الرئيسية » نقد » ادب » أضواء على أدب ال facebook ألحلقة السابعة
سامي طه في (سلالة الأحزان)
براءة الطفولة … أم وعي النضوج
ليث الصندوق

أضواء على أدب ال facebook ألحلقة السابعة
سامي طه في (سلالة الأحزان)
براءة الطفولة … أم وعي النضوج
ليث الصندوق

أضواء على أدب ال facebook – ألحلقة السابعة
سامي طه في ( سلالة الأحزان )
براءة الطفولة … أم وعي النضوج
ليث الصندوق

سامي طه شاعر قبل كلّ شيء ، واعتزازاً منه بهذه الصفة حرص على تثبيتها في الفقرة الأولى من فقرات تعريفه لنفسه على صفحته العامة في ال facebook بينما عرّف نفسه ككاتب سابق في الصحافة ( أو كما يجوز لنا أن نفهم كناثر ) بعد ذلك التعريف مباشرة . وعدا صفحته العامة تلك هناك أخرى خاصة بأعماله الشعرية التي يغلب عليها طابع الشطرين .
لكن هذه القراءة تفارق مجال اعتزازه الأول ، وتختار له نصاً نثريا لا يقل شعرية عن الشعر إذ كثيراً ما يبدو وَكْدُ الشاعر فيه طاغياً على وَكد السارد من خلال طغيان خطاب القول على خطاب الأفعال ، أو بالأحرى طغيان بلاغة اللغة على بلاغة الأحداث . نُشر هذا العمل على حلقات ممتاليات ، ولمدة شهر كامل ، وهو سيرة ذاتية من واحد وثلاثين حلقة مرقمة ومعنونة بعناوين فرعية مستقلة يجمعها عنوان رأسي واحد هو ( سلالة الأحزان ) . وقد خُتم المقطع الأخير – الحادي والثلاثين منها بجملة ( تمت حلقات شهر تموز ) مما يلمح إلى عدم اكتمال العمل عند الحلقة الأخيرة تلك ، واحتمال أن تعقبه حلقات تالية .
هذه القراءة ستكتفي بحلقات شهر تموز عادّة إياها نصاً متكاملاً من الناحيتين البنائية والحكائية يغطي مرحلة زمنية محددة من عمر الشخصية المحورية وهي مرحلة الطفولة . وافتراض المدونة نصاً متكاملاً ضمن مستواها الزمني لا يمنع من إضافة حلقات من مستويات زمنية تالية إليها فيما بعد .
والشخصية المحورية في المدونة / الطفل لم يُشر إليها بإسم ، بل بدلالات وصفية أخرى كضمير المتكلم حيناً ، وكضمير الغائب حيناً آخر ، أو بدلالة الصفة / الطفل . وعبر عيني هذه الشخصية ووعيها واستجاباتها الحسية العفوية يتم تبئير العالم الصغير المحيط والذي يتوافق في الصغر والمحدودية مع عمر الشخصية وتجربتها ، ومع حركتها المحدودة . فعالم الطفل لم يتجاوز فضاء المكان / البيت والمحلة ، وفضاء العلاقات الناشئة ضمن حدود المكان / الأسرة القريبة جداً إليه ، والمتماسّة معه .
بدءاً من العنونة يتحدد إطار السرد ، وهو السلالة معرفة بالإضافة مما يعني أنّ الطفل – وهو الذي يُعنون ما دام هو الذي يروي حسب ما نفترض سواء بصوته ، أو بصوت راوٍ مستعار / ضمير الغائب – يعي أبعاد ومواصفات الإطار الذي يعيش ضمنه ، ويتحدث عنه ، فهو إطاره الحياتي أيضاً بأجياله الثلاثة : الأول : جيل الجدّ والجدّة ، والثاني : جيل الأب والأم والأعمام ، والثالث : جيله هو ، أي جيل الأحفاد ، يرافقه معه فيه تِربتاه بنتا جدّه من زواجه الثاني . ولكن هذا الإطار ليس ككل الأطر السلالية ، فهو يفرق عنها في وصمه بالحزن تحديداً ، وتلك السمة – التي عادة ما تجيء قرينة القسوة والاضطراب – تنقلها العنونة مباشرة إلى الخلاصة الإستهلالية ( ألحلقة – 1 – تساؤلات ) لتتأكد ، وتصبح حقيقة النص الأولى بدءاً من سطرها الأول ، وحتى الأخير :
– كم أشعر بالمرارة !
– ما كان خطئي فيه ليصبح خطيئة تجرّ سلسلة من خطايا ؟
– ترى هل كان وجودي ذنباً ندمت عليه الدنيا ؟
– هل كان أبي صدعاً ، أم كانت أمي زلزالاً ؟
و ال ( تساؤلات ) ، او الحلقة – 1 – هي – كما يفترض منطق القراءة – خلاصة منقولة على وفق ثلاث صيغ ، ومن ثلاثة مواقع ، فهي :
– منقولة سردياً من ختام النصّ الغائب والمفترض ( ما يتلو حلقات شهر تموز ) إلى بداية النص الحاضر ( ألمدونة ) ،
– ومنقولاً زمنياً من الطفولة إلى النضوج ،
– وتجريبياً من العفوية إلى الوعي .
فهي خلاصة لنتائج تجارب تتجاوز تجربة الطفل ووعيه ، إلى تجربة العمر بكامله ، والتي تؤكدها الجملة الختامية في نهاية الحلقة – 31 – والتي أشرنا إليها آنفاً . وقد صيغت التساؤلات بلغة أقرب إلى خطاب الزهد التقليدي الذي يبرم من الزمن ، ويضيق بالحياة ، ولا يرى من الإثنين سوى جانبيهما السلبيين . فهي ( أي التساؤلات ) إطار خطابيّ تلخيصي مجرّد من الحركة الزمنية ممثلة بأي نمط من الأفعال أو أي نمط من الأحداث مع التلميح فقط إلى نتائجها السلبية .
وبالرغم من تلك اللغة الخطابية إلا أن هذا الإستهلال التلميحي في الحلقة – 1 – ، وبالتعاضد مع البداية السردية في الحلقة – 2 – ( بيت الجد ) يرسمان معاً الملامح الأولى التعريفية للشخصيات ويحددان طبيعة العلاقات التي تحكمهم ، والفضاء المكاني الذي يتحركون فيه ، والبيئة الإجتماعية التي يتواصلون معها أخذاً وعطاء . وتلك المعطيات تشكل الموجهات التي تعين القاريء على تفهم دوافع سلوك الشخصيات التي قد تبدو أحياناً دوافع مبهمة ، وسلوكيات تتسم بقسوة غير منضبطة . وما توصيف الراوي للأب بالصدع ، وللأم بالزلزال إلا تجسيد لذلك الإبهام ، ولتلك القسوة ، بالرغم من أن ورود التوصيفين ضمن صيغة إستفهامية يبدو محاولة للتهوين من وطأتيهما . ومع ذلك فحتى هذا التأويل التهويني لا يُخفي حقيقة أنّ الإثنين ( الأب والأم ) كانا السبب في انقضاض أحجار الحياة على رأس الطفل ( هل كان أبي صدعاً ، أم كانت أمي زلزالاً وضعني أسفل وادي الحياة لتتراكم صخورها وأحجارها المنقضّة على رأسي . – 1 – تساؤلات ) . ومع ذلك فليس من العدل حصر توصيفات الخراب في الأبوين فحسب ، فالتمرّد أو اللامبالاة ( سمتان موروثتان من أب أبعد – زيجات مكررة – 3 – ) .
وبينما يتواصل السرد بضمير المتكلم في الحلقتين ( 1 – تساؤلات ) ، و ( 2 – بيت الجد ) ، يتحول بدءاً من الحلقة ( 3 – زيجات مكررة ) ، إلى ضمير الغائب ، لكن الصيغة الأخيرة لم تستقر إلى النهاية ، إذ عادت الصيغتان تتناوبان بشكل غير منتظم بدءاً من الحلقة ( 20 – تفاحة ) التي جاءت بضمير المتكلم ، ثمّ تعاقب هذا الضمير في الحلقات ( 22 ، 23 ، 27 ) بينما شذّت الحلقة ( 28 – ألبناء ) عن الصيغتين بتحول السرد إلى الجماعة ( جماعة المتكلمين ) . ولعل هذا التناوب في الصيغ هو محاولة لتنويع آليات السرد واستبدال الذات بالآخر ، مع بقاء إطار السيرة ( الشخصيات والعلاقات ) على حاله .
هذا التحول في الضمائر أوجب تحولاً مقابلاً في الأدوار ، إذ أنّ الراوي المشارك في الحلقات المخصصة لضمير المتكلم سيتحول إلى راوٍ مفارق في الحلقات المخصصة لضمير الغائب ، مع بقاء التبئير في الحالين للمروي عنه / الطفل .
هذا ، ويُلاحظ أن السيرة بضمير الغائب اتسمت بالنقد لشكل العلاقات الأسرية ، والتنقيب عن الثغرات التي تسببت بانحرافها نحو القطيعة كما في الحلقة ( 3 – زيجات مكررة ) :
– إذن فالعائلة مضطربة من أساسها
– والتمرّد ، أو اللامبالاة سمتان موروثتان من أب أبعد
– والزيجات القائمة على أساس القربى الشديدة سرعان ما وصلت إلى مضائق حرجة أفشلتها ، أو كادت
– ثمّ تلتها زيجات ثانية تقوم على وشائج قربى أبعد قليلاً للحدّ من إسراف بنات الأعمام في التمنع وقلة الإهتمام بالأزواج
– … محتملاً غلظة الإبن الأصغر وقلة مراعاة الإبن الأكبر
ولكن ضمير الغائب / الناقد الذي اقتصر في الحلقة – 3 – على نقد هفوات وأخطاء الفضاء الأسري القريب تجاوز هذا التحديد في الحلقات الأخرى إلى نقد الفضاء الأبعد ، فتناول كلاً من :
– النسوة المحتفلات بزواج الأم الثاني ( غير مباليات بالطفل الذي لا يزال في حاجة إلى حضن الأمومة الدافيء – 6 – حضن دافيء ) . وربما يكون لهذا الطابع النقدي العام تضمين لطابع نقدي خاص يشمل الأم حصراً التي تركت الطفل في بيت جده ، وذهبت لبيت الزوج الجديد .
– أطفال الكُتّاب الذين ( لم يخطر ببالهم السؤال عن معنى تلكم الكلمات الغريبة – 10 – أبجد هوّز ) . والتقطت عدسة الناقد أحد هؤلاء الأطفال الذي ( راح يؤلف أو يتغنى بكلمات منمقة تتحدث عن الكُبّة ، لكي يثير ضحك الآخرين – 10 – أبجد هوز ) .
– ألقنطرجي ، والنقد الموجه لهذا الرجل هو نقد مزدوج ، فهو موجه له من جهة ، وهو موجه للمتعاملين معه من جهة أخرى ، فوصم الأول باللعين ، ووصم المتعاملين معه بالمتهورين ، وهذا الخطاب النقدي هو تضمين منقول معنىً وليس نصاً عن العم الأصغر الذي هدد ( بما لا يسرّ أحداً إذا ما وقعت عيناه على ذلك القنطرجي اللعين الذي يسعى لاستغلال الخلافات العائلية لشراء البيوت من أصحابها المتهورين . – 13 – ألقنطرجي ) .
– ولم يسلم من النقد حتى الطفل / صاحب السيرة نفسه الذي لم يطق مكثاً لدى الملاية ( فضجّ بالبكاء ، ولم تنفع معه كل وسائل التسلية المتوفرة – 8 – الملاّية ) .
– وكما ضمّن الصوت الناقد الخطاب النقدي للعم الأصغر ، فهو يُضمّن أيضاً نقد البعض لأصحاب الكتاتيب في ( أنهم يعلمون الناس قراءة القرآن بالمقلوب – 10 – أبجد هوّز ) .
وربما يكون الدور الثاني للراوي ، أو دور الناقد هو السبب وراء الإنقلاب من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب ، ومن دور المشاركة ، إلى دور المفارقة ، فالفاصل ما بين الدورين يمنح الراوي مجالاً أوسع للرؤية المحايدة والموضوعية ، أكثر من الدور الأول الذي تضطر معه الشخصية المعرفة بالضمير ( أنا ) من الإقتران بالذات ، ومن ثَمّ الإنحياز لها ، ومحاباة القريبين إليها .
بدءاً من الحلقة – 4 – تتشكل الملامح الأولى لشخصبة البطل / الطفل في أعقاب حدث طاريء هو ركلة الأب التي دحرجته قريباً من سرير الوالدين ، بيد أن هذا الحدث الطاري كشف عن دوافع خفية للطفل سترافقه إلى مراحل متقدمة من حياته متمثلة بالعزلة التي سيفجّر سحرها فيه لاحقاً مواهبه ويُنضجها ( فراح يحبو مسرعاً تحت السرير ليتخذه ملاذاً من قسوة الأب في لحظة هيجانه . ألعجيب أنه لا يتذكر ألم الضربة بقدر ما يتذكر سحر العزلة التي منعت عنه المزيد من العنت والخوف . – 4 – بيت الأب ) ولعل الفعل المنفي ( لا يتذكر ) يشكل فاصلاً بين زمنين :
ألزمن الأول : زمن الحدث ، أو مرحلة الطفولة ، وهذا الزمن مقرون بإحساس الطفل بالألم جراء قساوة الأب ، ولكنه زمن تعرض للتآكل من ذاكرة الطفل ، وتسبب ذلك بالتبعية في شطب ما رافقه من إحساس بالألم . وقد تمّ هذا الحذف الثنائي بتأثير زمن آخر ، هو زمن الحكي ، أو زمن الكتابة ، وهو الزمن الثاني .
ألزمن الثاني : وهو زمن مزدوج ، فهو زمن الوعي من جهة ، وهو زمن النسيان من جهة أخرى . وهذا الزمن يبعد كثيراً عن عن الزمن الأول ، حيث بدأت الذاكرة باستدعاء الماضي ، وتفسيره . أو بالتحديد استدعاء ما تبقى في الذاكرة من حدث الركل ، بعد إلغاء أو شطب الإحساس بما رافق الحدث من ألم ، بل أن الذاكرة النساءة صارت تشك الطفل في صحة الحدث ( وكلما تذكر ذلك تساءل : هل هذا مما تحفظ الذاكرة أم هو مما صنعه الخيال – 4 – بيت الأب ) . وما تبقى في الذاكرة من هذا الحدث الطفيف هو إحساس عميق وملهم بسحر العزلة التي هي مدرسة الإبداع الأولى ، والتي سينخرط فيها الطفل ، ويُلقن فنون إبداعاته الأولى :
– تعلم المفاتيح الأولى للغة العربية متمثلة بحروف الهجاء والحركات والتهجّي وقراءة سور من القرآن ( – 9 – الكُتّاب ، – 10 – أبجد هوّز ) .
– الإلقاء ، أو إلقاء مقتطفات من أقوال الزعيم بتقليد طريقته الخاصة في الإلقاء ( – 15 – ألزعيم الأوحد والمقاومة الشعبية )
– ألقراءة بلا تلكؤ ، والكتابة بشيء من التلكؤ قبل سن المدرسة ( – 22 – البحث عن مدرسة ) .
– التخلي عن التهجي ، والقراءة من المصحف مباشرة منذ اليوم الدراسي الأول ( – 24 – سورة قاف )
وبالرغم من تراجع الزمن الأول إلى منطقة النسيان ، وحلول الزمن الثاني مع كِبَرِ الطفل ونضوجه . إلا أن الأم تأبى إبقاءه مستقراً وآمناً في منطقة النسيان ، فتعيده للوراء إلى آلامه المنسية عبر آلامها التي لا تُنسى ، أو بحسب تعبيره من خلال ( أحاديث الأم المتكررة عن آلامها ، أو عن عذابها مع أبيه – 4 – بيت الأب ) .
تنشطر العلاقات ما بين الطفل / الشخصية المحورية وما بين شخصيات السيرة الآخرين إلى شطرين بحسب أدوار تلك الشخصيات ، وطبيعة تكوينها السلوكي ، والمسافة الإجتماعية ما بينهم وبين الطفل ، وكالتالي :
ألشطر الأول : وعلاقة الشخصيات ضمن هذا الشطر تبدو منقطعة مع الطفل بحكم ما ينعكس عليها من علاقات التوتر والبرود فيما بينهم :
– ألأب القاسي مع الإبن وأمه طلق الأم وترك لديها الإبن .
– ألأم المطلقة تزوجت من رجل آخر ، فتركت الطفل لدى جدته وأعمامه ، وغادرت ( إلى بيتها القريب من بيت الجد – 8 – المُلاية ) ّ.
– ألجد عزله ولداه ، وضيقا عليه ( بمنحه غرفتين في آخر البيت – 3 – زيجات مكررة ) ، ثم أتمّ هو عزلته الخاصة عنهم برحيله وأسرته الثانية إلى مكان آخر في أطراف بغداد ، حيث ( سكن الجدّ في كوخ بُني من الطين وحصران القصب . – 12 – رحيل الجد ) .
– ألعم الأكبر ، لم يتوضح شكل علاقته بالطفل ، ولكن لا نجتريء على القراءة لو افترضنا أن علاقة هذا العم الباردة مع أبيه من جهة ، وانشغاله بكلل عينيه من جهة ثانية ، وانتماءَه ( لعائلة مضطربة من أساسها ، والتمرّد أو اللامبالاة سمة موروثة فيها – 3 زيجات مكررة ) من جهة ثالثة ، هي ثلاثة عوامل لا تدعم فكرة بناء أواصر علاقة متينة ما بينه وبين الطفل .
– بينما اتسمت علاقة العم الأصغر بالطفل بعدم الإستقرار والتأرجح ما بين اللين حيناً ، والقسوة حيناً آخر ( … وكان عمه الأصغر سرعان ما يكتشف ذلك ، فيثور ، ويهدد ، فلا يحميه من الغضب سوى أحضان جدته الحبيبة . لكنّ عمه سرعان ما يسامحه ، ويلاطفه . – 7 – العم الأصغر ) .
ألشطر الثاني : وتبدو العلاقة مع الطفل في هذا الشطر أكثر حميمية وتواصلاً ، ولعل من أسباب ذلك أن أطرافها الثلاثة هي الأضعف في معادلة القسوة العائلية ، وأن طرفين من أطرافها يدركان عفوياً أن مصدر قوتهما الوحيد هو في التفافهم حول الطرف الثالث باعتباره بؤرة إشعاع عاطفي تُفجر فيهم خزين عواطفهم الإنسانية الدفينة . وأنه لمن المفارقة أن تتمثل تلك البؤرة في العنصر الأضعف بين عناصر هذا الشطر وهو الطفل . أما طرفا هذا الشطر الآخران فهما كل من :
– ألجدّة . وتكشف الحلقة ( – 6 – حضن دافيء ) صورة مؤثرة للعلاقة ما بين الجدّة والحفيد بعد فقده لأبويه في حدثين متعاكسين : الأب بالطلاق ، والأم المطلقة بالزواج من رجل آخر .
– زوج العم الأصغر التي عوضت بحنانها الطفل عن قساوة عمه ، وأعادت العلاقة المتأرجحة بينهما إلى التوازن .
وفي مرحلة تالية شهدت خارطة علاقات الشطر الأول خلخلة نقلت بعض أطرافها إلى منطقة محاذية إلى حد ما مع علاقات الشطر الثاني :
– فالأم المطلقة والمتزوجة من رجل آخر عادت لترعى الطفل
– والعم الأكبر المشغول بكلل عينيه ، نزل عند نصيحة الأم ليفتح كُتاباً ، ويُعلم الطفل ضمن مجموعة أطفال الحي . ويبدو أن تتلمذ الطفل على عمه قد وثق رفقتهما ، وأعاد تركيب صيغة علاقة جديدة بين الإثنين ، فصار العم يصطحبه فيما بعد في جولاته .
– والجد تزوج من إمرأة أخرى ، وأنجب بنتين هما في عمر الطفل صارتا له بمثابة أختين أو صديقتين ، وهذه الرفقة الجديدة عوضته عن العلاقة الباردة مع الجد بعلاقة أكثر حميمية مع بنتيه الصغيرتين بالرغم من أنها لم تستمرّ طويلاً ، إذ سرعان ما غادر الجد مع زوجه الثانية وبنتيه للسكن بعيداً عن أسرته الأولى ليمثل بهذا الإنتقال المظهر المتقلب الثالث – لعلاقاته المتقلبة أصلاً – بعد المظهرين المتعاكسين المشار إليهما آنفاً ، وهما الإنعزال – من جهة – عن الأسرة في غرفتين بنهاية البيت ، وتواصله – من جهة أخرى – بالنيابة عبر بنتيه الصغيرتين مع الطفل .
وعلى عكس ما توحي به المواصفات الخارجية لشخصية العم الأكبر من سلبية وانغلاق جراء ضعف بصره ، إلا أنها من بين كل الشخصيات الأخرى هي الشخصية الأكثر فعالية ، والأكثر تقلباً وتطوراً ، فمن :
– دور العيي الأعمش الذي ( منعه ضرر عينيه من الزواج – 3 – زيجات متكررة ) .
– إلى دور صاحب الكُتّاب الذي ( يحصل منه على أجرة بسيطة وأجر عظيم – 9 – الكُتّاب ) ،
– إلى الأدرد الذي ( شكا من ألم رأسه ، فنصحه طبيب متهور بقلع أسنانه ( – 18 – عيناه ) .
– إلى المتصوف الذي ( راح يترنم بعد مدح النبي بذكر جده المتصوف المبارك الذي وقعت له كرامات يُشار إليها .- 18 – عيناه ) . ثمّ تطور هذا الدور ليصبح الرجل في مرحلة لاحقة شيخاً وصاحب طريقة ( وأصبح الجميع يدعونه شيخي أو عمي الشيخ – 21 – ألعم الشيخ ) .
– إلى راقص الساس الذي يؤدي الرقصة في المناسبات مصطحباً معه إليها إبن أخيه الطفل ( ويشتركان في أحيان كثيرة بهذه اللعبة أو سمها الرقصة إن شئت ، فيلقى كلاهما تشجيعاً واستحساناً – 19 لعبة الساس ) .
– إلى دور العاشق الذي يرود بيت حبيبته ليأكل التين الذي ( قطفته الشابة – تفاحة – التي كانت وعداً له بزواج – 20 – تفاحة ) .
– وأنهى أدواره سجيناً بقضية الشهادة بحسن النية وجهلاً بالقانون في قضية انتحال شخصية ( 30 – خال العم) .
هذا التقلب ما بين الأدوار ساهم في إنضاج الشخصية ، ومع نضوجها زاد اقترابها من الطفل أكثر وتعضدت أواصر الرفقة بينهما . وعلى عكس علاقة الإثنين التي بدأت فاترة ، ثم تقوّت وتماسكت فيما بعد ، إنحسر دور الأب وفترت العلاقة معه حتى أوشكت أن تنقطع تماماً ، وبانقطاع أو فتور العلاقة مع الشخصية المحورية / المبئّرة ، إنحسر ، أو كاد أثر الأب من السيرة ، أو من عشرين حلقة منها ، فقد غادر الأب في الحلقة – 4 – ، ثم عاد ليظهر فجأة ظهوراً خاطفاً وفاتراً في الحلقة – 25 – ، ولكن دوره في ظهوره الأخير كان نقيض دوره الأول قبل المغادرة :
– فقد تخلى عن قساوته الأولى تجاه الإبن ، وتمظهر بمظهر مهندم يشي عن رقة طارئة في الطباع .
– واستعاض عن التعامل بالضرب مع إبنه بنصائح عامة يمكن أن تُقال في مناسبة ، أو من دونها ، ألقاها عليه دفعة واحدة وعلى عجل في لقاء قصير لم يتكرر ( كن رجلاً ، كن مطيعاً ، كن متسامحاً ولا تكن حقوداً ، كن حريصاً على دروسك في المدرسة ، كن نظيفاً واغسل يديك وقدميك ، لا توسخ ثيابك باللعب في التراب … إلخ إلخ إلخ – 25 – زيارة الأب ) ومفردة الإختزال الأخيرة ( إلخ ) المكررة ثلاث مرات هي من أصل النص يلمح عبرها الراوي من طرف خفي إلى ما في تلك النصائح من عمومية وتكرار وتصنّع .
ومن طرائف الإستخدام اللغوي بطريقة شعرية في المدونة توظيف الأصوات في بناء الملفوظ ضمن علاقة شبه ما بين الدال والمدلول على خلاف العلاقة الرمزية الإعتباطية المفترضة ما بينهما ، فالراوي إذ يأتي على ذكر نهر الوشاش يطيب له أن يفكك الإسم ، أو يفكك صوته لغوياً ، فالنهر ( كانت مياهه المتدفقة عبر مجراه المنحني تصدر وشيشاً لا يفتر ) . ولا يكتفي بهذه الملاحظة الصورصوتية التي جاءت منها تسمية النهر ، بل يبحث لها عن مسوغ منطقي ( ربما بسبب بعض نبات البردي الذي يعترضها ) وبهذا التسويغ يُقارب ما بين أسم النهر / الدال ، وصوت جريانه / المدلول .
وحين ينعطف نهر الوشاش نحو نهر دجلة ( يبدأ صوته بالتحول من الوشيش إلى الخرير ) وفي هذا تخريج ذكي يلمح إلى الإسم الجديد للنهر في مجراه الأخير كما تعارف عليه البغداديون ، وهو ( نهر الخر ) . كما يلمح إلى الربط الجدلي ما بين المكان وبين الأشياء ، فأسماء الأشياء تتغير بتغير مواقعها ، وكأنها بذلك تصبح شيئاً آخر غير الذي كانته .
هذا وترسم السيرة صورة لانعكاس تأثيرات المشهد الوطني العام ، والعلاقات ما بين قواه السياسية الفاعلة على المشهد الخاص / الحي أو المحلة والعلاقات ما بين السكان . فالثورة الوليد التي تسببت في انقسام الرأي الوطني ما بين مؤيد ومعارض إنعكست على المحلة الصغيرة المتجانسة ، فانشطر أبناؤها بنفس المعيار السياسي ما بين مؤيد للثورة ، ومعارض لها ، وانعكست العلاقة المتأزمة ما بين المؤيدين والمعارضين في المشهد العام على سكان المحلة ، فتحولوا إلى جبهتين متخاصمتين تصفيان حساباتهما بالسحل والرجم . واستعير لأطراف هذا الإنشطار الفرعي الإنعكاسي نفس تسميات الإنشطار الوطني الأعم ، كما استعيرت مصطلحاته ، بل واستعيرت لغته التي أشاعها في الناس الإعلام ، ف ( ألعائلة مؤيدة للثورة وزعيمها ) وعلى الجدار ملصق ل ( مقتطفات من أقوال الزعيم ) ، وابن المحلة مجدي ( بعثي متآمر ) ، وابن العم ( عضو في المقاومة الشعبية ) ، وفي الشارع ( حفلة أو تظاهرة سحل ) .
ووسط هذه الفوضى الشاملة وجد الطفل فرصته ليُفجّر ثورة براءته ، ويُنصّب نفسه زعيماً أوحد على الطريق الخالي والمظلم مساءً ، فيقف أمام ملصق لمقتطفات من أقوال الزعيم مردداً كلماته بحماسة توهمه ( أن صوته يشبه صوت الزعيم – 15 – ألزعيم الأوحد والمقاومة الشعبية ) ، أو ربما يتوهم أنه هو الزعيم الأوحد ، وهو بالفعل زعيم أوحد في جمهورية طفولته .

– ملحق –
ألحلقات ( 1 – 31 ) من ( سلالة الأحزان )
ل ( سامي طه )

(1) تساؤلات
كم اشعر بالمرارة ! لماذا وقع كل ذلك ليكون كما وقع ؟ وما كان خطئي فيه ليصبح خطيئة تجر سلسلة من خطايا ؟ كصخرة تسقط من اعلى جبل هش مركب من نقائض صخور ، تنهار تباعاً .ترى هل كان وجودي ذنباً ندمت عليه الدنيا ، هل كان أبي صدعاً أم كانت امي زلزالاً وضعني اسفل وادي الحياة لتتراكم صخورها و احجارها المنقضة على رأسي …

_____________________________________________
( 2 ) بيت الجد
يقال أنني ولدت في بيت دافئ ، لكنه سرعان ما سقط بابه وانخلعت نافذته، ليغدو في مهب الريح ، أجد في ذلك القول صوتاً مبطناً يكتم رواية تمرد ، فكيف لموظف صغير جداً أن يهجر منزل الأب الاول الذي زوجه ابنة عمه اليتيمة ، أم أراد الأب الأول (الجد) الخلاص من ابنه وتصرفاته التي لا تخضع للحسبان ؟ ثم الخلاص تباعاً من بقية الابناء ، خصوصاً -وبعد سنوات – اصغرهم المشاكس الذي اقتطع لنفسه مع زوجه الفتيةجزءاً من بيت العائلة الذي زينت اوسطه اربع نخلات متقابلات تتدلى في الصيف رؤوسهن بأعذاق البلح الذهبية قبل أن تنضج رطباً ثم تجف تمرا ، بل تخلص الجد في النهاية حتى من ابنه الضرير وامه العجوز بعدما باع الدار وأرسل لابنه الاكبر الضرير رزمة من الدنانير درءاً للاقاويل ….

(3) زيجات مكررة
اذن فالعائلة مضطربة من اساسها ، والتمرد أو اللامبالاة سمة موروثة من أب ابعد ، والزيجات القائمة على اساس القربى الشديدة سرعان ما وصلت الى مضائق حرجة افشلتها ، او كادت ، ثم تلتها زيجات ثانية تقوم على وشائج قربى ابعد قليلاً للحد من اسراف بنات العمومة في التمنع وقلة الاهتمام بالازواج ، لكن الجد حفظ العهد فترة من الزمن بعد زيجته الثانية محتملاً غلظة الابن الاصغر وقلة مراعاة الابن الاكبر الذي منعه ضرر عينيه من الزواج ، وكلاهما لم يكتف بمشاركة ابيه السكن في بيته بل والتضييق عليه بمنحه غرفتين في آخر البيت . حتى اذا ما انهدمت وتمزقت اواصر بيت الأب الوليد ، عادت المطلقة اليتيمة الى بيت عمها لتتخذه ملاذا مع وليدها الذي لم يتجاوز الا سنة من العمر في حياته المضطربة شهدت بين امه وابيه مشادات صورتها له ذاكرته أو خياله ..

(4)بيت الاب
يذكر من بين تلك المشاهد التي حفظتها ذاكرته غرفة ، فيها سرير الزوجية التي جمعت امه واباه ،سرير مرتفع بأربعة ارجل طويلة من انابيب حديدية مزينة بتراكيب يستند عليها سطح السرير وتثبت عليها من اعلاها تللك الستارة المصنوعة من قماش خفيف والتي يسمونها (الكُلَّة) التي تنسدل محيطة بالسرير ، و يذكر في الغرفة ضوءاً لايتذكر مصدره ، ويذكر ركلة بقدم الاب على مؤخرته دحرجته قريباً من السرير فراح يحبو مسرعاً تحت السرير ليتخذه ملاذاً من قسوة الاب في لحظة هيجانه ، العجيب أنه لايتذكر الم الضربة بقدر ما يتذكر سحر العزلة التي منعت عنه المزيد من العنت والخوف .. ، الطفولة ربما تعجز عن الاحتفال بالجسد وآلامه بقدر ما تحتفل بالنوع الآخر من الالم الاعمق فتحتفظ ببذوره طويلاً عبر الزمن، وكلما تذكر ذلك تساءل : هل هذا مما تحفظه الذاكرة أم هو مما صنعه الخيال واستل خيوطه ( لينسجها ) من احاديث الأم المتكررة عن آلامها و عن عذابها مع ابيه ….

(5)الذاكرة
لاشك أن ذاكرته اختزنت بعض الصور وقامت بتعديلها فيما بعد بما ينسجم مع خطوط الاحداث ، كما لا شك أنها كانت تولد العديد منها من أحاديث امه وحكاياتها عن معاناتها الممتدة من يتمها حتى طلاقها ثم حتى زواجها الاخير ، تلك الحكايات والاحاديث التي كانت الام تحكيها لبعض النسوة كلما اجتمعن لغرض ما أو بلا غرض . كانت زوجة الجد اكثر تلك النسوة حضوراً ثم يستوي حضور نسوة اخريات بعضهن من الجوار ، أو من زوجات الاقارب ، يتذكر أيضاً (جدته الاخرى) وهي حماة امه من زواجها الاخير ، التي كثيراً ما كانت تجمع ما تيسر من الاطفال لتتسلى بأن تقص عليهم احدى قصصها الخيالية القديمة التي ربما استُمد بعضها من قصص الليالي الالف وسيرة بني هلال المشهورة ….

(6)حضن دافئ
سرعان ما قضي الامر وجيء للام المطلقة بعريس جديد من ذوي قرباها، وراحت النسوة يحتفلن بالعرس ، غير مباليات بالطفل الذي لا يزال في حاجة الى حضن الامومة الدافئ ، لكنه وجده في حضن امرأة اُخرى ، حضن الجدة الرؤوم ، التي ما زال يذكر ساعات بكائها من شفقة عليه ، يذكر أنه سألها مرة : لماذا تبكين يا جدتي وهل يؤلمك شيء أم تعبت من حملي فتجيبه بصدق تسبقها الدموع : انما ابكي لاجلك يا حبيبي ، فيمسح دمعتها وهو يقول لها : أنا بخير ياحبيبتي انظري اليَّ لا يؤلمني شيء ، فتغص بالمزيد من البكاء لبراءة الطفولة في ذلك الجواب وجهله ما ينتظره من آلام المستقبل …

7)العم الاصغر
يذكر أنه كان في بيت الجد الكبيرفسحة صغيرة من الارض في جانب منزوٍ اتخذها عمه الاصغر مزرعة صغيرة يبذر فيها بعض بذور الخضراوت ، وكان يستهويه منظر النبتات الصغيرة اليانعة لدرجة ان يحب امتلاكها فيقطف منها واحدة ليذهب بها فيغرسها في كومة تراب ثم يسقيها الماء على امل ان تصبح نبتته وحده، وكان عمه الاصغر سرعان ما يكتشف ذلك فيثور ويهدد فلا يحميه من ذلك الغضب سوى أحضان جدته الحبيبة ، لكن عمه سرعان ما يسامحه و يلاطفه ، وكانت زوج عمه تتمنى اتخاذه ولداً فكانت تدخله الحمام لتغسل جسده بالماء الدافئ والصابون ، ثم تطعمه مما صنعت يدها من طعام ….

8 الملاية
وانجب جده من زيجته الثانية ابنتين كانت الاولى تكبره بعام او اكثر قليلاً، بينما كانت الثانية في مثل عمره تقريباً ، كانتا له بمثابة الاختين أو الصديقتين . وأرادت امه أن تقدم له بعض الرعاية فكانت تأخذه الى بيتها القريب من بيت الجد أو تزور بيت الجد لتحظى ببركة عمها الذي لها بمثابة الاب وتحظى بصحبة زوجه الثانية وترى ابنها يدرج في ذلك البيت الواسع ، ثم خطر لها يوما أن تودعه الى امرأة تعلم الاطفال القرآن ، فلما تركته لديها بين البنات والصبيان الصغار وغادرت بيت المرأة ( كانوا يسمونها في بغداد : المُلّاية ) حتى ضج بالبكاء ولم تنفع معه كل وسائل التسلية المتوفرة من قطف ازهار شجرة الرمان الى الركض وراء الدجاج الذي تقوم المرأة بتربيته ، وكان من لطف الله بالصبي أن عادت امه لتطمئن عليه ، فأعادته المُـلاية اليها مع اعتذار ملح بعدم قدرتها على مراعاة هذا الطفل ….

(9) الكُتَّاب
وكان من اثر حرص الام على تعليم ولدها في تلك السن المبكرة أنها اقترحت على عمه الضرير أن يجمع ابناء العوائل الراغبة في تعليم ابنائها القرآن ليفتتح بهم كُتاباً يحصل منه على اجرة بسيطة واجر عظيم ، فلقي اقتراحها قبولاً ، وابتدأت دروس الكُتّاب وانتظمت حلقاته ، وتم شراء عدد من أجزاء (الف باء) التي تضم حروف الهجاء والحركات والتنوينات ثم الحروف الابجدية لتعليم الاطفال حروف الهجاء ثم الحركات ثم تهجي الكلمات الابجدية وقراءتها ثم قراءة السور القصار بطريقة التهجي . وبعد الالف باء والابجدية والتهجي هناك جزء (عمَّ) اشارة الى سورة (عمَّ يتساءلون) التي تدرس في نهاية الجزء ، حيث يبدأ الدرس من آخر السور في القرآن لأنها أقصر واسهل . وبعده جزء (تبارك) اشارة الى اسم السورة أيضاً ويدرس بمثل ترتيب الجزء السابق ، ثم جزء (قد سمع) وينطبق عليه نفس الكلام ، ثم جزء (الذاريات) الذي يدرس كمثل الاجزاء المذكورة . وشمل الكتاب ابناء وبنات اغلب الجيران ثم امتد الانتماء اليه ليشمل الحي بأكمله …..

(10)ابجد هوَّز
تعلم الطفل الحروف وحفظها ، ثم الحركات فضبطها ، فلما أتم ذلك جاءته جدته بالقلم تضعه بين اصابعه الصغيرة ليتقن امساكه لكن هيهات لتلك الاصابع أن تستطيع . ثم كانت أول دروس التهجي في اول الكلمات : أبجد ، هوَّز .. ، لتضج بها حلقة الصغار الذين لم يخطر ببالهم السؤال عن معنى تلكم الكلمات الغريبة ، واستمر الدرس ، فلما تم تهجي كلمات الابجدية توجب الانتقال الى اجزاء القرآن ابتداء بسورة الفاتحة ثم قصار السور من جزء ( عَمَّ ) وهو آخر أجزاء القرآن لكن قصر السور المتأخرة جعل كتاتيب ذلك الزمن يبدأون تعليمهم بها ، فكان البعض يعير اصحاب الكتاتيب بانهم يعلمون الناس قراءة القرآن بالمقلوب .
بدأ تهجي كلمة ( اَلْحَمْدُ ) على الطريقة التركية (دال بيش دو الحمدُ) وراح احد الاطفال يؤلف اويتغنى بكلمات منمقة تتحدث عن الكبة لكي يثير ضحك الآخرين لكنه سرعان ما واجه التحذير بأن ذلك فيه نوع من السخرية والاستهزاء فانحسرت بذلك موجة الترنم بتلك الكلمات باصوات الصغار المتعطشين للهو

(11) الوشاش
شهد الحي في تلك الايام توسعاً مهما قياساً على حجمه الاول فبنيت صفوف من البيوت في شوارع جديدة احاطت بالحي القديم ، ودفنت ساقية كبيرة شبه دارسة يتوهم احياناً انه سمع من يسميها بنهر عيسى ، كانت تسقي مزارع وبساتين تفصل بين الحي والنهر المسمى بـ (الوشاش) الذي كانت مياهه المتدافعة عبر مجراه المنحني تصدر وشيشاً لا يفتر ، ربما بسبب بعض نبات البردي الذي يعترضها . يذكر أن المزارع المحيطة بالحي كانت احيانا مسرحاً لنساء الحي وصبيانه وبناته للتنزه واجتناء بعض نبات البصل المتروك في الارض بعد الجني ، وربما كان ذلك فقط عندما بيعت الارض لتبنى عليها المساكن فتركها الزارعون ، وفصل شارع عريض تملأه الوحول في الشتاء بين بيت الجد وبين البيوت المقابلة في الجزء الجديد من الشارع ، كانت شوارع الحي جميعاً تمتد مستقيمة بلا عوج ،تصطف على جوانبها البيوت ، وتتجمع في اوسطها مياه الشتاء واوحاله فيما كانت النسوة يلجأن الى رش مياه البيوت على جوانب الطريق لتبالغ بعضهن في ذلك الى حد يخلق المشاكل بين الجيران …

(12) رحيل الجد
لم تسعفه الذاكرة بصورة أو حكاية عن سبب رحيل الجد وعائلته الصغرى المكونة من زوجه الثانية وابنتيه الصبيتين ، ولايتذكر يوم الرحيل ، بل لا يذكر غياب الطفلتين عن دروس القرآن في الكتّاب ، كل ما عرفه فيما بعد هو أن لجده شقيقاً يسكن في قرية بأطراف بغداد التي كانت تحدها الطرق المؤدية الى المحافظات التي كانت يومها توصف بأنها (ألوية) ، وكانت القرية تقع عند التقاء طريق ( لواء الرمادي أو لواء الدليم ) مع لواء (الحِلة) في طريق يعبر جسراً يسمى (جسر الخِر) الذي اقيم على منعطف نهر الوشاش نحو نهر دجلة حيث يبدأ صوته بالتحول من الوشيش الى الخرير ، هناك سكن الجد في كوخ بُني من الطين وحصران القصب ….

(13) القنطرجي
سمع عن مجيء رجل يدعى القنطرجي ووقوفه عند باب البيت متفحصاً البيت من جهاته ، ورد ذكره مراراً في حديث عمه الاكبر الضرير مع الجدة العجوز ذات العينين الزرقاوين والوشم الممتد ليرسم الحاجبين وهما يكتمان هواجسهما ، كما ورد ذكره في احاديث العم الاصغر وتهديداته بما لايسر احداً اذا وقعت عيناه على ذلك القنطرجي اللعين ، الذي يسعى لاستغلال الخلافات العائلية لشراء البيوت من اصحابها المتهورين وليبني محلها بيوتاً أوعمائر سيقوم ببيعها باثمان اكبر بكثير أو يؤجرها لمن يستطيع أن يدفع ايجار بيت ، أو ربما يبنيها على طريقة الخانات ليؤجر غرفها للعديد من المستأجرين الذين لديهم مورد شهري مضمون يدفعون منه ايجار تلك الغرف . ظل التذمر يسود الاحاديث يومها ، وتطرقت تلك الاحاديث الى موقف الجد متشككة في امكانية اقدامه على فعل ذلك ، ذلك الذي يعني بيع البيت وتشتيت شمل ابنائه وزوجه الكبرى . بعد أيام غاب التذمر والسخط عن الاحاديث ، لكن التوجس ظل يسكن القلوب ….

(14) الثورة
لم يعرف معنى لتلك الكلمة ، لكنه سمعها تُذكر .. ربما كان الحديث يدور بين العم الاصغر وزوجه الشابة التي كانت تشاركه الحماسة التي يبديها .. لم يسمع بحدث معين أو بتفاصيل مهمة غير خروج التظاهرات الكبيرة مؤيدة لهذا (الشيء) ، لكن كان الشيء الوحيد المثير في الامر انهم ذكروا أن أباه مشارك في تظاهرات التأييد ، ثم ذكرت أحاديث غامضة عن مقتل الملك وعن مقتل عبد الاله وسحل جثته في الشوارع ، ثم حرقها . يتذكر أن الاحاديث حول تلك الاشياء كانت صوراً يغطيها الغبار والدخان ويعتورها حزن غامض رغم الامل الذي كان يكمن فيما وراء الاحاديث ، كما كان هناك بعض التشفي حين يتحدثون عن نوري السعيد ومصيره الاسود كمصير الوصي ورائحة اللحم المحروق التي انتشرت في سماء بغداد وغطت احياءها .. كان يخرج الى الشارع فلا يرى الاحداث و لكن يسمع الكثير من الاحاديث التي لايمكن نسيانها…

(15) الزعيم الأوحد والمقاومة الشعبية
سرعان ما حفظ بعض الاناشيد والاهازيج التي تتغنى بالثورة وزعيمها ، وكثيراً ما كان يتوقف أمام ورقة ملصقة على جدار البيت المقابل تضمنت مقتطفات من اقوال الزعيم ، وكان يستغل فراغ الطريق في المساء ليقف أمامها فيلقي تلك الكلمات بحماسة تصور له أن صوته يشبه صوت الزعيم. وحدث ذات يوم أن فتى من اقاربه الذين يسكنون بالجوار وجده في المساء وهو يلقي تلك المقتطفات بلهجة الزعيم ، ويبدو أن الفتى كان من عائلة مؤيدة للثورة و زعيمها فاحتضن ابن عمه الطفل بفرح وزهو بهذه (الموهبة) . بعد ذلك عرف أن الفتى عضو في (المقاومة الشعبية) ذلك التنظيم شبه العسكري الذي يحمل بعض اعضائه السلاح ويرتدون ملابس شبيهة بملابس الجنود

16 /مجدي .. البعثي
حدثت في الشارع ضجة عصر احد الايام وسمعت هتافات حماسية بعضها بسقوط الزعيم واخرى بحياة الزعيم فتحت باب الدار من جهة منزل عمه الاصغر فخرج وتبعته زوج عمه ليشاهدوا (حفلة) أو تظاهرة سحل أحد الجيران الشباب في الشارع لأنه بعثي متآمر كما كان المصطلح الشائع ، وشاركت زوج عمه المتحمسة في رشق البعثي المتآمر بما تيسر في حوض الغسيل من مياه قذرة . استطاع مجدي أن يفلت يديه من الحبل فنهض على رجليه وركض باتجاه الشارع العريض وعندما وجد باب بيت الحاج معروف مفتوحا سارع بالدخول واغلاق الباب خلفه ليمنع على خصومه اللحاق به ، ولم يكتف بذلك بل صعد الى سطح الدار ليجد كمية من الطابوق استعمل بعضها في رجم خصومه الذين تجمعوا قرب الباب حتى افلح في تشتيتهم ، ثم ما لبث أن اختفى …

17 /عودة القنطرجي
مضىت أيام لايستطيع أن يحدد عددها قبل أن يُطرق الباب الكبير ، عندما خرج لينظر من بالباب وجد رجلاً يرتدي (الصاية والجاكيت) من قماش ذي لون بارد ربما الازرق الخفيف او الرمادي ، و يلفّ على رأسه (جراوية) كما اعتاد البغداديون القدامى ، لايذكر أكانت تلك الجراوية تشبه جراوية الحاج عبد المنعم الحلاق ( والمطهرجي وطبيب الاسنان في الوقت نفسه) الصفراء التي تلمع زخارفها التي بلون الذهب ، أم كانت من (اليشماغ) العادي الذي تحاك زخارفه من خيط اسود . امره الرجل أن ينادي احداً من اهله الكبار فجاء يدعو العم الاكبر … أفهم الرجل العم الاكبر أن الامر انتهى القول فيه ، فوالدك – قال له – قد باع البيت وقبض الثمن وتعهد بان يرسل لك فوراً مبلغاً من المال تفك به ضائقتك بعد ترك البيت ، وعليكم جميعاً أن تغادروا البيت خلال خمسة عشر يوماً كيلا ندعو الشرطة للتدخل ، لأننا سنقوم بهدم البيت . بقي العم حائراً بين قلق شديد يبديه وبين فرح ضئيل يزينه الامل يخفيه ، وحيرة وارتباك يخشى أن تطول عليه فتفسد الامور ، وانتشر خبر الانذار بالمغادرة بين الجميع …

(18) عيناه عيناه
لم يكن العم اعمى بمعنى الكلمة ، لم تكن عيناه مسمولتين أو مفقوأتين أو حتى ضامرتين ، لكن يبدو انهما تعرضتا لمرض من الامراض الشائعة في حينه أدى الى تلف العدستين بشكل كبير ظاهر بحيث أن الصور ترتسم فيهما كالظلال الشاحبة ، ذلك ما كان يذكره لمن يثق به وللمقربين أما الاباعد فيتركهم في ظنهم ودهشتهم حين يرونه يروح ويغدو كلما اقتضاه الحال ، أصابه ذلك المرض بعدما اكتمل شبابه النضر وراح يجيل عينيه الزرقاوين بين النساء الشابات بحثاً عمن تليق بزهو فتى مدلل . ثم لما اصيب بمرضه شكا من الم رأسه فنصحه طبيب متهور بقلع اسنانه لأنه ظن أن فيها سبب العلة ، لكن قلع الاسنان لم يؤد الى امر طيب بل كلما استجد أن الرجل اصبح ادرد يأكل بمضغ الطعام بالفكين اللذين لم يبق عليهما سن يطرق .. وهكذا ذهبت فرص زواجه الكبيرة فوجد ملاذه في التصوف ، وراح يترنم بعد مدح النبي بذكر جده المتصوف المبارك الذي وقعت له كرامات يشار اليها … في مجالس الذكر التي دأب على اقامتها حتى اصبح له صيت يتداوله كثيرون وامتد صيته الى أنحاء و اطراف مدينة بغداد ذات الصوبين : الكرخ والرصافة ….

(19) لعبة الساس
ومما دأب عليه أيضاً – للعجب – حضور دعوات الاعراس التي كان يقيمها اقاربه أو بعض معارفه ، ويبدو أن ضرر عينيه لم يكن إذ ذاك قد تفاقم ، حيث تقام الدبكات (الجوبية بجيم فارسية تشبه الشين) تتخللها جولات من لعبة (الساس) التي تنطوي على رقص تعبيري بالعصا أو في حالات نادرة بالسيف ، يقوم بها متباريان يحاول كل منهما أن يعبر بحركاته واشاراته عن معاني الفخر والفتوة والنشاط ، حتى اذا اشبعا المشاهدين تعبيراً تسارعت دقات الطبلتين الصغيرتين (النقارة) بصوتهما الذي يتميز بشيء من الحدة ، لينتقل الراقصان الى تبادل الحذروالتحذير بحركات العصا باليمين والترس المعدنية بالشمال واشارات التهديد و الوعيد قبل أن يبدأ بينهما اشتباك يتضمن الضرب على ترس الخصم بالعصا اكثر الاحيان ، و قليلاً ما يتضمن ضربة على الساق أو الجنب أو على الرأس لاكتشاف مهارة الخصم في الدفاع بالترس ، وقد تتلاحق ضربات احدهما على الآخر حتى تلجئه الى الهرب ضمن الحلقة الكبيرة التي يشكلها المدعوون أو اللوذ خلف فرقة الطبالين و (المزيقجي) الذي يعزف على المزمار معهما ، كل ذلك وسط ضحكات المدعوين وتشجيعهم الصاخب . ويجد المدعوون في كل ذلك تشويقاً وتسلية وترويحاً تبلغ الغاية ، فكان العم يصطحب ابن اخيه ويشتركان في احيان كثيرة بهذه اللعبة أو سمها الرقصة ان شئت فيلقى كلاهما تشجيعاً واستحسانا ….

(20) تفاحة
واذكر مرة أنه صحبني أيام طفولتي ومشى بي طويلاً في طريق بين بستانين حتى وصلنا بابا كبيراً وسط السور ، طرقه ففتحته عجوز رحبت بنا وقبلتني ثم اقتادتنا الى كوخ داخل البستان الى جانبه سقيفة من حصير قصب حيث وضعت بساطا اجلستنا عليه ، وسرعان ما جاءت بصحن فيه تين طري وضعت فوقه ماء بارداً من (الحِب) ، صحيح أن التين اكتسب برودة الماء لكنه فقد بسببه بعض حلاوته لكني رأيت عمي يمضغ بين فكيه حبات التين في تلذذ فهمت اسبابه فيما بعد ..لقد قطفته الشابة (تفاحة) ، التي كانت وعدا له بزواج يجمعه بانثى تسكن قلبه وبيته وتشاركه بعض هموم الحياة التي ادلهمت في وجهه ، وتخفف عنه شيئاً من قسوتها ….

(21) العم الشيخ
قبض المال الذي ارسله والده الذي نوى الحج بل سافر فعلاً لأدائه ،غير أن ذلك لم يشفع للحاج ولم يغتفر فعلته التي ظل يؤاخذ عليها في نظر الابن الاكبر وامه . ما لبث أن جاءه رجل يعرض عليه اقتراض المال مقابل السكن مجاناً في دار حديثة البناء مجانا حتى يحين موعد السداد ، ثم بعد شهر او اكثر من السكنى جاءه من يخبره بحرمة سكنه المجاني شرعاً ووجوب دفع ايجار مناسب للدار ، تم اتفاق ما ثم تم اخلاء الدار بعد حين . ووجد في البيت الواقع في الجهة المقابلة عبر (شارع المركز) غرفة استأجرها بمبلغ زهيد، مع امه العجوز وابن اخيه الطفل ، كانت صاحبة الدار عجوز من نساء عشيرته ، فرضيت منه بما بذل كما لم تمانع من انتقال حلقة الاطفال الى دارها . خلال ذلك دأب العم على اقامة مجالس (التهليلة) حيثما كان يسكن كل ليلة جمعة ، بعد صلاة العشاء غالباً ، وكثيراً ما كان يحضر تلك المجالس بعض المعاندين مطالبين بالمماحنة لبيان صحة معتقد العم وجماعته من الدراويش التي تقوم على التصوف وتتمثل بالاعتقاد بكرامات الشيوخ من المتصوفين وأنهم اولياء الله ، تحضرارواحهم مجالس الذكر والتهليل و لها قدرة التصرف بالاشياء اذا دعاها الاتباع الى مدهم بالعون المتمثل في برود النار والحديد الساخن والابراء الفوري وشفاء الجروح الناتجة عن الطعن بالخناجر و(التشييش) بالأسياخ الطويلة المدببة الرؤوس التي يسمونها (الدرابيش) حيث يصطحب كل درويش او تابع درباشته الصغيرة او الكبيرة بحسب مستواه في (الطريقة) ، وعندما تراد المماحنة ويأذن العم فسرعان ما تنتضى الثياب والقمصان وتعرى الاجساد الا من السراويلات الطويلة وتضرب الدفوف بحدة وتتصاعد الحماسة وتتعالى صيحات تطلب المدد من المشايخ الأجلاء ، ثم يؤتى بالدرابيش الممسوحة بما يزيل الصدأ لتغرز في الاجساد الشابة في جوانب البطون ، ثم يسار بها وهي ثابتة في بطون الاتباع ليراها كل من حضر ليتيقن بصحة الكرامة دليلاً على صحة الولاية . اصبح العم شيخ الطريقة التي ورثها عن جده المبارك واصبح الجميع يدعونه (شيخي) أو : عمِّي الشيخ ….

22 /البحث عن مدرسة
اقتنعت امي بضرورة ذهابي الى المدرسة بعد ان اصبحت قادراً على القراءة بلا تلكؤ ، والكتابة بشيء من التلكؤ ، وذلك عندما اقترب موعد التسجيل في المدارس للعام الدراسي القادم . قالت المديرة في المدرسة الاولى أن عمري ما زال صغيراً وأن مدرستها مخصصة للبنات وهذان سببان يمنعانها من تسجيلي لديها ، كما أن العام الدراسي الحالي لم ينته بعد حيث الامتحانات تجري على قدم و ساق . في المدرسة المخصصة للاولاد قال لها المدير باستهزاء أنه يدير مدرسة وليست حضانة اطفال ، وعندما حاججته قائلة (امتحنه لتعلم كم هو فصيح في القراءة) اجابها ( وهل تنفعه القراءة اذا سقط بين اقدام الصبيان الذين هم اكبر منه عند تدافعهم للخروج من المدرسة ؟) .
في نهاية الامر اقتادني عمي الى رجل من الأقارب يعمل في احدى مدارس الحي وكلفه بتسجيلي في المدرسة ، وبسبب تلك الوساطة لم يمانع المدير من تسجيلي ولم يدقق في (دفتر النفوس) الخاص بي لتدقيق عمري المسجل فيه . انتظمت مع مجموعة من الصغار المسجلين من ابناء الحي وكان كثير منهم مثلي في العمر تنقصهم اشهر عدة ليتحقق فيهم شرط عمر التسجيل ، لكني كنت الوحيد بينهم القادر على القراءة كما يبدو . اوقفونا في صفوف وقرأوا اسماءنا ثم ارسلنا المدير – بعد تهديدنا بالحبس اذا عدنا اليه – بصحبة احد الناس الى مدرسة اخرى في طرف الحي وجدناها لم تكتمل ، وكان علينا أن نعود أدراجنا الى البيوت في انتظار اكتمالها بعد عدة ايام ….

)23 / المدرسة
في المرة التالية كانت بعض صفوف المدرسة جاهزة وكان عمال تلطخت ثيابهم بمسحوق ابيض يعملون على اكمال الصفوف الاخيرة في طرف المدرسة حاملين أواني كبيرة يملأونها بالماء ثم يذرون فوقه حفنات من المسحوق الابيض من كومة كبيرة على الارض لينقلوه بعد ذلك داخل تلك الصفوف الى (الاسطوات) الذين يتناولونه بعد خلطه جيدا ليلطخوه على الحيطان ثم يسوونه بأداة تسمى (المالج) فيكسب الحيطان بياضه الناصع بعد جفافه، وقفنا في صفوف وانتقل بعضنا الى صفوف اخرى بحسب الاسماء التي قرأها المدير بصوت مسموع ، ثم دل كل مجموعة على الغرفة التي ستخصص لهم لغرض الدرس . ثم تبرع لنا بعطلة تمتد أياماً لينتظم بعدها دوامنا . عدنا فرحين نشعر بالتعب لبعد المسافة بين بيوتنا وبيت المدرسة لكن بيت الام كان ينتصف المسافة وكان كوب الحليب الذي تخفق لي فيه بيضة نيئة يمثل رفاهية متناهية ومصدراً سحرياً للطاقة والعافية والشعور بالرضا .

)24 سورة قاف
مع انتظام الدوام وعند الرجوع من اليوم الدراسي الاول تناول الطفل المصحف للمرة الاولى مزهواً ليبدأ درسه في سورة قاف من المصحف مباشرة بعدما كان يأخذ الدرس في الاجزاء الاربعة المتفرقة سابقاً ، متخلياً عن التهجي بعدما اكتسب القدرة على القراءة كلياً باستثناء القليل من الكلمات غير المعهودة اللفظ لديه التي واجهته فيما بعد في ثنايا السور المتتالية التي راحت تزداد طولاً كلما قارب الوصول الى حيث ينبغي ان تبدأ قراءة القرآن من أوله حيث اطول السور فيه . بل انه اصبح الآن يقدم العون في تعليم الاطفال الجدد حروف الهجاء والحركات و تهجي الكلمات وقراءة السور من كافة الاجزاء الاربعة المتفرقة المستلة من آخر القرآن الكريم . وشهدت الامسيات نشاطاً من نوع آخر فقد اصطحبه عمه مرة الى (بغداد) وهي كلمة يراد بها مركز بغداد ، وعبرا معا (الجسر العتيق) وانعطفا الى سوق السراي حيث اعتاد عمه ان يشتري اجزاء القرآن لاجل الصغار ، وخطر للعم أن يسأل عن كتاب يتضمن قصص الانبياء فحصل على نسخة تضم في الهامش قصصاً عن الأولياء وكراماتهم . اصبح الكتاب وسيلة تسلية العائلة في الامسيات اضافة الى المذياع الذي يقدم برامج قصصية ، ثم شملت السهرة كل امسية مجموعة الساكنين في الدار خصوصاً بعد أن جاء العم لاحقاً بكتاب يضم قصص الف ليلة وليلة الشهيرة .

25 / زيارة الاب
طرق الباب ذات يوم وجاء من يخبره أن أباه يقف بالباب وأن عليه أن يخرج للقائه ، فهرع الطفل وهو يكاد يرقص فرحاً ليشاهد أباه ويتعرف على صورته . وجد عند الباب رجلاً جميلاً نظيف الشعر – افندياً – يرتدي قميصا ابيض ناصعاً وربطة عنق وحذاءً لامعاً و حلة جديدة من قماش له لون الخشب المائل للحمرة لذلك ظل ذلك اللون ماثلاً في ذاكرته كلون مثالي للملابس الانيقة حتى بلغ نحو الاربعين من عمره . شاركت الجدة في استقبال ولدها ولكن العم لم يكن موجوداً . فضل الاب أن يصطحب ابنه لبعض الوقت فذهب معه يتمشيان في الشارع الوحيد المبلط في الحي ، سمع من الاب عدة وصايا ، كن رجلاً ، كن مطيعاً ، كن متسامحاً ولا تكن حقوداً ، كن حريصاً على دروسك في المدرسة ، كن نظيفاً واغسل يديك واقدامك ، لاتوسخ ثيابك باللعب بالتراب .. الخ الخ الخ . في النهاية ذهب الاب وترك التساؤلات تدور في رأس صغيره : لماذا يتركني أبي مع جدتي وعمي ؟ أليس المفروض ان يكون الابناء مع آبائهم كما هو حال الجميع ؟ هل يعتقد أن الجدة ستحزن اذا اخذه معه ؟ ربما ، ولكن ما يمنع الجدة من مرافقته أو زيارته بين الحين والآخر فيما لوذهب ؟. على كل حال لم يكن يشعر بحاجة ملحة لذلك حتى ذلك الحين لكن هذا الشعور سيبدأ بالنمو شيئاً فشيئاً في اعماق الطفل …

)26 ارض العم
بعد بحث متواصل ومحاولات عدة نجح العم الشيخ في الحصول على قطعة ارض اشتراها بما ارسله له والده الحاج من المال مضافاً اليه ما جاد به اخوته الثلاثة وحصل على وثيقة سوداء تحمل اسمه ورقم قطعة الارض هي وثيقة تملكه الارض صادرة من مديرية العقارات ، وفي أيام لاهبة ومتربة جاء موظف هندسي ليحدد للمشتري حدود قطعة الارض . تم استخدام مسحوق الجص الابيض فيما بعد لرسم خطوط تصل بين الاوتاد الاربعة في الاركان الاربعة لتبين حدود الارض . وبعد مشاورات مع الجدة وشقيقها تم رسم دائرة في منتصف الارض ليبدأ الحفر من اجل بئر يستخرج منه الماء ، ظهر الماء مجا في المحاولة الاولى فجرى طمر البئر الاولى وتم حفر بئر ثانية . كان الماء عذباً هذه المرة . وسرعان ما جيء بحصران القصب لبناء كوخ ليكون نواة للدار الجديدة . سرعان ما بدأت ابنية البيوت تتعالى بيتاً بعد بيت وامتدت انابيب المياه تحت الارض واسلاك الكهرباء على مساند لها في اعالي جدران البيوت واسفل الشرفات ….

27 /السِّكَلَّة *
ناداني العم الشيخ وطلب مني مرافقته الى صاحب (السكلَّة) ، وهي تسمية تطلق على ساحة في طرف الجزء الجديد من الحي تباع فيها المواد التي تستعمل في البناء من طابوق أو (جص) أو اسمنت .. صاحبها رجل متوسط العمر مربوع البنية يلبس دشداشة بلون داكن ، اسمه حمزة . بعد السلام قال له العم : كم سعر اللوري (الدبل) من الطابوق؟ أجابه حمزة بأن السعر احد عشر ديناراً . فقال له العم : شوف حمزة ، اريد منك واحداً بالدين على شروط : يكون الطابوق من افضل نوع اولاً، ويكون العدد ثلاثة آلاف كاملة بلا نقص ، وأسدد لك المبلغ عندما يتيسر فلا تطالبني ولاتعترض علي طريقاً ولا تطرق علي بابا ، أو اذهب لاشتريه من غيرك . اجاب الرجل بأنه حاضر للخدمة وموافق على الشروط . في اليوم التالي وقف اللوري قرب الكوخ وقفز منه عمال يستفسرون عن صحة العنوان ثم بدأ بعضهم يناول الطابوق الى البعض الآخر على الارض ليقوموا بصف الطابوق على شكل مكعب بحيث يمكن حساب العدد الكلي وعندما اكملوا تفريغ الطابوق على الارض طلب منا العم أن نقوم بحساب الطابوق من جهتين للصف الواحد ثم حسبنا عدد الصفوف فكان العدد مطابقاً و زيادة …
• تحريف عامي لكلمة سقالة وهي الهيكل الخشبي أو الحديدي المرتفع و يستخدم في اعمال البناء والتشييد .

)28 البناء
كان علينا ونحن مجموعة من الصبيان أن نقوم بحفر اسس البيت بعد أن تم رسمها من قبل الاسطة المختص بالبناء وبمعونة العم الاصغر ، وكانت المهمة الاولى تقضي بقيام جدار يحيط بالعرصة فيحفظ الدار . وبدأت المعاول بالحفر وهي تتناوب صعودا ونزولاً و تتناقل بين الايدي كلما انتابنا التعب ، وشارك من الاقارب بعضهم بالعمل في الحفر أو بالاشراف على استقامته وعمقه واستوائه . حين اكتمل الحفر تم رصف ارضه بالطابوق المكسر وغمر بالماء ثم جيء بمدكة ثقيلة لضمان دك ارضية الاساس وتمتينها . وهكذا بدأ العمل في بناء الدار الجديدة ….

)29 احتفال الختمة
جرى الاحتفال بمسيرة مهيبة قام بها صبيان الكتاب في شوارع الحي وهم يهللون ويكبرون ، يتقدمهم البطل في ثوبه الابيض والطاقية البيضاء على رأسه يزفونه كأنهم في احتفال عرس ، ورافقت الجدة مسيرة (الزفة) لتنثر قطع الملبس فوق رأسه بين الحين والآخر وهو يطرق الى الارض في حياء يخالطه الزهو . كانت المناسبة أنه اكمل ختمة القرآن الاولى واصبح بذلك مجيداً للقراءة تمام الاجادة بل امتلك ايضاً القدرة على تعليم اقرانه حتى يكونوا في مثل مستواه في التمكن من القراءة أو اقل قليلا . صادفه العديد من اصحابه في المدرسة الذين راقبوا الاحتفال – كما فعل اكثر الناس – في شيء من الفضول يخالطه شيء من الحسد وكثير من الدهشة . اختتمت المسيرة بالعودة الى الكتاب حيث انطلقت ابتداءً وبدأ الاطفال دروسهم من جديد وكل منهم يتخيل لنفسه احتفالا شبيها باحتفال اليوم .

30 / خال العم
كان للعم الشيخ خال وحيد ، ناله الكبر والهزال ، وظهر عليه الصمم فلم يعد يصلح لهمل سوى العبادة فاذا قضى صلاة جلس على مصلاته يسبح ويذكر حتى يغلبه النعاس فينام جالساً . تزوج ابنه البكر واستقل عن عائلة ابيه الذ تزوج امرأة وخطب اختها لابنه الثاني فزوجه اياها وظلا يعشان سويا في بيت واحد . امتلك داراً لفترة من الزمن ثم قرر أن يبيعها ، ذهب مع المشتري وبصم بابهامه على معاملة البيع معتبراً انه قد اتم البيع أو ركنه الاساس ، فلما طُلب منه القدوم مرة اخرى للاقرار بالبيع ارسل ابنه لاتمام ذلك فقام الابن بالتوقيع بقلمه وكان الامر بشهادة اثنين كما يقتضي النظام ، وحين اكتشف احد المدققين التوقيع مقابل بصمة الابهام احال الامر الى القضاء فصدر الحكم المخفف بحبس من قام بالتوقيع ومن شهد عليه سنتين ، وكان العم الشيخ احد الشاهدين امتثالاً لأمر الخال الطاعن في السن ، وكان مبرر الحكم أن ماتم هو انتحال شخصية الاب بحسن نية وان الجهل بالقانون لايعفي من العقوبة . وهكذا فوجئ الجميع بذهاب العم الشيخ الى السجن فكان ذلك حزناً يضاف لاحزان الجدة العجوز التي اعتبرت ذلك ظلما من الدنيا وابتلاء من الله ليختبر صبرها ، ولأن المسجون يحتاج الى من يزوره ويسد بعض مصاريفه فقد وجدت نفسها مضطرة الى العمل فماذا يمكنها أن تعمل ؟ لم يكن في الحي احد يصنع التنانير للخبز فقررت أن تقوم بذلك و نجحت ، وهي التي تصنع تنورها بنفسها عندما يتحطم القديم . كذلك نجحت في ادارة الكُتاب الذي كانت اجور الاطفال فيه تسد جانبا مهما من نفقات البيت البسيط ، وعندما طلب اليها ابناؤها ترك عمل التنانير ردت عليهم بأنفة انها لن تكون في حاجة الى ما تتصدق به عليها ازواجهم بل ستأكل من عرق جبينها …

(31) الغرفة الاولى
قرر العم الاصغر أن يبني غرفة له في الدار ليكون بجانب امه في محنتها المتمثلة بسجن ابنها الاكبر . واستطاع أن يقود حملة عمل عائلي شاركت فيها زوجه وابن اخيه وبعض صبية الكتاب متطوعين ، وبرهن العم الاصغر على قدرته على انجاز ما قرر ، فاكتمل بناء الغرفة وتسقيفها و تبييض جدرانها وفرش ارضيتها بالبلاط المربع المسمى (الكاشي) ، كانت النتائج طيبة الى درجة اسعدت زوجة العم . كان العم موظفا صغيرا في دائرة حكومية ، وعادت فوائد وجوده هو وزوجه في البيت على الجدة وحفيدها ، لتتمثل مرة بتقديم بعض الطعام ومرة ببناء حمام صغير بعد ان كان الاستحمام يجري في الكوخ باستخدام (طشت) واسع ، وعندما بني السلم بالطابوق والجص وحديدة (الشيلمان) خصصت المساحة التي تحته لبناء المرحاض وقدام بابه بُنِي حوض لجمع مياه الغسيل القذرة انتصب اعلاه صنبور المياه الذي درج البغداديون على تسميته بالحنفية . أما البئر التي زودت الدار بالمياه لفترة فقد تم تحويلها الى بالوعة للمياه القذرة .
تمت حلقات شهر تموز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *