الرئيسية » ملفات » د. سعد الصالحي : مراثي غيلان (الجرعة الثالثة) (ملف/16)

د. سعد الصالحي : مراثي غيلان (الجرعة الثالثة) (ملف/16)

النجوم
تتمشى أمي قاطعة المسافة بين بابي الدار الأمامية والخلفية وهي تصغي لعواء الكلاب المتواصل عند مغيب الشمس، وثمة رائحة شجار خبز طازج شهي تنبعث من الأكواخ الطينية المحيطة . أشياء عديدة أخر تعين على جدب كنعان بلا كهرباء وماء ومنها همة العصملي العجيبة الذي شمر عن ساعديه على مكبس (اللوكس) ذلك المصباح النفطي الصائت مشعشعا بعد هنيهات بنوره الساطع، ولولاه لقضينا أكثر من ليلة على بصيص الفوانيس الكابيات بدخانها وكآبة ذؤاباتها الضئيلة . راحت ليالينا شيئا فشيئا تزدان برائحة الماء المرشوش على سطح الدار الترابي وبأبتراد (التنكة) الفخارية على حائطه الوطئ، ثم بأقاصيص العصملي عن أصحاب تلك الأسماء التاريخية العجيبة، جاسم الجمون .. علي الكرغولي .. فهيمة القاقينة وكريم الجرمط .. تقاصرت سويعات الصيف بثقل أجفاننا بعد ألتهام قطع الرقي والبطيخ المعد بعليل الهواء بعد غياب الشمس .
كنت أعد النجوم مأخوذا بتجمعاتها الهائلة، قالت جدتي :
– أولئك (بنات نعش) يحملن التابوت، وتلك أختهم الصغيرة العرجاء في أسفل الرتل، أما النجمتان البعيدتان فهما قيس وليلى، أحبهما ألله فرفعهما الى السماء يبهجان بقربه بعيدا عن غضب القبيلة .

التعويض
إختفت تلك الجدة الحنونة .. مرت أيام وتلتها أسابيع وقالوا أنها في بغداد، لكنهم أحجموا عن ذكر سبب هذا الغياب ! .. هكذا أفتقدنا لنكهة الخبز الطازج على التنور المشجور بالحطب، إفتقدنا لتلك النكهة المنبعثة من قدور الطبيخ بحمس اللحم والبامية، إفتقدنا لقطعة الشب التي تنقي الماء في الزير والتي كنت أقف على حافتها مراقبا تلك العجوز الطيبة وهي تديرها مرارا ثم تتركها بعد حين لتستقر في القعر الناضح لماء ( الناكوط ) في الأسفل .. هكذا إفتقر الدار لفرد أنقص نصاب العائلة الذي إكتمل بعودتها المفاجئة السعيدة ! .. عادت ممتلئة بالضحك والعافية، تتحدث لا كما كانت، بل تتحدث لتعويض الغياب، تبتسم بثقة غير معهودة، تجيب على كل الأسئلة، عادت كأنها لا جدتنا حسب، ولكنما سيدة بيت وعهد جديد، ثم راعني وأسعدني وظل في ذاكرتي أن جدتي قد ذهبت الى بغداد وعادت لتفترش الحصير وتتسيد الدار بتواضعها الجم لا لشئ سوى أنها عادت وهي ترتدي عافية أخرى بطقم أسنانها ألأول .

اليد تستطيل
ربلة الساق البيضاء، وصفحة الفخذ الممتلئة بثقلها المفروش على الأرض الكونكريتية الباردة، ثم بقية الجسد المغطى بسمت الأكتناز الذي يتزايد كل يوم بوجبات الطعام المفرطة بالرز والسمن واللحوم، كانت كلما آلتهمت لقمة أردفتها بخمس يتضاعفن واحدة تلو الأخرى حتى تفاقمت كهرم يتفلطح في كل الأتجاهات إلا بما هو نحو ألأعلى .. ! وأرقب أن كتل الشحم المتثخنة تغيب معالم الوجه بتفاصيله التي ينبغي أن تبقى في الذاكرة، فإيما جانب سيبقى وكل بقعة تتغير يوميا بفعل الخبز واللحم والدجاج المحشي المشوي في التنور، ناهيك عن ثريد طيور الدراج والأوز البري والديكة الرومية بعد قئ أبي وسهرات خمره الحافلة بأطباق المزة الموصلية والكرزات الأيرانية والفواكه التركية المجففة . كرنفال جنائزي ينتهي بصحن رز قطره متر كامل لا ترى منه حبة واحدة لما تغطى به من الكشمش واللوز وأفخاذ الطيور . أفخاذ على الكونكريت، أفخاذ على المضاجع، أفخاذ على الصحون، أفخاذ أسترق النظر إليها في قيلولات خابيات، أفخاذ على رأسي، أفخاذ تهصرني وأشياء جديدة تظهر لي بين فخذي وأفخاذ ألأخريات، أفخاذ ألمسها وأفخاذ ألتهمها، أفخاذ تحيل العالم كله إلى فخذ ممتلئة بثقلها المفروش على ألأرض الكونكريتية الباردة، أرقبها كالمكيدة وتقابلني كالكمين بيدي التي آستطالت إلى حدودها المتناهية في الرغبة .

شب الطول
البساتين، ودفء العودة الى البيوت عند مغيب الشمس بدخان تنانـــــــيرها المبشر بفطور رمضان، حاملين بلهفة بين أيدينا من البراري القريبة باقات الرشاد والفجل والبصل.. ومسرورين لوجه العصملي الضاحك لكل الأشياء، .. تلك أمي تخلط لدينة (قمر الدين) بالماء عصيرا وجدتي ترقب معـــــــها صوت (الطوب) .. كل تلك النفائس تغير على وجه اليوم وتعيق اليقــــين بزمن آخر، سألتُ جدتي :
– بـيـبـي .. شوكت أكبر؟
– من يجي الكيظ
– وشوكت يجي الكيظ؟
– من يطلعلك (شب الطول) ..!؟
وبين (شب الطول)، وإغراءات الصبية سعدية بنت الخبازة، أرى أطوالا أخر تشرئب من وسطي ..! كنا نختلي تحت حصيرة جريد لنمارس حبا في غير أوانه ومواضعه التي تعلمتها من شبق مبكر، ومن أنوثتها التي ما كنت أعلم عنها شيئا، وكنا نستمتع حقا بلذة مبهمة، إغتالتها بغتة يد جدي العصملي التي رفعت الحصيرة عنا، وكشفت خفاءنا، ضاحكا ملء شدقيه بخبث لمشروعنا المبكر ظهيرة كل يوم في القيظ، لا عند طلوع (شب الطول) حسب، بل عند كل إرباك منا لهجعة النوم بلذة القيلولة المقدسة لآخرين في ظهيرات الصيف القاسيات.

شاي العصر

كان أبي أول المتثائبين بعد الصحو من قيلولة تموز. بين فانيلته البيضاء وشعر كتفه الكثيف كنت ألمس حنانه وهو يصيح : – كعدوا عاد.. وين صار (الجاي)؟
نتحلق بعد وقت قليل حول تلك الصينية الصغيرة وقد تزاحمت عليها إستكانات الشاي والقوري الفرفوري مع كتلي الماء المغلي وكاسة الشكر والصحون الصغيرة والملاعق الناعمة بحجمها الولادي، لتمتلئ كل تلك الإستكانات من ثم بيد جدتي وهي تصب الشاي وتعطي لكل منا سهمه من الكعك أو الكليجة.. العصملي، (جدي)، يعبئ تخم الياسمين بسيكارة تتن لف من ورق الرشيد المصنوع في الشام، متربعا على قنفته الخاصة في الحوش بدشداشته البيضاء ليبدأ حديثه المعتاد عن أمجاد العثمانيين وعشيرة المجمع وسندرسن باشا..!
لم يكن شاي العصر ليخلو من مشاركة بزيارة أحد الخطار من الجيران، أم سامي الحلوة أو أم مفيد النمامة أو أم زينب التي تعشق أبي حد النخاع.. ولم يكن العصملي الفتى حتى موته ليفوت أي لحظة متعة حديث مع أي منهن مهما طالت أو قصرت زيارتها، إذ كن يستمتعن بأقاصيصه حتى ولو كانت عن مغامراته في محلة الصابونجية في الميدان بعد الإحتلال البريطاني.
ظلت كل تلك ألأشياء الجميلة حية تسابق الخلود وتعيد نفسها.. لكنما شيئا واحدا إختفى بعد ذلك فأمحت بعده كل ذاكرة التوق إليها.. لقد إختفى شاي العصر من أيام العراقيين.

فصل في الخاشوكة

إقترنت بزوجتي اليافاوية الفلسطينية وأحببت فيها الخوف من الخاشوكة..!، والخاشوكة _ يا رعاكم ألله – هي الملعقة بلهجة البغداديين وربما أغلب أهل العراق.وحافظت يافاويتي الحبيبة على لهجتها الفلسطينية القح مع بعض الإتقان الضعيف لمفردات بغدادية على قدر الحاجة للتسوق والتخفي من سيطرات العهد الديمقراطي الجديد بعد ألأحتلال ..
كان ذلك يوم طلبت ْ من إبننا محمد ذي الخمسة أعوام أن يتناول شوربة العدس بالـ (المعلقة)، فما كان منه إلا أن يصرخ بها :
– ماما، شنو معلقة؟ إحجي عدل .. كولي خـاشــوكــة .
وتفصدت بعدها عرقا لكلمة لا تعرف ما معناها وقد قرب حالها من الغيبوبة .. إذ أن المعلقة بالفلسطيني والملعقة بالفصحى العربية (وهي أستاذة الأدب العربي الحديث في جامعة بغداد) تتحول إلى .. (خـاشـوكـة) ..! لكنها إطمأنت تماما يوم أخبرها ولدنا محمد أنها لا تلفظ ما يشير الى الكرسي بطريقة صحيحة وهو ينصحها قائلا :
– ماما، ماكو شي بالعراق إسمه كرسي .. إحجي عدل وكولي .. سِــكَـمْـلـي .
ليتضح لي بعد كل هذا أن لابد لي من نقلها لغرفة ألإنعاش إذ سألها محمد يوما :
– ماما وخـري لـيـغـاد دا أكش الطوز من جوة الجرباية.

فوكاه
في عام 1975 ولتناول غداء طيب ورخيص بدلا من الغداء الغالي أبو الخمسين فلسا الذي كنت أتناوله في نادي الكلية إصطحبني صباح وطه وفخري، زملائي من أبناء مدينة الثورة ونحن في الصف الأول في كلية طب الأسنان مشياً إلى ساحة الميدان، ثم إلى مدخل شارع الرشيد. وبعد خطوات من كعك السيد دخلنا إلى دكان تمن ومرق عرضت على واجهته الجداري ومواعين الفافون. صعدنا إلى طابق من خشب وطاولة من جينكو رصت حذو الحائط المواجه حيث جلسنا على مقاعد من تنكات في الدكان الذي يعبق بنكهات جداري المرك والتمن. صاح صباح مغتاظ :
-عمي أبو حسين.. يابسة فوكاه
ثم أردف فخري عبد علي :
-يابسة فوكاه..
وصاح طه ياسين ضمد :
-إسبيناغ فوكاه
فصحت طالبا كذلك :
-فوكاه..
كانت تلك ساعة الغداء بعد المحاضرات الصباحية والدوام السريري بين الساعة الثانية عشرة والواحدة ظهرا، ماعون تمن فوكاه مركة فاصولية يابسة بدون قطعة لحم، ماعون تمن فوكاه إسبيناغ، كذلك بدون لحم. نزلنا بعد صيحة صباح مغتاظ :
-عمي أبو حسين راس البصل حسابه بيناتنا.. بس هاي المرة نعتب عليك لأن ماحطيتنا حكاكة.
ودفعنا عشرين فلسا لكل وجبة، وكانت الوجبة التي كلما نظرت إلى لوحة العشاء ألأخير… تذكرتها.

الميت
أخذتني أمي الى بيت أمها جدتي حمدية وأبيها جدي حسين بانزين في باب الشيخ قبل انتقالهم الى عكد المعدان في محلة الفضل، كان البيت مشوقا جدا لوجود أحد أقارب أمي الممثل هاشم المصلاوي ساكنا فيه معهم، ولحظة رأيته نازلا الدرج صباحا مستعجلا الذهاب الى دار الأذاعة والتلفزيون إستفقتُ على مرأى صورته التي إعتدت رؤيتها في التلفزيون .. قبل خروجه السريع ناغى البلبل في قفصه المعلق في مجاز البيت وضحك معه مليا كأنه يضحك إلى الأبد ومغردا كذلك :
– سعودي .. إطلع اليوم إتونس بالدربونة وية أمك اللي عايفتنه وعايشة وية العربان بكنعان .
عصر ذلك اليوم كنت قد تخيرت التجول وحدي في الدربونة، منبهرا بالدكاكين وفرح لعب ألأطفال بالدعابل لكنني – وفي غفلة إستغراقي بكل ذلك – فوجئت برجع صيحات مرعبة، وأصوات حشد مريب، يرتفع فوق أكتاف بعضهم مستطيل أبيض جدا بلون الخشب .. أحدهم، وكان أسمرا طويلا حشرت بسببه لصق جدار بارد مواز لمرور الرتل المخيف، كان شابا حليق الرأس قد رفع طرف دشداشته حتى أعلى ركبتيه وهو يصرخ باكيا :
– أويلي يابه .. أويلي
كان الرتل يهدرأمام سمعي، ومرأى أقدامهم تضرب ألأرض يتسمر في عينيَّ الطفلتين وهم يرددون بترنيمة صادحة واحدة :
– لا إله إلا ألله
ضاقت علي الدربونة، وضاقت علي الأصوات وأشكال المصاحبين لشئ ما أول مرة .. أول مرة ..
التابوت، والخوف، والحشد، والصيحات، وتعجبي، كانت كلها ترنم الموت الذي عرفت شكله المرعب البعيد … أول مرة .. في أزقة بغداد .

التشريب بعد الشرب

بعد الكأس ألأولى من العرق الزحلاوي هذا الليلة .. ينتابني شوق للتذكر … تذكر ٌ يمتد من الولادة وحتى اللحظة المحتملة القادمة بعد الكأس ألأخيرة .
العراقييون لا يصفون من يحتسي الخمرة بالسكير أو المدمن أو الفاسق .. يكتفون بقولهم :
(يــــشـرب) ..
و(يشرب) لها في قاموس العصملي معنى واحدا يوم زفينا عمي الحلاق عبد الصاحب على إبنة خالته سجودة، وهي التي كانت تصف هذا الإحتمال :
– لو تموتون، ما آخذ هذا أبو عيون الباصورك ..!
لكنها قبلت به زوجا أبديا لحد هذه اللحظة التي ظلت قائمة بعد التفجيرات الخمس في كرادة بغداد عام 2011 وعلى الرغم من نصف عماه الأبدي كذلك منذ ليلة الدخلة .
جلس العصملي على سطح العمارة التي يسكنها كافة آل الصالحي من بعقوبة والجيزاني وهبهب قبالة فلكة السباع في محلة الشيخ عمر، متسيدا طاولة ضيوف العرس وقد إنتصبت جنبه سكلة صغيرة من جريد النخل علقت عليها أكياس الجبس أبو العشرين فلس، كان بسدارته السوداء وهو يحتسي كأسه يفرض هيمنة الأب المقدس وهم ينصاعون لها بالشرب كل على قدر إحتماله للعرق المستكي .
كنت طفلا بعمر الحرير حين إنتابتني سعادة ضحك جدي العصملي فرحا بطبق تشريب اللحم الأحمر بعد شربه ربع عرق المستكي متألقا ببهاء وجهه الذي كان تواقا لتلك الوجبة التي إعتدت عليها حتى لحظة … موتي .

.. يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *