الرئيسية » نقد » ادب » شكيب كاظم : (مواقف وآراء نقدية) لأحمد خطاب عمر .. هل كان للعرب شعر ملحمي؟

شكيب كاظم : (مواقف وآراء نقدية) لأحمد خطاب عمر .. هل كان للعرب شعر ملحمي؟

(مواقف وآراء نقدية) لأحمد خطاب عمر
هل كان للعرب شعر ملحمي؟
شكيب كاظم

حفلت كلية آداب الجامعة المستنصرية، قسمها المسائي، في النصف الأول من العقد السبعيني، بمجموعة من الأساتيذ كلهم كبير ورائع في علمه وتخصصه وإخلاصه منهم الدكاترة: عناد غزوان، ورشيد عبد الرحمن العبيدي، وجلال الخياط، وعلي عباس علوان، وحسام سعيد النعيمي، وهاشم التكريتي، وصلاح خالص، وعلي جواد الطاهر، ورزوق فرج رزوق، وعبد الباقي الشواي، وعلي الزبيدي، وعبد الحسين الفتلي، ويحيى الجبوري، والأستاذ إبراهيم الوائلي، والأستاذ سعيد عبد الكريم سعودي، كما احتجنت الكلية وتحديدا، قسم اللغة العربية، عددا من الطلاب أضحى لهم شأن أي شأن في دنيا الكتابة والبحث والإبداع منهم الدكاترة: علي جعفر العلاق، وعلي الياسري، وفاضل عواد، ومهدي صالح سلطان الشمري، والشعراء : حسام عبد علي، ومحمد حسن الوادي، وعبدالحسين المطلبي، والأستاذ أحمد خطاب عمر.
لقد عرفت الأستاذ أحمد خطاب عمر؛ وهو غير الدكتور بالاسم ذاته الأستاذ بجامعة صلاح الدين، شاعرا من شعراء الكلية، مشاركا دائما في مهرجاناتها الشعرية إلى جانب حسام عبد علي، ومحمد حسن الوادي، ويحيى صاحب السماوي، الذي لم أره منذ أن تخرجنا في الكلية سنة 1975، عدا مقابلة إذاعية سمعتها، أجرتها معه إحدى إذاعات المعارضة العراقية في العقد التسعيني الفارط.
ولقد تابعت كتابات الأستاذ أحمد اللغوية والنحوية، التي كان ينشرها في حقله الأسبوعي الموسوم (من أزاهير الفصحى) في جريدة (الثورة) وقد احتفظت بالعديد من مواد هذا الحقل في ضمن أوراقي وقصاصاتي، وواصل كتابة هذا الحقل منذ 22/ من أيلول/ سبتمبر 1991 وحتى 7/ نيسان/ أبريل 2003، ولقد حثثته مرارا على جمعها ونشرها بكتاب، ولكن بين السين والسوف، مضت الأيام، التي طوحت بيننا، لكن تناهى إلى سمعي أنه قد طبعه، ولكن. وتأسيا بما قام به الفاضلان الدكتور ناهي إبراهيم العبيدي، والدكتور حسن مصطاف فرحان، من اهتمام بالحقل اللغوي النحوي، الذي كتبه أستاذي الفاضل إبراهيم الوائلي ( 1332- 1914/الجمعة 28 من شعبان/1408ه-15/ من نيسان/1988) تحت عنوان ( من اغلاط المثقفين) فنشرا هذه الفصول التسعين، وقد والى نشرها منذ يوم السبت 9من اب/1986 وحتى يوم السبت 30 من تموز 1988.اصدرت دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد الكتاب سنة 2000.
سنة 2005اصدر الأستاذ أحمد خطاب عمر (1942-2013) كتابه (مواقف وآراء نقدية) وهو ثاني إصداراته بعد مجموعته الشعرية الأولى التي أصدرها سنة 1990، واحتوى الكتاب هذا خمس دراسات تراثية وأدبية، نشرت في سنوات سابقة، في مجلات (الكتاب) التي كان يصدرها اتحاد المؤلفين والكتاب العراقيين، يوم كان يقف على رئاسته الأديب الشاعر والمحقق التراثي الضليع هلال ناجي، و( المورد) التراثية الفصلية، و( الطليعة الأدبية).
اهتم الأستاذ أحمد خطاب عمر بالمنجز الشعري الثر، لشاعر العراق والعرب الأكبر محمد مهدي الجواهري، ولاغرو في هذا، فشعر الجواهري الكبير يفرض نفسه على متذوقي الشعر الرقيق الرصين، والأدب عالي المستوى، ولقد لمست اهتمام الباحث أحمد من خلال الدراستين اللتين خص بهما منجز الجواهري الشعري، اذ درس في الأولى أثر الشعر عامة على خطاب الجواهري الشعري، سماها( معان سبق إليها الجواهري) وفي الثانية التي درس فيها الأثر القرآني في أدب الجواهري، فالجواهري حفظ الكثير من آيات القرآن وسوره، فضلا عن مقاطع من ( نهج البلاغة) ونصوص من أبي علي القالي ، وقصائد المتنبي.
كان هذا زاده اليومي، لذا كان تأثير القرآن الكريم عليه واضحا ومؤثرا، هو الذي حباه الله بذاكرة وقادة، وقد ظلت ذاكرته متوقدة متوهجة، على الرغم من سنوات عمره التي قاربت القرن زمانا، وقد لمست ذلك من خلال تعليقاته الذكية على ما يقرأه على مسامعه من كتب، ختنه صباح المندلاوي، أيام إقامته في دمشق أخريات عمره.
قال الباحث أحمد خطاب عمر عن بيت الجواهري الكبير.
سبحان ربك رب المرء يخلقه
صلصالة وهو من نار ومن شرر
إشارة إلى قوله تعالى:( هو الذي خلقكم من طين) سورة الأنعام ( 17).
وارى لو أشار الباحث إلى قوله تعالى في سورة الحجر:( ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون)(26) و( إني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون )(28).و(قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من حمأ مسنون).( 33). أو ما جاء في الآية الرابعة عشرة من سورة ( الرحمن).(٥٥).(خلق الإنسان من صلصال كالفخار).
في الفصل الخامس الموسوم ب(الشاعر الجاهلي والملحمة الشعرية) من كتابه هذا موضوع بحثنا، يناقش الكاتب أحمد خطاب عمر، رأي أستاذنا الشاعر الناقد المصري الدكتور كمال نشأة، الذي درسنا النقد الأدبي، بشأن خلو التراث الشعري العربي من الشعر الملحمي، وعزاه أستاذنا الدكتور كمال نشأة، إلى أن بيئة الشاعر العربي الواضحة البسيطة لا تنتج شعرا ملحميا، فالملحمة كما يرى أستاذنا، بناء شعري ضخم بحاجة إلى مادة من الأساطير كثيفة، كانت متاحة للشاعر اليوناني (..)ما أظن أن الشاعر العربي يعرفها وهو في حياته البسيطة، في صحرائه الممتدة الخالية من إثارات الخيال، ولقد ناقش الباحث أحمد أستاذه وأستاذي طويلا بشأن هذه الفقرة، عادا أن الحياة العربية مؤهلة لإنتاج الملحمة، لكنه لم يطلعنا على أي أثر من آثار الشعر الملحمي، معللا ذلك بضياع الشعر الملحمي المروي مشافهة قائلا:”” فإما أن يكون الشعراء العرب قد عرفوا الشعر الملحمي وكتبوا الملحمة الشعرية، ولكن لصعوبة أن تحافظ الملحمة على شكلها خاصة إذا ما كان النقل مشافهة ولأجيال فلم تصل إلينا منها إلا أجزاء متفرقة (..) أما الاحتمال الآخر، وهو متصل بما قلناه في الاحتمال الأول عن المشافهة في نقل الشعر، حيث لم تتوفر كل الأفكار والوقائع التي قيلت عبر الأجيال التي تناقلتها” .تراجع ص111ص114.
أقول أن لو كانت القضية مرتبطة بالحافظة، فلماذا وصل إلينا هذا الكم الوفير من الشعر الغنائي، ولم يصل إلينا غيره؟! إننا إذا ارتبنا بالحافظة التي أضاعت الشعر الملحمي، فيجب أن نرتاب ونشك بالحافظة التي روت لنا هذا الشعر الغنائي، وهذا يوقعنا في الشرك الذي نصبه لنا بعض الغلاة من المستشرقين وعلى رأسهم دافيد صمويل مركليوث ( 1858-1940) الذي ينسف الشعر الجاهلي نسفا متعسفا، لكن قراءة لكتابات المستشرق الألماني ارش بروينلش (1892-1945) في بحثه الموسوم (في مسألة صحة الشعر الجاهلي) فضلا عن بحوث مواطنه تيودور نيلدكة(1836-1931) وغيرهما من المستشرقين الألمان فتجد العلمية والنصفة وهذا ما لمسته من خلال قراءتي للكتاب المهم،( دراسات المستشرقين) للشاهق عبد الرحمن بدوي (ت2002).
الغلاة الذين عدوا شعرنا الجاهلي منتحلا كله أو جله وهو نتاج الرواة المتأخرين كابي عمرو بن العلاء (ت154) وحماد الراوية (155) وخلف الأحمر، والمفضل الضبي صاحب (المفضليات)(187) و.و. فالذاكرة العربية الحافظة، التي حفظت لنا القرآن في القلوب والصدور حتى يوم البدء بالتدوين على عهد الخليفة الراشد الثالث، لماذا لم تحفظ لنا شيئا من الشعر الملحمي؟!
كأني بالباحث أحمد خطاب عمر، قد نسي سببا يعزز رأيه القائل بوجود شعر ملحمي لدينا، إضافة إلى السببين اللذين ذكرهما في بحثه، إن الدين الجديد الذي ألقى بظلاله على مجتمع الجزيرة العربية قد جَبّ ما قبله، وجاء بمنهج شامل للحياة جديد، والغى الكثير من علاقات الحياة الماضية، ولعل الرواة؛ رواة الشعر قد تحرجوا من روايته- على افتراض وجود شعر ملحمي لدى عرب الجزيرة- لغلبة الأساطير عليه، والحديث عن الأوثان والآلهة، والإسلام دين توحيد يدعو إلى اله واحد، مما يختلف اختلافا جذريا مع توجهات الملحمة الشعرية متعددة الآلهة.
أرى، أن عدم وجود شعر ملحمي في التراث الشعري العربي، كما لدى الإغريق في الياذة شاعرهم الأعمى هوميروس، أو انيادة فرجيل لا يقدح في الذائقة العربية وعقلها الإبداعي، فلكل شأنه ومجاله، والحياة الصحراوية البسيطة، والشمس الساطعة والأفق الممتد حتى منتهاه، لا يبعث على شعر ملحمي يحيا في تضاريس معقدة، وسماء ملبدة، وغابات كثيفة ممتدة.
يكفينا فخرا ما أنجزناه وما أبدعناه من شعر غنائي يمثل حياة العرب في صحاريهم أحسن تمثيل، فلكل أمة شأنها وقدرها، وكل خلق لما يسر له.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *