أحمد نورالدين رفاعي : الرسالة الرابعة

الرسالة الرابعة

حبيبتي الغالية؛
تحية طيبة يا أمي..
تحياتٌ طيبات تطيرُ إليكِ تحملها إليك الحمائمُ حيثُ تكوني وتُنَزَّل على روحكِ الطهور يوم الرحيل. أُهدي إليكِ ألفُ قُبلة على وجهك الندى البشور، وألف ألف سلام على قلبك الصبور، تحيةٌ تَكتسِبُ نورها مِنْ ضياءِ وجهكِ المُنير الذي يشعُ أنوارهُ وسط زحام الظلمات كفنارٍ مهيب يبث نوره ليلا معانق السماء وملامسًا النجوم.
أماهُ.. لَمْ أجد كفًا بَعدكِ تُطبطبُ علي صدري ككفيكِ. راحت الروح مني يوم أنتقلت إلى الجليل. والعامُ يجُرُ بذيلةِ عام أخر، وهذا عامنا الرابع الذي يمر على الرحيل، ونار الشوق تقتُلني ولا للنجاة منها سيبل. أريد أن أقول الكثير؛ ولكن هل يوجد كلام يليق بمكانك العظيم؟! فلو أردت أن أقول فبماذا أقول عنكِ، وفيكِ؟! وجفاف الكلمات فيَّ لا يستكين، وكأن لساني غير موجود. تعلمين يا أمي كمْ أنا خائبٌ فى التعبيرِ أمامك كَطفلٍ أُمِّيٍّ يجهل القراءة والكتابة، ولا يمكنه صياغة جملة واحدة صحيحية فى وجود حضرتك تذكرين يوم ألقيت عليك قصيدتي البلهاء فى تذبذب وأرتباك. وددت فى هذه الرسالة التعبير عن شيء يزلزلني بداخلي يصرع كياني، يُكسِّرُ أضلعي تكسرًا، يقتلني.. ويحييني قسرًا، وأنا لا أقدر فى رد أفاعيله عنيَّ. تذكرت جلساتنا بركنِ الصالة وأنا أهمس لكِ حكاياتي هَمْسًا؛ فقررت أن أحكي لكِ بعضها كما فعلنا كثيرًا؛ تلك أيامٌ لَنْ تمحى من الذاكرة مهما طالت بي الأزمان.
رأيت مثلا يا أمي من صنوف النساء أعدادًا كثيرة، و مهولة ؛ تخلو منهن صفات الأمومة، تكسو قلوبهن قساوة أهل عاد، وسوء طبعهن كأهل ثمود. خُيَّل إليهن أرتقائن فى الدرجات الوظيفية أنهن أصحاب فِكرات مُعتبرة وخارقة، وما هى إلا عبارة عن أفكار مهرطقة وخرقات مهلهلة وما يحشو رؤوسهن إلا الفلسفات الفاسدة عديمة النفع والفائدة شديدة الضرر كعلم زائف مغشوش رخيص لا قيم ولا قيمة له. تعلمين يا أمي لكم أحب النساء ولكم أهتم بهن وبحقوقهن، ولكن بات ذاك الصنف الجميل نادرًا ندرة الماء بالصحراء، وباتت الصحيحات منهن كعابرة سبيل وسط غرباء مع زيادة الصنف العليل بالبلاد توحشًا يبثون سموم أفكارهن ولا يبدو لكل هذا إنتهاء!.
صحيح يا أمي سافرت هذا العام مرتين لشمال البلاد، للإسكندرية، حقيقة هى “ماريا” كما يقول الناس وأهلها عنها، هى جميلةٌ حقًا كفتاة مرحة دائمة الحركة والنشاط لا يمكنكِ أن تشبعي منها أبدًا وجهها بشوش، وملمسها ناعم، وهواءها يملئه يود بحرها الأزرق البديع. هي حلوة جدًا لدرجة لا يمكن وصفها فى خطاب واحد. هى كماء بحرها المالح كلما لا يروي عطشانًا فلو شربت زادكِ عطشًا على عطشكِ. أعرف أنكِ تحبينها وكنت تشتاقين لرؤيتها والذهاب لها دومًا لذلك سأقص عليك نبئ كله منذ خروجي من بيتنا ببولاق حتى رجوعي له مرة أخرى.
وصلتُ لها وقلبي يتقافز من صدري كطفلٍ راح يبتاع حلوى لذيذة بمصروفه. سافرت برفقة صديقين أحبّاء قريبين مني، تعرفين أنتِ أحمد، أما عبده عرفته أثناء خدمتي العسكرية بعدما رحلت بمسكنك الجديد بقرب الرحمن وهما رجلان صالحان لا تقلقي. آه أريد أن أوكد لكِ أني لم أتهاون بتناول الغداء وتناولت أكلاً كثيرًا حتى بِتُ لا أستطع أن أتخذ شقهيا بسهولة وهذاعلى غير عادتي حيث كان الطعام شهيًا جدًا وكلفني كثير أيضًا.
سمِعنا نداء العصر فذهبنا مِنْ فورنا لمسجدٍ صغير بجوار محطة القطار وصلينا هناك العصر جماعة، جعلوني أمامًا عليهم رغمًا عني، فلكم أخشي أن أكون أمامًا كي فأنا لا أريد أن أحمل أوزارًا فوق أوزاري التى أهلكتني ولكن لا مفر. تحركنا من مكاننا بمحطة مصر بالإسكندرية ونزلنا بمنطقة كامب شيزار حيث كانت هذه المرة الأولى التى تطأ فيها قدميَّ هذا المكان فهو حي مليء بالحركة وشوارعه نظيفة واسعة نوعًا ما تتخلها نسائم باردة بديعة تنسي الرجل همومه.
تحركنا ثلاثتنا مشيًا على الأقدام من هناك حتى كورنيش الإبراهيمية وكان علينا عبور شارع الكورنيش السريع و السيارات فيه تجرى بسرعة كبيرة وكأنها لم يتبقي من الوقت إلا لحظات قليلة لدخول الجنة قبل أن توصد الأبواب فتتسارع فيما بينها للحاق بالحصول على صكوك الخلود فيها. عبرا الطريق وتركتهما وذهبت بمفردي نحو النفق الذي يبعد بمقدار ثلاثمئة مترًا مكان موضع جلوسهما. فقولت لهما: “أمشي سنة ولا أعدي قنا” عبرت النفق ورجعت وجلست بجوارهما. بدأنا نُرَوّح عن ذواتنا بكلام ملئ الصدر، وأخرجنا ما لم يمكننا إخراجه فى شوارع القاهرة الصاخبة، ومن خلال مجلسنا صرنا نراقب المارة ونرمق الفتيات ونخمن هذه سكندرية و هذه فلاحة ريفية، وتلك قاهرية وفى النهاية أجتمعنا على أن السكندريات هن أحلى ما رأينا. كانت شمس الأصيل تداعب وجه البحر الأزرق ملقيه عليه بظلالها الذهبية فأسرعنا بألتقات عددًا من الصور لابأس به، لكن؛ بعضهم لا يعجبوني يا أمي لأنني ظهرت فيهم أكثر نحافة عن ما مضى، غير ما أعتدتي أن تلقيني عليه.
قبيل أذان المغرب هاتفتني صديقتي السكندرية.. أخبرتها بموقعي وجاءت بشوشة المحُييا ذات بياض ناصع يملئ وجهها نورُ شمس صافية مشرقة فى وجه طفولي رقيق يغمره أبتسامات جميلة وضحكات بديعة، حقيقة كانت جميلة؛ مرتدية طرحة ناصعة الحمرة. فلا تصديقي يا أمي مقولة الناس الكاذبة عن السكندريين أنهم : “ماية مالحة ووشوش كالحة”. أرادت أن تضيفني فعرضت علي أشياءً كثيرة من مأكل ومشرب، وتسالي وغيره وأنا فى الحقيقة لم أكن أستطيع وضع ثمة شيء فى فمي فمنذ خرج القطار من القاهرة ولم يسكن فمي من طعن الطعام ورغم كل أعذاري لم ينتهي أصرارها وقالت: هذا لا يصح أنتَ فى أرضي فلا بد أن أضيفك بشيء ما. لم أجد بُدًا منها ولذلك أخترت مِنْ مَا عَرَضَتْ أهونه على معدتي وكان كوزًا صغيرًا من الذرة المشوية على الفحم. تمشينا ونحن نأكل الذرة بمحازاة البحر ورزازه رطب ملابسنا وغطى زجاجات عدستي النظارة، بعدها جلست بجواري على أحدى الصخور المقابلة للأمواج وتبادلنا أطراف الحديث لمواضيع شتى، وكان أحمد وعبده يتمشيان بالقرب مني على مرمى النظر وبلا شك هما لم ينتهيا من مراقبة الناس، خصوصًا تصنيف النساء من واحدة لأخرى.
أضنانا بالمساء البحث عن مكان جيد للمبيت حتى وجدناه وتهيئنا للنوم بعد الفجر مباشرة فى تلك الغرفة الصغيرة المطلة شرفتها على البحر مباشرة وعيوننا لا ترى لهذا البحر الأزرق الخلاب نهاية.

القاهرة
09/09/2019
أ.ن.ر

نبذة عن الكاتب:
أحمد نورالدين رفاعي؛ شاعر ومترجم مصري
البريد الإلكتروني: ahmednoureldeen1993@gmail.com

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| محمد الدرقاوي : من تكون  سناء ؟.

اللحظة  فقط يفتح عينيه  ، المرئيات من حوله غير ما ألفها قبل  ان تطويه غيبوبة …

| هند زيتوني :  شيءٌ  من الحب .

اعتراف يشبه القول: إنَّ القلب الذي لا يعرف الحُبّ، هو صندوقٌ خشبي أجوف. يعتريه وجع الفراغ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *