يعيق المسار الاصلي للحدث المسرحي في الوصول الى غايته.
والى جانب تلك النصوص (الرحلوية) في هذه المجموعة، يضعنا عبد الزهرة زكي في مواجهة نصوص اخرى خارج اطار الوصف (الرحلوي)، تتجلى فيها المدلولات الرمزية، من خلال اجتراح حوارات افتراضية لكائنات او جوامد، كما نجده في الكثير من نصوص مجاميعه الاخرى, في نص (مراقبة) والذي قدمه بمتعالية نصية تقول:( مرورا بحدائق غاودي)؛ لتبرير تواجده ضمن المجموعة هذه، كونه خارج اطار المحددات المكانية، يقول:
” الورقة التي مازالت على الشجرةِ
تقول لأخرى سقطت:
يا لسعادتك! حرة تمضين مع الهواء.
الورقةُ الميتة على الأرض
لا تقوى على القول لأخرى ما زالت خضراء على الشجرة:
يا للحياة.
هذا النص الرمزي الذي يجسد صورة الحسد للظواهر التي تبدو للناظر خلاف حقيقتها، تلك الحقيقة الصادمة التي تحمل في ظاهرها كما هائلا من الاثارة والغراء ولكن جوهرها وحقيقتها مدعاة للنفور والمأساة. لقد وظف الشاعر في هذا النص آلية السرد عبر حوار يؤنسن الاشياء ليجعل مما يحمله من نظرة فلسفية اكثر وقعا واغراء ومقبولية لدى المتلقي.
إن رحلات عبد الزهرة زكي لم تقتصر على التجوال في المدن والبلدان، وتمتعنا بما تقع عليه عين الشاعر من اشياء جميلة وحسب، بل ان تلك الرحلات شملت الانسان ايضا بمعاناته وصراعاته وبحثه عن الحياة الحلم. ولعل احد ابرز الامثلة على ذلك هو آخر نصوص الديوان والموسوم بـ( قوارب الغرقى عند سواحل الأرض الثامنة).
يرسم هذا النص المأساوي صورة لأولئك الهاربين من الجحيم، والباحثين عن الفردوس او عن الحياة الحلم، فينتهي بهم المطاف في اعماق البحر.
” هذه القوارب لن تبلغ السواحل.
وهؤلاء الفارون على متونها لن تطأ اقدامهم
ترابَ الأرض، الأرض الثامنة.
خلفهم في عرض البحر المتوسط يتعقبهم رصاصٌ,
وأمامهم يترصدهم الملائكة حراس السواحل
فيما تطبق عليهم الأمواج، وقد اختلطت بالظلمات” ص95
تتميز نصوص هذا الديوان ليس بلغتها الشفافة فحسب، بل بما تحتويه تلك النصوص من ثراء معلوماتي عن الفن والحياة، او عن كل ما تلتقطه عين الشاعر من مشاهد خلابة، هذه النصوص هي محاولة الشاعر لاصطحاب القارئ معه في تجواله، ولكن عبر منظاره هو، ذلك المنظار الذي يقرب الاشياء، ويمنحها حجما يظهر تفاصيلها؛ ليجعلها اكثر ابهارا وامتاعا، بل اكثر حياة مما هي عليه، فالشاعر قادر بخياله ان يجعل من الاشياء التي يصورها، ويتفاعل معها، كائنات نابضة بالحياة والحيوية والادهاش.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *