الرئيسية » ملفات » شكيب كاظم : ثلاثية شيكاغو: محمود سعيد يستعيد حنين العراق على ضفة الارض الاخرى
لغة سردية مسكونة بعواطف الخيبة (ملف/17)

شكيب كاظم : ثلاثية شيكاغو: محمود سعيد يستعيد حنين العراق على ضفة الارض الاخرى
لغة سردية مسكونة بعواطف الخيبة (ملف/17)

إشارة :
منذ مجموعته القصصية الأولى “بورسعيد وقصص أخرى” عام 1957، وروايته الأولى “ضجة في سوق راكد” (1959)، أخلص الروائي الكبير محمود سعيد لهموم الإنسان العراقي والعربي. ولولا إصدار الراحل الكبير غائب طعمة فرمان لروايته النخلة والجيران عام 1967 لاستطعما القول إن وراية “زنقة بن بركة” (1970) لمحمود هي التي دشّنت العهد الفني الناضج للرواية العراقية. عام 2008 اعتبرت روايته “أنا الذي رأى” إحدى أفضل إثنتين وخمسين رواية في العالم. تدعو أسرة موقع الناقد العراقي الكتّاب والقرّأء إلى إثراء ملفها عنه بالمقالات والصور والوثائق.

ثلاثية شيكاغو: محمود سعيد يستعيد حنين العراق على ضفة الارض الاخرى
لغة سردية مسكونة بعواطف الخيبة
شكيب كاظم

(1)
ينفتح الفضاء الروائي، لرواية (حافة التيه) للروائي العراقي المبدع والمغترب في شيكاغو الامريكية محمود سعيد على دائرة قمر عملاقة تحجبها اشجار غابة تمتد الى ما لا يتصور احد يسور اشجار الغابة حاجز المنيوم بارتفاع نصف متر، يمتد نحو ميل، محددا شارع 87 جنوبي شيكاغو، وفتاة تنزل من سيارة، ما ان سلمها الكهل مبلغا ماليا حتى انطلق مبتعدا كأنه يخشى مداهمة الشرطة المفاجئة، وحيدة على رصيف الشارع العريض، وما هي الا برهة حتى ظهر من يطلبها، بعد ان انجزت عملها، يطلبها لتعود الى النُزل الضيق، كي تلبي رغبات الزبائن، الذين ملت عشرتهم وهذه الحياة الفارغة التي دفعتها قساوة الحياة الى الخوض فيها، بعد ان وجدت نفسها، هكذا لا اب يرعاها ولا ام تحدب عليها، فاضطرت الى سلوك هذا المسلك الشائن الرخيص، بيع الجسد لذاذة كي تعيش، وفي البرهة التي قررت فيهاالهرب من واقعها المؤلم هذا، يظهر الرجل السمسار، لكنها تهرب منه نحو الغابة المظلمة الكثيفة، وما ان هّمَّ بالامساك بها والوصول اليها بعد مطاردة طويلة يسقط في بريكة صغيرة، وصوت اجش ينطلق به آمرا.
– قف.
موجها اليه فوهة مسدس، لا تشك البتة انه غير حقيقي، فلم يجد السمسار بدا من الرجوع الى حيث اتى، يجر خيبته وخسرانه.
مصادفات تصنع حياة
المصادفات الجميلة وحدها هي التي تصنع حياة الافراد، والا اية مصادفة جميلة هذه ان تجد هذه الفتاة، التي جاءت الى الحياة، من غير ان تعرف لها اما او ابا، وظلت تعيش في بيت من تبناها (جونير) وزوجته، سنوات عدة حتى اذا تفتحت انوثتها عن اكمامها حاول هذا المتبني الذي تعصف برأسه الحشيشة كل يوم الى مراودتها عن نفسها ليلا لكنها استعصمت وخيبت ظنونه مهددة اياه بالصراخ، واذ تخبر زوجته امها المتبنية بالذي حصل كذبتها ثم لامتها، مناجية نفسها: لست ادري لماذا تبنياني؟ كانا يعاملانني كغريبة، لم اشعر بالحب، بالحنان عندهما قط، ربما فرحا لانها تخلصا مني (…) سألتهما اكثر من مرة مَن ابواي عن امي، لم تخبرني بأية معلومة، تقول لا اعرف شيئا عنهما، لماذا تفكرين فيهما؟ كنت افكر في امي كثيرا، لم افكر في ابي قط، معظم الطلبة الذين كانوا معي يعيشون مع امهاتهم، ص119
المصادفة هي التي وضعت امامها وهي تهرب من واقعها المؤلم، تضع امامها من سيكون منقذا لها، واضعا لها خارطة طريق عليها ان تسلكها ويبدأ بتنفيذها تدريجيا كي يضعها على جادة الطريق، وتضع امامها شخصا اخذ نفسه بالقوة، كابحا زمام نفسه وغرائزه ولطالما شعر بالاثم ينخر اهابه ان اتى منكرا، او فعلا لا يأتلف مع تربيته واخلاقه وطباعه الشرقية.
في هذا الجزء من ثلاثية شيكاغو التي ابدعها قلم الروائي العراقي محمود سعيد، الذي قرأت اولى رواياته (زنقة بن بركة) التي اثارت ضجة واسعة لدى صدورها اول مرة وحصلت على جائزة افضل عمل روائي في العراق صدر عام 1994، وتناولتها اقلام النقاد، وفي الذاكرة دراسة الدكتور علي جواد الطاهر عنها والتي نشرتها مجلة (الاقلام) العراقية، وكتبت عنها حديثا نقديا نشرته جريدة (الصباح) العراقية (كانون الثاني 2004) كما تلاقفتها ايادي القراء، في هذا الجزء الاول الموسوم بـ(حافة التيه) يسرد علينا الروائي على لسان (عمر) الراوي المركزي، شيئا من حياة العرب الامريكيين وخاصة العراقيين في الولايات المتحدة وشيكاغو تحديدا، ليطلعنا على الحياة في امريكا، وعلى بعض تصرفات العراقيين، التي ما غادروها على الرغم من السنوات الطويلة التي عاشوها هناك، مما يؤكد مقولة: مَن شَبَّ على شيء شاب عليه.
تيار الوعي
استخدم الروائي محمود سعيد فن تيار الوعي بِحِرَفية عالية كي يتمكن من ربط احداث روايته هذه، فكنت وانا اجوس خلال سطورها الباهية المكتنزة بالاحداث والرؤى والافكار، أؤشر على انثيال الافكار من خلال تداعيات تيار الوعي، والانفصام منه عائدا الى الحدث المعاش، كما استخدم ما يسميه النقد الحديث ببنى التضاد، واسميه انا – مستعيرا المصطلح البلاغي العربي – بنى الطِباق، فضلا على لغة انيقة ومعبرة لم تضعفها السنون، سنون الغربة الطويلة ومغادرة اللغة الام، تحدثا وسماعا وعيشا، ومن صور هذا النسيان اللغوي يسأله صديقه العراقي جميل عن اسم الحصان الصغير؟!! فيجيبه عمر:
– مهر.
– آه نعم، مهر كيف لم يخطر ببالي؟ انستنا الغربة اللعينة لغتنا ظللت افكر عبثا طوال اليوم. لو كان عندك تلفون لاتصلت بك.
– لماذا تسأل عن المهر؟
– لأجل القصة التي تطلبها فاطنة، قصة مهرين. ص77. ص78
بعد ذلك اللقاء الغابي، وسط الغابة، غير المتوقع والذي نسجت خيوطه مصادفات الحياة، يعقد الحب اواصره بين (عمر) وبين الفتاة الهاربة التي تتعرف عن كثب على اخلاقه ونبله ويتعرف هو على اوضاعها البائسة، فيقرر انتشالها من هذه الوهدة التي اوقعها الزمان فيها، فتاة لقيطة تعيش مُتَبَناة لدى اسرة ما، يحاول رب هذه الاسرة في ساعة انتشاء بالحشيش الاعتداء عليها، لتغادر المنزل فتتعرف على (البير)، الذي ما يلبث ان يتركها لتذهب للعيش مع (هيلين) العراقية، التي طردها ابوها من منزل الاسرة، لانها حملت سفاحا، مما يؤكد عدم استطاعة الاسر الشرقية معايشة الاجواء في الغرب المنفتح الى حد السخف وتحويل الحياة الى متع ولذائذ، ليتلقفها اخيرا القواد (ج. جورج) كما انها في حياتها البائسة هذه تدمن على المخدرات، التي ما ان تتأخر عن اخذ الجرعة المعتادة يوميا حتى تتحول الى انسان آخر، تتعرق وترتفع درجة حرارة جسمها، وتتحول الى مشاكسة عدوانية.
يبذل (عمر) هذا العراقي المغترب جهدا كبيرا لتغيير حياتها ودمجها بالمجتمع والحياة لكن يظل هاجس مغادرته شيكاغو نحو السويد التي يرغب في امضاء ايامه الاخيرة فيها يؤرق عليها صفو حياتها هذه، انها احبته ولا تستطيع استساغة الحياة من دونه بالرغم من الفارق العمري الكبير بينهما الذي يمتد الى نحو اربعة عقود، ولا ادل على ذلك من انه وقد ازمع رحيلا نحو السويد، وجاءت (كاثي)، وقد تأخرت في ذكر اسمها على الرغم من كونها الشخصية المركزية الثانية في الرواية الى جانب (عمر) كما تأخر الروائي محمود سعيد في تعريفنا باسمها.
حتى ان النادلة العجوز في مطار اوهير، وقد رأت بكاءها وهي تودعه، امسكت كفَّ (كاثي) بيديها، قربتها من قلبها وهي تربت عليها: حبيبتي. نَبَرَتْ بصوت رقيق، اضافت: لا تفسدي رحلة ابيك. ثقي انه سيرجع. ارى ذلك امامي. نظرت (كاثي) اليها بعينين وارمتين من البكاء. ابتسمت العجوز. قبلتها من وجنتها: لا تبك حبيبتي) ص203 – ص204
نهاية مفتوحة
تتحرك رواية (حافة التيه) الجزء الاول من ثلاثية شيكاغو للروائي العراقي المبدع محمود سعيد على اكثر من صعيد، وعلى نحو اكثر تحديدا، نحو صعيدين اثنين مهمين، الاول يتولاه (عمر) الراوي الاساس، الذي يأتي السرد الروائي من خلاله، في انتشال (كاثي) من واقعها المأساوي وايجاد العمل المناسب لها، وجعلها على جادة الصواب، فتاة رائعة الجمال والاخلاق، يتمنى الكثير من الشباب، ان تكون زوجة له وسيدة منزله وتأخذ (هلين) على عاتقها العمل في الاتجاه الثاني، وهو البحث عن ام كاثي من خلال البحث والتقصي، لكن كان يحبط مسعاهما هذا، انهما لا تكادان تعرفان اي شيء عن هذه الام التي تخلصت من حملها سراعا، وتركته يواجه مصيره منفردا في هذه الحياة الجافية القاسية.
لكنها المصادفة؛ المصادفة وحدها من تدلهما على رأس الخيط الذي بواسطته ستنفتح امامهما آفاق التعرف على ام كاثي، في يوم من ايام الصحو، ربما كان ربيعا جاءتما (هيلين) بقصاصة مجلة، كانت فرحة وواثقة: وجدت امكِ، انها انت، انظري، يا لها من امرأة! انها نائبة في الكونغرس.
– تمزحين.
حدقت في الصورة:
– أنتِ على حق، نعم تُشْبِهُني، صورتي بعد خمس عشرة سنة، عشرين سنة، يا لكِ من عبقرية! اي عظمة! أين وجدتها؟
– على احد مقاعد المترو القهوائي، تبدو منتزعة من مجلة فضائح. ص139
وتبدأان عملية بحث مضنية عن المجلة، اذ لم تحتو هذه القصاصة اية معلومة حتى انهما لا تعرفان اسم المجلة، اذن كيف السبيل اليها في هذا السيل المتلاطم مما تدلقه المطابع من مجلات؟ ذلك ان (كاثي) كانت تحيا على هاجس انها ستلتقي بامها يوما، تحدق في وجوه النساء، عَلَّها تجد من تُشْبِهُها، حتى انها تطلب من (البير) الذي كان يطيع كل اوامرها، ويحاول اسعادها، وكانا موضع حسد الكثيرين، كانت تطلب منه مرارا – كانت تقول له:
– راقب اي امرأة تُشْبِهُني، سأتبعها، سأتكلم معها، مهمتك تمييز الصوت، ان كان يشبه صوتي فهي امي. ص137
لكنهما شكّا في الكثير من النساء اذ في كل امرأة منهن، ما يختلف عنها، يجعلهما يصدان، لون الشعر، الطول، الانف، لون العينين، لم تعثر (كاثي) و(البير) قط على الام، ولم تفكر قط في البحث عن الاب، لانها وطنت نفسها انه لم يكن اكثر من عابر سبيل، او عابر سرير على لغة الروائية احلام مستغانمي، افرغ لذاذته في جسد المرأة، التي ستحيا هي في ظلال رحمها لتدلقها الى هذا العالم الموحش في لحظة الم، توازي لحظة السعادة واللذاذة التي عاشتها مع ذلك الرجل في نزوة عابرة، او حاجة الى مال وما الى ذلك من تصاريف الحياة الدنيا.
الصورة التي عثرا عليها، لا تجيب عن الكثير من الاسئلة عن شخصية المرأة: طولها، عرضها، لون عينيها، نغمة الصوت، اذن ما عليهما الا الذهاب الى المكتبة العامة علهما تعثران على المجلة التي نشرت على غلافها صورة تلك المرأة، التي تحسب (هيلين) انها ام كاثي، لكن المكتبة العامة كانت ضاجة بالتلاميذ الصغار مما يوحي بانهم يعلمون اطفالهم على القراءة وارتياد المكتبات سيرا على مقولة: خذوهم صغارا!
واذا اعيتهما الوسيلة قررتا الذهاب الى السوبر ماركت، والى الجناح الخاص بالمجلات، لتدلنا هذه المعلومة، ونحن نقرأ ما بين السطور، والمسكوت عنه الى حجم الاهتمام بالقراءة في تلك البلدان، جناح خاص بالمجلات اذن سيكون هناك جناح للجرائد، وآخر للكتب، في سوق غير مختص بالمطبوعات اساسا،ولانهما لا تملكان مالا كافيا، تذهبان بالمجلة الى مكان لا تصله كامرات الرصد في السوبر ماركت، وانتزعت هيلين الصفحة كلها، صورة السناتورة والكاتبة، طَوَّت الورقة كي تخفيها في كفها وخرجتا.
في هذا المستوى من رواية (حافة التيه) للروائي الماهر محمود سعيد، الذي تقوده (كاثي) وصديقتها (هيلين) في البحث عن امها، التي من خلال الصفحة المقتطعة من تلك المجلة، يتعرفان على بصيص ضوء يدلهما على الطريق، وصولا الى الام، التي كانت قد طردت من المدرسة الثانوية اكثر من مرة لتناولها الكحول، وحملت وهي في الخامسة عشرة من عمرها، ورفضت عملية الاجهاض، وتركت على اثرها الدراسة، واكد مدير المستشفى انها ولدت طفلة عام 1980، لا يعرف كيف تخلصت منها، ولا يعرف عنها احد شيئا، والان هي سناتورة!! تقرر مصائر بلدان!! هي التي ما تمكنت من قيادة نفسها، وصيانة مصيرها بل تركت لغرائزها المراهقة ان تقودها نحو تلك الهفوات، اللذاذات، التي انتجت للدنيا هذا المخلوق المحطم (كاثي)، والتي ما فكرت يوما – ولعلها فكرت – الا انها ما حققت افكارها بحثا عن ذلك المخلوق البريء، الذي تركته نهبا لغول الحياة، اذ لعل هذا التأريخ يسيء لحياة السناتورة الامريكية ومستقبلها السياسي!!
محمود سعيد الحكّاء الماهر، الذي ابهرنا بعمله الروائي هذا، يترك هذا المستوى المهم من الرواية الى نهاية مفتوحة، مما يزيد في تشويق القارئ في البحث عن الحل، فبعد ذلك الضوء الشحيح، الذي قَبَساه من تلك المجلة، تبدأان بمناقشة سبل التوصل الى السناتورة. (كي. جي. مياردين روز) وتقرران ثلاثة خيارات، الاول: كتابة رسالة الى السناتورة، او الاتصال الهاتفي بها، او ثالثا الذهاب اليها مباشرة، لكن الروائي محمود سعيد، ولمزيد من التشويق وحبكة الاحداث، يتركنا في نهاية مفتوحة على كل الاحتمالات، ومن دون اي ضوء مهما كان شحيحا، يقرر على لسان الراوي المركزي: توصلتا الى الاختيار الثالث، عليهما ان تعملا بجد لتجمعا تكاليف السفر بعد معرفة العنوان، حينئذ أحستا بالراحة. هانت الامور، اصبح لهما هدف تسيران نحوه. ص142
بُنْية طِباقية
واذ نصل الى هذه الذروة الروائية الرائعة والمشوقة، ذات النهاية المفتوحة، فانه ينقلنا الى المستوى الآخر، من الرواية، الذي اخذه على عاتقه الراوي المركزي، وهو وضع (كاثي) التي جعلها القدر مصادفة في طريقه، وفي تلك البقعة من غابة شيكاغو شحيحة الاضواء، وضعها على طريق صحيح، فينجح في تخليصها من المخدرات تدريجيا، ثم يعلمها قيادة السيارة، واخيرا يجد لها عملا في بيع المرطبات، وتأجير استوديو باسمها، ودفع اجرة شهر مقدما، اذن آن اوان رحيله الى السويد، هو الحالم بعيش سعيد، لم يجده في وطنه، فآثر الترحال في بلدان عدة، ليطوي شراع ترحاله في الربوع الامريكية، لكنه ما وجد نفسه فيها، ويبدو انه لن يجدها ابدا وفي اي مكان، وسيظل الانسان الباحث عن مدينته الفاضلة متعبا مهموما مكدودا فالمدن الفاضلة ليس لها ظل في الارض، هي التي اداخت افلاطون والفارابي وتوماس مور في يوتوبياه غير المتحققة على الارض، وسيظل راوينا المركزي دائخا حتى مبارحة الروح للجسد، اذ هو قرر تمضية ما تبقى من عمر في الارض السويدية، واذ يكمل مهمته، اذ وهب حتى سيارته الخاصة لها كي تستخدمها في توزيع المرطبات، ينقلنا الراوي الى مطار (اوهير) لينفتح الافق الروائي على (عمر) و(كاثي) تبكي مدرارا، واذ آنسنا والقراء ان الرحلة ستمضي بشكلها الطبيعي على الرغم من بكاء كاثي وطلبها منه البقاء معها وترك فكرة السفر، يطل علينا الحدث الصاعق المدوي، الذي اكتنزه لنا الروائي محمود سعيد، واكتنز كل امكاناته في السرد في بُناه الطِباقية المضادة لكل التوقعات، هو يحاول التخفيف عنها والحديث عن التغيرات التي طرأت على حياتها بنصائحه وفضله ومساندته لها:
– أرأيت؟ كل من يرانا يظنني اباك. لا استطيع تحمل ذلك. فكري بما حصلت عليه. عندك عمل. شقة. سيارة. تلفون محمول. وقفت على رجليك. انتقلت من درجة الصفر الى الطبقة الوسطى. تستطيعين الان ان تأكلي في اي مطعم، ان تسافري في العطل، ستتعرفين على شاب يناسبك. لكنها ترفض كل هذه، انها تريده، ان يعيشا معا وان يتزوجها، لكنه يتذرع بالفاصل الزمني بينهما، ومنذ برهة، قالت لها النادلة وقد شاهدت بكاءها المر، دعي اباك يسافر براحة! وسيعود اليك لا شك!!
ارتفع صوت ممثلة خطوط الطيران السويدية، تستدعي ركاب الرحلة الى السويد لآخر مرة، ويا للهول سمع اسمه من بعيد، التفت لمح صديقه (الدكتور موفق)، أيمكن قد جاء لتوديعه؟ لكن سيماء وجهه لا تدل على ذلك فضلا على التأخير، فهو في الدقائق الاخيرة التي تسبق اقلاع الطائرة، اذن ما الذي جاء به؟ واذ يلتقي به يطلب منه تأجيل سفره، لماذا؟ وقد اجلته مرارا، ويأتي الجواب الصاعق انهم يريدون الاستحواذ على (كاثي) بُعَيد سفرك ولكن كيف؟ وكيف تسمح لهم اخلاقهم بذلك، هم الذي حملوا كل عقد الوطن لتضاف اليه رذائل الحياة المنفتحة بدون حدود في بلد الاغتراب، مما يؤكد ظلم الانسان وانانيته، التي لا يقف امامها وازع من دين او ثقافة، وأنه لولا القوانين الرادعة لكان اشد فتكا من اشد الكواسر، يفجعه دكتور (موفق) بما خطط له اصحابه.
– لكنهم ماذا يستطيعون ان يفعلوا؟
قهقه الدكتور: ماذا يستطيعون ان يفعلوا؟ ما زلت غرا وانت في هذا العمر؟ فكروا بعشرات الخطط لم يبق غير التنفيذ.
حدق به (عمر) غير مصدق: اوضح رجاء لم افهم اي شيء.
– حسنا، اولا يرفعون قضية في الشرطة، انها سرقت شاحنة الآيس كريم، حتى انها لا تعرف صاحب الشاحنة. لم تره قط. لم توقع عقدا. ستقضي بضعة ايام في التوقيف ثم يتكفلها احدهم. يخرجها من السجن. يغرقها بالمخدرات، الى ان تفقد مقاومتها كليا، الا تعرف (جماعتنا) ما ان يشبعوا من واحدة، حتى يتخلصوا منها بطريقة ما. ص206
ليتركنا المبدع محمود سعيد نحيا بنية طِباقية صاعقة، ونهاية روائية مفتوحة على كل الاحتمالات، وايدينا على قلوبنا الواجفة.
(2)
يتفنن الروائي العراقي المقتدر محمود سعيد في تقديم سرده الروائي، اذ يبدأ الجزء الثاني الموسوم بـ(اسدورا) من ثلاثية شيكاغو الروائية، من منتصف حوادثها وليس من بدايتها كما دأب الكثير من الروائيين على ذلك، وهناك من يبدؤها من نهايتها، اذ ينفتح فضاؤها الروائي على (ارماندو)، زوج العراقية (اسدورا)، ابنة العراقي (عدنان) السياسي الذي غادر العراق منذ الستينات، من زوجته المكسيكية، وقد دخل الى مخزن العراقي (سعدي) المسمى (مخزن كل شيء بدولار) وهو يقتاد طفيله (ارمانور) و(ارمانورا)، وقد بدا عليه الوجوم والاحباط، بعد ان هربت منه زوجته، بعد تلك السهرة الماتعة مع مجموعة من العراقيين المغتربين، احتفالا بليلة السنة الميلادية 2003، ليصور لنا الواقع المأساوي، الذي يعيشه عراقيو الشتات، الذين اضطروا لمغادرة بلادهم لاسباب عدة: اقتصادية، سياسية، دراسية، فهذا (عدنان) الذي حطمت حياته، تلك المجزرة التي تعرضت لها اسرته، وتحطمه قيميا واخلاقيا وسياسيا، والخوف، كل الخوف من السياسي الفاشل المنكسر، فانه يتحول الى وحش مفترس خائب، وقد درس نجيب محفوظ عالم السياسي الخائب المنكسر، واجاد تصويره في عدد من رواياته: (الشحاذ) او (اللص والكلاب) او (الحب تحت المطر)، وحتى (ميرامار) و(ثرثرة فوق النيل) تحول (عدنان) الى باحث عن المال وكان دائما يحث (سعدي)، الشاب العراقي الطيب والخام، والذي بقي محافظا على طيبته ونقائه، وكأنه امتداد لـ(عمر) في الجزء الاول من هذه الثلاثية الموسوم بـ(حافة التيه) يحثه ان يحصل على شهادة جامعية في الاقل قائلا له: امريكا ميدان صراع. امريكا حسناء يفوز بها المبدع والمتميز. ص18. ناصحا اخته (سعاد) على ترك المثاليات فالمال هو القوة من يملك المال يسيطر على العالم. ص89.
انسلاخ من الواقع
وانتهى بحثه الذي لا يحد عن المال الى ميتة مأساوية بسقوط طائرته الهيلوكوبتر فوق احراش الهندوراس بحثا عن مناجم الذهب، ليترك وحيدته (اسدورا) من زوجته المكسيكية، ولنقف عن الاسم: (اسدورا)، الذي يدل دلالة واضحة على انسلاخه من جذوره بسبب انهيار منظومته القيمية الناتجة عن تلك الحادثة المأساوية، مقتل اسرته، بسبب الاحتراب السياسي الذي عصف بالعراق بعد عام 1958، فهو ما اكتفى بالزواج من اجنبية تختلف عنه دينيا وقوميا، بل نقل هذا الاحباط الى ابنته من خلال اختيارها هذا الاسم المكسيكي اسدورا، نزولا عند رغبة زوجته لكنه اضاف اليه اسما ثانيا، اشبه بالتفسير والتوضيح، انه: ضو النهار فاصبح يناديها: اسدورا ضو النهار، وانسحب هذا التيه والتمزق الى ابنته التي عشقت عاملا من عمال مزارع ابيها يوم كانت تحيا في المكسيك، حتى اذا ارادت عقد قرانها منه، احتارت اين تعقده أفي المسجد ام الكنيسة؟ فهي تعيش تمزقا دينيا وقوميا، فابوها عراقي مسلم، وامها مكسيكية مسيحية وللتخلص من هذا الاشكال، اقترحت ان يتولى شيخ المسجد عقد قرانها من (ارماندو)، كذلك ان يقوم القس بعقد قرانهما في الكنيسة، الامر الذي سبب مشاكل خطيرة لطفيلهما (ارمانور) والطفلة (ارمانورا)، يوم وقعت في براثن العراقي المنهار قيميا (موسى ابراهيم خليل) تاجر المخدرات الشهير، الذي ما اكتفى بهذه المهنة الشائنة، بل غَيَّرَ حتى اسمه، ليشير الروائي محمود سعيد للقارئ الفَطِن الذي يقرأ ما بين السطور، ويقدم قراءة تحليلية تأويلية للنص، الى انهيار القيم، بسبب الخيبة والاَحباط والانتقال الى ذلك المجتمع الامريكي الصاخب المنفلت، الباحث عن اللذائذ والمال ليكون اسمه (موسيس ابرام كاليل) متخلصا من كل ما يربطه بالشرق وبالعراق، وهنا يطرأ على ذهني ما عاناه المفكر الشاهق ادوارد سعيد، بسبب اسم ابيه سعيد، بوصفه اسما عربيا وهو ما فصله في سيرته الذاتية الرائعة التي وسمها بـ(خارج المكان – مذكرات) ترجمة فواز الطرابلسي. نشر دار الآداب – بيروت – ط(1) 2000 وخاصة بعد احداث 11/ ايلول/ 2001 ونظرة الريبة نحو كل شرقي، وما اكتفى موسى العراقي، بهذا: تغيير اسمه، والمتاجرة بالمخدرات، بل رمى حبائله – على (اسدورا) الفتاة رائعة الجمال، ليختطفها من زوجها المُوَّلَه بحبها والمُدَلْه بها، بعد ان جعلها تدمن المخدرات، حتى اذا خفَّ تأثير المخدر، تحولت الى وحش كاسر احالت حياء هذا الشاب المسكين (ارماندو) الذي ظل على عشقه لها، والذي ما انقص زواجه منها من هذا العشق، احالت حياته الى جحيم، بل ما اكتفت بذلك، فغادرته هاربة فجرا بعد تلك السهرة لمناسبة حلول العام الجديد، ومراقصتها لموسى او موسيس، الذي عرف بلقبه (ابن العم) فوضعا خلال تلك المراقصة النقاط الاخيرة لعملية هروبها.
اقول: لقد سبب هذا التمزق القيمي مشاكل خطيرة لطفليهما، بعد ان قدم لقسم الشرطة، شكوى ضد سعدي، بوصفه يتولى حضانة وتربية الطفلين، بعد هروب امهما، وانغمار ابيهما في السكر، هربا من الواقع الذي وجد نفسه فيه، وفراغ حياته من الزوجة التي مات فيها حبا وعشقا، اذ لا يجوز في قوانين الشرطة ان يتولى مسلم حضانة هذين الطفلين من اب مسيحي، على الرغم من انهما عقدا قرانهما – فضلا على الكنيسة، عقداه في المسجد وتولاه شيخ المسجد.
لقد استخدم الروائي العراقي المغترب محمود سعيد، تقنيات عديدة لربط سرده الروائي، من خلال تيار الوعي وانثيال الحوادث واسترجاعها، فضلا على الاستذكار الذي تولته (سعاد)، شقيقة (عدنان) وعمة (اسدورا)، لتقص عليه ايام حياتهما في العراق، ومن ثم قرار عدنان بالمغادرة، ورابطة الجيرة النزيهة الوثيقة التي ربطت بين اسرتي ابي عدنان وابي سعدي، الذي تولى رعاية عدنان واخته، بعد ذلك الحادث المأساوي، واضطراره لمغادرة الموصل، والعيش في بغداد، لتهيئة اجواء آمنة لهما، وقد رد عدنان واخته وقد اصبحا من الاثرياء، بعض هذا الجميل لسعدي وامه يوم قررت الانتقال للعيش مع ابنها في امريكا، بعد وفاة زوجها (صلاح الدين).
مشاهد جنس غير خادشة
وكما كان في الرواية شيء من مشاهد الجنس، التي يكثر محمود سعيد من ايرادها في رواياته (زنقة بن بركة) او (حافة التيه) لكن المِشاهِدْ هذه ما كانت خادشة للذوق، او موغلة في الوصف كما جاء في كثير من الروايات ومنها رواية (المسرات والاوجاع) للروائي العراقي الراحل المبدع فؤاد التكرلي، اذ جاءت ضاجة بالوصف للعملية الجنسية، وصفا دقيقا، يقترب من الفيلم السينمائي، بل كانت المشاهد العاطفية هذه في رواية (اسدورا) لمحمود سعيد، رامزة وموحية يفهمها من يفهم ولا يفهمها الذي لا يفهم ولعل من اروعها تصويرا ولغة لقاؤه ليلة رأس السنة، مع الآنسة ستيسي، خلال الاحتفال الذي اقامته شركة (وجه المدينة) احتفاء بعيد ميلادها. ص23. ص30 او لقاؤه بـ(اُشِلي) مطلقة ضابط الشرطة زانوفسكي المريض ساديا، اذ قرأنا الكثير عن ظاهرة السادية التي تنسب للمركيز الفرنسي دي ساد، او مرضاها الذين يستشعرون اللذة من خلال إيلام اقرانهم، لكننا لم نقرأ وصفا دقيقا للسادي المريض زانوفسكي، كما جاء في الرواية هذه وهو يعذب زوجته اشلي، وصولا الى اللذة، حتى اذا منعته من ممارسة تعذيبها هذا، نراه يحاول التنفيس عن مرضه النفسي، بتخديرها ونهش جسدها بالسياط، واطفاء اعقاب السجائر في اجزاء حساسة منه، مما دفعها لطلب الطلاق من هذا المريض، السادي، لتنعم باللذاذة والبهجة في احضان سعدي العراقي.
وكما كانت نهايات مفتوحة في الجزء الاول من هذه الثلاثية (حافة التيه) فان في الجزء الثاني منها (اسدورا) اكثر من نهاية مفتوحة على شتى الاحتمالات، فبعد ان علمنا بموت (ارماندو) زوج اسدورا حبا ووجدا وعشقا، بسبب معاقرته الخمر حتى الذهول والتسمم ومن ثم الموت، فاننا مازلنا نبحث عن مصير زوجته، التي هربت فجرا تاركة اياه يغط في نوم عميق ولعلها خَدَّرته، وهي تحمل اغراضها على عجل، ثم ما مصير ذاك الذي غير اسمه: موسيس ابرام كاليل، موسى ابراهيم خليل، المعروف اختصارا بابن العم، الذي اغرى سعدي احد القتلة المعروف باسم عبد الله الصومالي، اغراه بقتل ابن العم ثأرا منه وانتقاما لتحطيمه حياة اسدورا بالمخدرات وحياة زوجها ارماندو بهجرها له؟، ثم ما هذا الذي يسرده علينا الروائي المتمكن محمود سعيد في السطور الاخيرة من روايته؟ أهي حقيقة ام اضغاث احلام، اهي حقيقة ان اسدورا قد استعادت طفليها بعد ان اقترنت بابن العم الذي اوقعها في حبائله، وها هي المصادفة تجعل سعدي يراهم؟ يرى الطفلين في تلك السيارة ذات الدفع الرباعي.
(ايهم ان تكون في شارع معين؟ كل الشوارع سواء
– عراقي سعدي
– من؟
صوت ارمانور؟ اهو يحلم؟ التفت سيارة جديدة. دفع رباعي. كل ما فيها اسود. مفتوح فيها شباك واحد. خلفي. تمرق كالسهم، كانت على بعد بضعة امتار ثم جاءت سيارة اخرى ملاصقة. حجبت الرؤية.
– عراقي سعد..
ابتعدت السيارتان. نزل الى الشارع راكضا. ظهرت يد طفل من شباك السيارة السوداء، اقل من لحظة. ثم اختفت. أهو حلم؟ اهي حقيقة. أخُيِّلَ له. اواقع ام اضغاث احلام؟) ص222
ام ان سعاد عمة امهما قد سمعت باوضاع الطفلين، فجاءت من البرازيل، حيث تعمل بتجارة الاحجار الكريمة، ولتنقذ الطفلين مما هما فيه بوصفها القربى اليهما أقرب الناس ولم يبق لهما من يرعاهما سواها بعد موت ابيهما وهرب امهما؟ مع عشيقها تحت تأثير الادمان على تعاطي المخدرات، ولأن سعاد الانسانة الوحيدة القادرة على انتزاع الطفلين بكلمة واحدة منها، وهي الاجدر برعايتهما واخراجهما من دهاليز الشرطة ودار الرعاية الاجتماعية، كونها عمة امهما. ام انها المصادفة وحدها من جعلته يراهما، وقد تولت الشرطة – بعد ان يئست من العثور على من يتولى تربية الطفلين ورعايتهما – نقلهما الى احدى دور الرعاية الاجتماعية؟
احتمالات عديدة، ونهايات مفتوحة، يضعنا الروائي العراقي الحاذق محمود سعيد، امامها، ونحن نقلب الامور على اوجهها، وصولا الى معرفة مصير هذين الطفلين الوديعين، وهي ضربة روائية مكتنزة بالفن والابداع والتألق المُشَغِّل لذهن القارئ والمحفز لانتباهه، وصولا الى الاستمتاع، الاستمتاع بما تقرأ، والاستفادة من هذا الذي تقرأ..

(3)
في الجزء الثالث من ثلاثية شيكاغو الروائية والتي تقع في ست مئة وثلاث وثمانين صفحة التي كتبها المبدع العراقي المغترب محمود سعيد والموسوم بـ(زيطة وسعدان) نجد ان سعدان هذا، هو المعادل الموضوعي لـ(سعدي) في الجزء الثاني الموسوم بـ (اسدورا) وهو (عمر) في الجزء الاول من هذه الثلاثية المعنون بـ(حافة التيه) الروائي محمود سعيد لا يكرر نفسه، لكن تجد في هذه الشخصية شيئا من سعدي وعمر، شاب عراقي تفرض عليه قساوة الحياة العراقية الهجرة الى الولايات المتحدة؛ شيكاغو تحديدا واذا كان (الدكتور واثق) في الجزء الاول الشخصية الايجابية المثقفة والناصحة فاننا نجد في الجزء الثالث (الدكتور موفق).
استعان الروائي محمود سعيد بهذا الجزئ الموسوم بـ(زيطة وسعدان) كما استعان بالجزءين الاولين من الرواية بتيار الوعي وانثيال الافكار لربط عملية السرد التي تأتي على لسان سارد مركزي يحدثنا بضمير الغائب ولا يكاد يختلف هذا الجزء عن الجزءين السابقين من زاوية اكتظاظه بصور الجنس، وهي صورة منتزعة من واقع الحياة الامريكية، فضلا على محاولات بطل الرواية (سعدان) الزواج بعراقية شابة خريجة جامعة مثقفة وجميلة لكنها تبوء بالفشل كما باءت محاولات عمر وسعدي، في الجزءين الاولين.
سيدة المجتمع المخملي
وكما قلت سابقا ان المصادفات هي التي تحدد مسارنا في الكثير من مناحي الحياة، فلولا هذه المصادفة الصاعقة التي وضعتها الاقدار في طريق سعدان، صاحب سيارة الاجرة الليموزين، بان تستأجره ذات الجمال المدوخ الصاعق سيدة المجتمع المخملي (نيكول هيوم) والتي ما كان يعرف عنها شيئا سوى اسمها، تستأجره الى تلك الحفلة والعطر الصاعق الذي دوخه والذي كان يعد العدة للسفر الى دمشق للقاء بامه واخته ولاجراء مراسم العقد والزواج لكن نيكول وقد حطمت عقله بعد ان وجد فيها شيئا من اهتمام اذ طلبت منه لبس ملابس حديثة ما كان سعدان هذا العراقي الطيب قليل التجربة باجواء الحياة الامريكية الصاخبة لاسيما طبقات الاثرياء والمجتمع المخملي، ما كان يعلم سعدان هذا، ان نيكول كانت قد اتخذته وسيلة لاغاظة عشيقها المدعي العام الذي لم يرضخ لشروطها، التي علمناها اخيرا بعد ان طوحت الايام بآمال سعدان وتطلعاته غير الواقعية، شروطها ان يعلن طلاق زوجته، كي ترغب مواصلة العيش مع هذا الموّله العاشق ولعل اكثر ما افجع سعدان البرود الذي قابلت به نيكول الاعتداء الذي اطار بلبه، وهو الذي تدخل دفاعا عنها ازاء تحرشات تعرضت لها لا بل الافجع عتابها له على تدخله دفاعا عنها (اضافت نيكول لائمة: ما كان عليك ان تتدخل. اخطأت.
– لكنه ضايقك
نظرت اليه بحدة: وليكن! لا عليك ابق بعيدا
قالتها بشكل قاطع. احس معها بوطأة الخزي تتضاعف. فعل ذلك لاجلها وهي غير راضية! صَدَقَت. كان عليه ان لا يتدخل. يستأهل) ص216. ص217
طيبة تضيع فرصا
ولانه لا يعرف خفايا هذه الحياة المخملية فانه طوح باكثر من فرصة للتعرف على سيدات ثريات يعانين وحشة ووحدة، وبحاجة الى شاب يمضين معه سويعات من الهناءة حتى انه كان يطوح ببطاقات التعريف التي قدمتها له اكثر من سيدة من سيدات هذا المجتمع الغامض، كان يطوح بالبطاقة في صناديق القمامة
(الا تعتقد ان الجو بارد؟
التفت. امرأة في نحو الخامسة والاربعين. شيء من بدانة تشعل الاثارة ولا تشوه الجسد. تقف قربه وترشف من كأس في يدها. سمراء جميلة التقاطيع، اقصر منه. انيقة. عاد اليه شعوره بالخزي ترى اتتكلم معه لتجبر خاطره ام مصادفة ثم تأكد انها تعنيه: نعم؟
– اظنه ابرد من العام السابق
– هو كذلك نعم ابرد
اهم بالخروج ثم اتردد
(…) اشربي كأسك كله مرة واحدة. تسخنين: ثم اسرعي. تشعرين بالدفء
ضحكت: سأجرب وصفتك
شربت كأسها كله مرة واحدة: ستشعرين بالدفء بعد دقيقتين.
– سنرى
نظرت الى الساعة: لابد انها وحيدة: تبحث عمن تكلمه. ليندمج معها بالكلام (…) اخرجت من حقيبتها بطاقة تعريف: لياناكاستن.
صافحته: الا تحب الرقص.
– لا
– حتى انا. افضل التمشي. السينما. الاوبرا. الطبخ
(…)
– أتسكنين قريبا!
– لا. العنوان موجود في البطاقة
– ضحك لم اقرأها…) ص218. ص219
(اتلعب معي؟
التفت. مشدودة القوام. حلوة التقاطيع لا اثر للتجاعيد في وجهها. على شيء من امتلاء مقبول. ربما في الخمسين لا اكثر! لا يدري. المكياج الماهر يخفي كثيرا من الحقائق.
– ماذا ألعب؟
– ليّ الذراع
(…)
امسكت بكفه. عصرتها. ثم سلمته بطاقتها؟
– أأقدم لك شيئا تشربينه؟
– لا. دع ذلك ليوم اخر
قالت ذلك وغادرته. مع تحديقة عميقة. تناول منها البطاقة وهو يبحث عن نيكول. رماها في القمامة من دون ان ينظر اليها..) ص107. ص108
سعدان في رواية (زيطة وسعدان) شخصية طيبة تحاول تقديم المساعدة للناس، سواء أكانوا عراقيين يعيشون في المهجر، ام من جنسيات اخرى تعيش في شيكاغو حتى انه جعل شقته ملاذا للمفصول حتى يجد عملا، وللزائر حتى يسافر الى مدينته ولمن اختلف مع زوجته او عشيقته وكثيرا ما تبرع بايصال من يعرفهم الى اماكن عملهم او لهوهم لكنه من الجانب الاخر شخصية متأرجحة متذبذبة لا يكاد يستقر على حال فهو شخصية هوائية تفشل قراراته ابسط المعوقات والصعوبات، انه بسيط اقرب الى السذاجة لكنه من الجهة الاخرى مبدئي صارم واخلاقي رصين هو يرمي ببطاقات هؤلاء النسوة الثريات الباحثات عن المتعة في اخريات شبابهن في القمامة، لانه لايجد فيهن شيئا بالرغم من المال الذي قد يغدقنه عليه، الامر الذي يجعل صديقه الحميم يثور بوجهه ناعتا اياه باقذع النعوت.
(هتف هيثم محتدا. غاضبا: لانك زبالة يا سعدان، قضيت على مستقبلك بتصرفك يا غبي: كيف ترمي بطاقتيهما بالزبالة؟
قلت لك ايها القرد ابدأ بالتدريج. خطوة. خطوة (….) من يعمل عملك لا يمكن ان ينجح في الحياة.) ص243
واذ تتوالي النكبات على سعدان: فشل مشروع زواجه وتبخره. اختفاء نيكول هيوم الصاعق من حياته، وارفضاض محبوباته عنه الواحدة تلو الاخرى، بسب تأرجحه، وعدم رغبته في الزواج والانجاب وتحمل مسؤولية طفل يعيش في هذا المجتمع المنفلت لا يستطيع تصور ابنته تعاشر رجلا خارج نطاق الزواج، هذا التصور الذي نغص عليه عيشه، وادى الى تحطمه وربتما موته، فهو بعد سلسلة الهزائم يقرر العودة الى العراق، اذ لم يعد له مكان في امريكا، لكنه الروائي الحاذق محمود سعيد، الذي يلعب على ثيمة النهايات المفتوحة في روايته، قد جعلنا نستعيد ذكرى وداع صديقته (كلاسيا) المكسيكية له، وقد ازمعت الرحيل لبلدها لزيارة اهلها، تُودِع لديه نوعا من الزهور البرية ((اشارت الى زهرتين صغيرتين حمراوين ناريتين فاتنتين محاطتين باشواك بيض ذوات لمعان يتألق كفسفور حليبي متفرد جميل جدا، تلاصق كلا منهما زهرة صغيرة وردية شفافة هشة من دون شك. همست وهي تشير الى شوك الوردة الحمراء النارية وكأنها تخشى كلماتها: لا تلمسه انه سام (…) ابتسمت اشارت الى احداهما: هذه زهرة الحب المقدس عندنا. سأهديك واحدة.
– ستفصلينهما عن السامة؟
– لا. لا تنفصل انهما متلازمتان عليّ اهداءهما كلتيهما. انها هدية الحياة والموت. من يخن الحب عليه ان يموت. يتسمم ويموت لكن عليك ان تقسم انك ستحتفظ بهما (…) ثم حدقت به: لا، لن اعطيك اياها ولن تقسم. اخاف عليك. انت لا تؤمن)). ص68. ص69
ويحتفظ سعدان بالوردتين في دفتر صغير يسجل به بعض الملاحظات، ونسي سعدان الامر، وما مر على خاطره هذا الامر، ولعل الكثير من القراء لم يقفوا ازاء هذه الثيمة او هذه الفذلكة ولعلهم نسوها، او لم ينزلوها منزلتها الصاعقة والمهمة جدا في عملية السرد الروائي الذي يجيده محمود سعيد، حتى اذا استقر في نفسه هذا الامر، وبعد صفحات طويلة من السرد، اراد محمود سعيد ان يختبر ذكاء قارئه، وهل هو حاذق في لملمة وقائع الرواية، والربط الدقيق بين حوادثها مهما ضؤلت وصغرت؟ يفجر في وجه قارئه حادثة قيام صديقتيه السابقتين (ياسمين) و(اولكا) الروسية اللبوة الشقراء التي تمزق من يضاجعها اشتهاء وحبورا، بعد ان تزوجتا، وانجبتا، (ياسمين) ولدا، و(اولكا) الروسية الساحرة بنتا، جاءوا مع زوجيهما ليريا الطفلين ابويهما الحقيقي، الذي بذر بذرته في رحميهما وازاء حث اصدقائه على الاسراع في استقبال الضيوف، وهم لا يعرفون من هم وماذا يمثلون لسعدان، سوى انهم اصدقاؤه، يحدث الذي لم يكن في الحسبان، ويبرز الى الذاكرة تحذير كلاسيا المكسيكية له من وخزة الزهرة السامة، التي تقتل من يخون العلاقة الحبية بين اثنين وتظل النهاية المفتوحة التي يشتغل على ثيمتها الروائي محمود سعيد بفن واقتدار تظل تطل علينا نحن قراءه ترى هل سيموت سعدان الذي وخزته شوكة الزهرة المسمومة لتشكل نهاية لخيباته وتأرجحه وعذاباته؟ ام سينقل الى المستشفى سراعا وهناك يجرى له ما تحتاجه حياته، فيعود يواصل خيباته وانكساراته ولذاذاته؟
(فجأة تذكر محفظته. بدأ يبحث عنها (…) وجد دفترا (…) فتحه وجد وردتين جافتين (…) لم ير الوردة. لا شك انها سقطت على الارض. انحنى ليأخذها (…) احس بما يشبه غرزة دبوس حاد في اصبعه (…) عندئذ تذكر كلمات كلاسيا: (زهرتا الحب المقدس (…) من يتمتع بالحب عليه ان يراعيه لا يخونه ابدا ومن يخن الحب عليه ان يدفع الثمن غاليا، ان يموت يتسمم (…) ان نكثت قسمك ستموت. كاد يضحك. غرزة شوكة تميته (…) لطع قطرات الدم النازف من سبابته، ثم ضغط على موقع الغرزة بابهامه ثم تناول ورقة كلنكس وضعها فوقها (…) اخذ الصداع يشتد ضغط على جبهته بكلتا يديه (…) صداع قوي (…) رأسي ينفلق (…) هتف (رياض) وهو يمسك بورقة الكلنكس: من اين جاء الدم؟ نظر سعدان اليه بعينين ذابلتين. لكنه لم يستطع فتح عينيه ثم هوى بجبهته على منضدة المطبخ) ص246. ص255

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *