الرئيسية » ملفات » محمد علوان جبر : الساخر الكبير (الى ..روح الشاعر سعد الصالحي) (ملف/15)

محمد علوان جبر : الساخر الكبير (الى ..روح الشاعر سعد الصالحي) (ملف/15)

الساخر الكبير
الى ..روح الشاعر سعد الصالحي

محمد علوان جبر

في ساحة الاندلس ، معالم كثيرة تحمل اهميتها تاريخيا وجماليا ، اولها نصب بغداد . المرأة الجميلة المغناج التي تجلس باسترخاء كما تخيلها محمد غني حكمت ، وهي تواجه دجلة وتدير ظهرها الى مبنى اتحاد الأدباء الذي يحرس بوابته الجواهري وهو يقف مراقبا المارة من على منصة رخامية … امام المبنى مستشفى تاريخي هو مستشفى ” الحيدري ” صودر الاسم ليصبح مستشفى الشيخ زايد . من احدى شرفات المستشفى ظهر في ستينات القرن الماضي الزعيم “عبد الكريم قاسم “وهو يرفع يده السليمة الى الجماهير التي تجمعت امام المستشفى بيد واحدة بعد أن اصيبت يده اليسرى ، وليس بعيدا عن مستشفى ” الحيدري ” هناك مستشفى أخريختص بأعقد أمراض العصر ، كان اسمه فيما مضى .. مستشفى “الطب النووي ” وفي محاولة للتخفيف من وقع الاسم ورعبه سمي ” مستشفى الأمل ” .. لانه متخصص بعلاج السرطانات التي عجز الطب عن ايجاد علاج لها عبر” بلدوزر العلاج الكيميائي ـ كما سماه الروائي اسعد اللامي في روايته الرائعة ” احلام العبوة الرابعة ” البلدوزر الذي يكتسح كل شيء أمامه كذلك الاشعة الليزرية التي تعد الحيلة الاخيرة التي يمارسها الطب على اجساد هزلت وبانت اثارمخالب واثار البلدوزر عليها ، كنت اقف قبالة مبنى الاتحاد منتظرا سيارة تكسي حينما رأيته قريبا مني ، يسير ببطء وعيناه زائغتان تحدقان في الفضاء، خطواته بطيئة وهو يدير مسبحة صغيرة حمراء في يده ، رأيت في وجهه حزنا غريبا ، وعلى عنقه رأيت اثار الخطوط البنفسجية التي يعلمها الطبيب للمعالج لكي يمرر ذلك الاشعاع ، التقت عيوننا قبل أن يجتازني بخطوات ادار رأسه ناحية المبنى حيث كانت بوابة الاتحاد مواربة قليلا .. حينها تعانقنا .. ولم اكمل معه تبادل التحية ، اشرت اليه ناحية البقع الزرق في عنقه .. حينها قال لي انه ” مجرد ورم بسيط ” واطلق قهقهة عالية ، وخاطبني وعيناه تتطلعان نحو تمثال الجواهري : صديقي أنا أعرف أن الأمر ميئوسا منه ، ولكن الحاح الاطباء وتطميناتهم هي من قادتني لاستطلع هذا المكان ، ولكن ربما سأكمل الجلسات العنقية في بلاد ” شامي كابور ” قريبا .. سرنا بهدوء هيمن علينا صمت أخرق ، لم أجد كلمة اقولها رغم فورة العواطف والحزن في اعماقي لكنه لم يتوقف عن اطلاق النكات والضحك على دموعي التي تكاد أن تتدفق ، كان صوته مبحوحا .. بعد ان شربنا الشاي في مقهى قريبة .. عانقته بحرارة ، وقبل ان تسقط دموعه التي كان يخفيها خلف سخرية غريبة من الحياة والموت ، حينها سقطت دموعي بغزارة ، ركبت السيارة وصورته لم تفارق خيالي …..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *