الرئيسية » مقالات » الفتاة البشعة – لقاء في حديقة ريتشموند لندن
من رواية “مَا وَرَاءَ الأُفُقِ الأزْرَق”
بقلم الكاتب مولود بن زادي

الفتاة البشعة – لقاء في حديقة ريتشموند لندن
من رواية “مَا وَرَاءَ الأُفُقِ الأزْرَق”
بقلم الكاتب مولود بن زادي

الفتاة البشعة – لقاء في حديقة ريتشموند لندن
من رواية “مَا وَرَاءَ الأُفُقِ الأزْرَق”
بقلم الكاتب مولود بن زادي

الجزء الأول \
يترقّب ردّها على خطابه، وتمرّ الأيام، وقلبه الحائر لا ينام. ها قد شغل غيابُها بالَه، وأثار فضولَه، فراح يتساءل في غمرة حيرته عما يصدها عن الرد وهي تحيا في مدينة لندن مثله، في الضفة المقابلة لنهر التايمز، لا تفصلها عنه إلا كيلومترات قليلة! وهل ثمة مبرر لأصدقائنا وأحبابنا إن تهاونوا في الاتصال بنا وأحدث الوسائل التكنولوجية بين أيديهم؟!
وفي إحدى الليالي، يُفاجأ برسالة منها تبث السكينة والطمأنينة في صدره:
“بيروت..
أستاذي الفاضل خالد،
أعطر التحيات وأجمل الأمنيات أبعثها لك من بلد الأرز والطبيعة الساحرة والطقس الجميل، لؤلؤة الشرق الأوسط، لبنان، راجية من المولى عز وجل أن تبلغك وأنت في صحة وعافية وأمان.
أما بعد،
أعذرني يا سيدي إن تأخرت في الرد. أنا في بيروت منذ فترة لظروف طارئة لأطمئن على صحّة شقيقي الأصغر المريض. أجريت له عملية جراحية في المعدة مؤخرا وبدأ يتعافى من علّته والحمد لله. وإني أنوي الرجوع إلى لندن نهاية الأسبوع المقبل بحول الله.

حضرة الأديب خالد.. سعدت كل السعادة بقراءة رسالتك التي حملت لي مفاجأة سارة تمثّلت في فصل شيّق ممتع معبّر من روايتك الجديدة. سلمت أناملك الرقيقة ولا عدمنا جميل إبداعك. وإنّي أستعطفك لتبعث لي بفصول واقعية مماثلة من روايتك، فلا تتأخّر عليّ أرجوك!
أتمنى لك من صميم الفؤاد، مزيدا من التفوّق والتألّق والتميّز في سماء الأدب.. دمت نجما من نجومها اللامعة. ودمت بخير وفي أمان الله وحفظه.
وفاء”

ها هي رسالة وفاء المفاجئة تطير إليه من الشرق محمّلة بعبق الكلمات الرقيقة الساحرة، فتبث في نفسه روح الإثارة والطموح، وتفعمه شغفا ورغبة في مواصلة كتابة قصته الجديدة. فيفتح ملف روايته على لوحه الإلكتروني، وعيناه تشعان بهجة وتفاؤلا، ويشرع في كتابة فصل جديد تدور أحداث قصته في حديقة (ريتشموند) الشهيرة في غرب لندن، يرسله إلى هذه الفتاة اللطيفة التي عبّرت له عن شغفها بمتابعة فصول قصته:

“حضرة الأستاذة الكريمة وفاء \
أبعث لك بأطيب التحيات وأرقّها وأسمى عبارات المودة والاحترام والتقدير..
أما بعد،
لا أخفي عليك، صديقتي العزيزة وفاء، أنّي فوجئت بنبأ سفرك إلى وطنك، وقد فهمت الآن سبب تأخرك في الاتصال. أدعو بارئ الكون أن يشفي شقيقك من علّته، وأن يبعث سيول الراحة والطمأنينة والأمان إلى نفسه، تتدفّق في أعماقه، وتسري في أوردته، فتطهّرها وتنعشها وتصونها.

كم أنا اليوم سعيد لأجلك يا صديقتي يا وفاء! أجل، كم أنا سعيد بمعرفة أنك الآن في أرض الوطن المجيد، تستمتعين بمناظره الطبيعية الخلابة، ومجاري مياهه العذبة، وطقسه المعتدل، وهوائه العليل، والجو العائلي الجميل!
لستُ أدري لمَ لا أتمالك نفسي من الفرح وأنا أفكر في ذلك، يا وفاء! أشعر كما لو كنت أنا المسافر إلى الأوطان بدلاً منك!.. أو ربما كما لو كنتُ مسافراً معك، جالساً في هذه اللحظات بالقرب منك، في كنف الأوطان الغالية، وتحت أشعة شمسها البنفسجية، في أحلى حلم وأجمل أمنية! ولسوء حظي، يا صديقتي، سرعان ما أستفيق من غفلتي، فأجد نفسي حبيساً في قفص الغربة هذا الذي زجّني فيه القدر، تحت الغيوم الكثيفة والمطر!

ما أصعب العيش في قفص الغربة هذا الذي رمتني فيه الأقدار، يا وفاء! وهل ترضى الطيور بالعيش في أقفاص بعيدة عن أوكارها وبيئتها وإن كانت أقفاصا من ذهب؟!
ما كنت أعلم، يا وفاء، أنّ حب الأوطان همسة تلامس إحساسي، وتراقص نبضات قلبي وتداعب أنفاسي، لا يشعر بها إلا من عاش في ديار الغربة!
وما كنت أعلم، يا صديقتي، أن الحنين إلى الأوطان، بعد طول البعاد، داء يسري في شراييني، فيمزّق خاطري، ويعبث بروحي ومشاعري!…
(تتبع.. ترقبوا الجزء الموالي الخميس المقبل)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *