زيد الحلي : عبد الله البردوني: حوار من الذاكرة علي ورق عتيق

لا ضير من ألاعتراف بأنني توجهت الي لقاء الشاعراليماني عبد الله البردوني دون إيمان مني بمكانتة بل أستجابة لرجاء من مشرف الصفحة الثقافية لصحيفة ” الثورة ” السيد عبد الامير معلة حيث حملني أمانة اللقاء به وأجراء حوار معه علي هامش زيارتي الصحفية الي جمهورية اليمن منتصف سبعينيات القرن المنصرم..
لم أكن يومها أطلعت علي منجزه الشعري مثلما لم أكن أعرف شيئاً عنه إلاّ من خلال ما تنشره هذه الصحيفة او تلك من أخبار بسيطة عنه وعن مشاركته في مهرجان المربد.. والرجل عند ذاك لم يصدر له سوي ثلاثة دواوين لم تحظي بتغطية مناسبة هي (ارض بلقيس) و(في طريق الفجر) و(لعيني ام بلقيس)..
وبينما انا جالس في صالون فندق (المخا) وكان في وقتها (أفخم) فنادق صنعاء، وهو في الواقع من فنادق الدرجة الرابعة او دونها في أعراف التقييمات الفندقية، زارني الصديق الصحفي ” عبد الرزاق فرفور” رئيس تحرير مجلة (أضواء اليمن) فعرضتُ عليه رغبة صحيفتي باجراء حوار مع البردوني.. ولم يخف صديقي تأييده للفكرة مؤكدا ان زيارة البردوني مهمة جداً.. وسارع الي جهاز الهاتف في الفندق ليتصل بالشاعر، ليعود قائلاً ان موعد اللقاء سيكون غداً مساء في بيت الشاعر.. وقبل الموعد المحدد كنت مع زميلي المصور فريد شمعون في منطقة سوق (الملح) أشهرأسواق وأحياء صنعاء ندلف هذا الرواق الضيق سائلين عن بيت الشاعر الكبير، وذاك الأضيق في جولة لولبية وسط عمارة يمانية تفوح منها رائحة التاريخ وتساؤلات ظلت بلا جواب عن كيفية أدخال أثاث البيوت الي السكان من خلال هذه الازقة الضيقة للحد الذي لايمكن لدراجة هوائية ان تمرق فيها..
وصلنا بيت البردوني… كان في أستقبالنا شاب يماني بلباسه التقليدي، ومن بعيد سمعتُ صوت البردوني وهو يردد قبل ان نصل الي حيث يجلس : أهلاً بأبن العراق، قامة الشعر والشعراء.. وفي ضوء هذا الاستقبال الجميل، الصادق، شعرتُ كما انا علي خطأ في عدم وضع زيارة البردوني في منهاج مهمتي الصحفية , وشكرتُ في سري من ألحّ عليّ للقاء هذا الرجل ضرير العين وبصيرالآفق، الذي يحفل تاريخه الشعري بكل ماهو عميق وبالسواد الظاهري والضوء الداخلي والدهشة في مكامن الرؤي وخلجاتها داخل ظلام العين وأشراقة النفس .
مكتبة البردوني، هي محل نومه ومحل أستقبال زواره ومريدي ومحبي شعره وفيها استقبلنا.. وجدته رجلاً متصوفاً في محراب الكلمة، مقرمش الوجه بسبب الجدري، .. وأتصوره عندما يَقدم علي كتابة الشعر يقف كما قال (بابلو نيرودا) كالصياد الصابرعلي شاطيء البحر، باحثاُ عن الكلمة المناسبة، يستدرجها ويحاورها ويتذوقها ويصهرها بحرارة فؤاده ليقدمها للناس ملآي بالحياة..
لقاء يتيم..! هذا اللقاء، لم يُكتب له النشر، فظل حبيس أوراقي.. ولذلك حكاية.. ماهي ؟ بعد عودتي من مهمتي الصحفية التي أستغرقت شهراً ونيف وشملت اليمن ومصر ولبنان، وجدتُ ان الاديب عبد الامير معلة رئيس القسم الثقافي في الصحيفة، نُقل الي موقع آخر، فأصبح مديراً عاماً لدائرة السينما والمسرح، وحل بدله الزميل عالدل عبد الجبار، الذي يبدو إنه لم يكن علي علم بما كلفني به معلة، مما جعلني في حل من التزامي تجاه موضوع الشاعر البردوني، فاعطيت لنفسي فرصة في التريث في الكتابة وهذا التريث تحول الي خدر، أمتد لشهر ثم سنة وعقد فعقود من السنين، حتي أصبح سجين أوراق، تقصفت جوانبها ومالت للأصفرار بفعل الزمن..
والان بعد قرابة الاربعة عقود وبعد ان رحل البردوني الي دنيا الخلود، زارني خاطره فعزمت علي قراءة ما حوته أوراقي وما عليها من خربشات وملاحظات عن البردوني الشاعر والانسان، وزامنتُ تلك القراءة بأطلاع علي أهداءات الشاعر ليّ من دواوينه فأشركتها مع تلك الأوراق في قراءة متأنية، فخلصت الي قناعة، شبيهة باليقين، انني امام شاعر لم يأخذ مساحته في أفق الشعر العربي، لكني أشير الي جزئية جديرة بالتنويه قبل دخولي الي مملكة البردوني، وهي ان الرجل يمثل ظاهرة عجيبة في حاسة السمع والتشخيص وقدرة أعجب علي حفظ ما مرت عليه من أحداث وشخصيات، و شهدتُ تلك القدرة شخصياُ، إذ تصادف ان كنت في صالة مطار تونس الدولي وسط تسعينيات القرن المنصرم، حين كان البردوني في الصالة ذاتها كمسافر ترانزيت، منتظراً اقلاع الطائرة التي تقله للجهة التي يروم الوصول اليها، فتقدمتُ منه ومددتُ يدي لمصافحته مرددا : كيف حال شاعرنا حبيب بلقيس ؟ فأسمعني أسمي في الحال وسط عجبي وذهولي، شاكراً قدومي للسلام عليه، وتجاذبنا اطراف الحديث وسألني بلهفة محب عن بغداد والعراق وأخبار الحصار وعن اصدقائه الشعراء وانداحت ذاكرته بالاسترسال الي ايام مهرجان المربد المنعقد في العام 1971 وكان احد المشاركين فيه الي جانب الجواهري ونزار قباني ومحمود درويش وعبد الوهاب البياتي ولميعة عباس عمارة وغيرهم وعن مهرجان ابي تمام الذي انعقد علي هامش المربد في مدينة الموصل وكيف اعتذر الجواهري عن القاء قصيدة الافتتاح تكريماً للبردوني وطلب ان يُفتتح المهرجان بقصيدة له (البردوني) وفاض في الحديث عن قصيدة (ابو تمام وعروبة اليوم) التي افتتح بها المهرجان المذكور، وتذكر انه عند الانتهاء من ألقاء القصيدة، دعاه وزير الثقافة والاعلام السيد شفيق الكمالي الي الجلوس الي جانبه والي يساره كان الجواهري الخ.. لقد هالني سماع اسمي منه، وانا البعيد عن زمن اول وأخر لقاء معه بعشرين عاماً او أكثر.. ذاكرة تفوق المخيّلة !
عدتُ الي أسئلتي التي حاورت فيها البردوني وحاكمتها بعقلية اليوم، فوجدتُ انها تضطرب بين الشدة والهدوء وبين التكلف والجد، وكان ينبغي ان تكون أعمق وأشمل لكني في تلك السنين كنت مزهوا بأعتداد الشباب وغروره، وأنفي شامخ ومستعل بأمري، ولم أدرك ان الشباب دين تسدّده الشيخوخة مع الربا، إلا بعد فوات الآوان.. والآن وبعد ان نفض الشيب عليّ غباره وألبسني شعاره، أحس بأن الواجب كان يحتم قبل ان التقي جبلاً مثل البردوني ان أتزود بأسئلة أكثرعمقاً وأكثر موضوعية، لأخرج بما وراء ذات هذا الشاعربعيداً في عمق الحياة التي حرمته نورها ووهبته أسرار!!
وفي ما بين سطور ما اطلعت عليه من افكار البردوني أثناء اللقاء، وجدتُ انه يري ان الاصالة ليست في الارتباط بالماضي.. انما هي وعي بالواقع واتحاد به والاصالة عنده رؤية صائبة للواقع بأعتباره من مراحل التاريخ .
والاشعار التي أنشدها اماني، لاسيما الغزلية وجدتها تطير كما تطير العصافير فوق اشجار حديقة كبيرة، فتنتقل من غصن الي اخر، دون ان يقيد أجنحتها قيد او يعوق حركتها عائق… أنه يحسن رسم الصور وابتكارها وهو مولع كثيراً بالإيحاء والرمزية وتشخيص التجريدات فللفجر شفاه وللمروج صدور وللربي أجفان وللربيع قلب..الخ
عن قراءاته، قال في لقاء صحفي : انه كان يقرأ (يستمع) في الخمسينيات ثماني ساعات من التاسعة إلي الواحدة ظهراً وبعدها من الخامسة إلي الثامنة أو التاسعة.
وفي أوقات أقرأ أقلّ، أما أكثر فلا، وفي أوقات لا أقرأ أي شيء، أستمع إلي الراديو أو استرجع ما قرأت وأرتّب ذهني علي اشياء أنوي أنجازها.. والقراءة عنده هي الثقافة بمعناها العام وهي حصيلة جهاد الانسان في حياة مترجمة الي افكار وأفعال وآثار، ولها عنده معني خاصاً في البناء الروحي للأنسان وفي اجابته آنفة الذكر، نعرف امتلاك الشاعرللتفكير العلمي العميق والواقعي، ما يجعل من قصيدته مقدمة تعقبها نتيجة وبشعره تمتزج الحقيقة بالخيال اي بالعقل والعاطفة..
العمي مفاتح البصيرة!
أصاب البردوني العمي وهو صغير وهو يقول عن ذلك (في السنة الخامسة أو السادسة من عمري أصابني العمي، وكانت بدايته أن عميت عينٌ نهائياً، وعينٌ بقي فيها شيء يعرف البصيص، فمثلاً إذا صحوت من النوم ورأيت دخول الضوء أعرف أن الصبح قد أطلّ، وأري إذا وجد في المكان سراج، وبعد فترة أصابتني ضربة شمس وصداع فانطفأ ذلك البصيص) غير انني وجتُ البردوني وهو في عتمة فقدان البصر، شغل نفسه من خلال ذلك السراج البسيط، بالشمس والقمر والنجوم السابحة في ألوان يتخيلها وقاده ذلك الانشغال الي رحلة ابداعية، عقلية، في التعرض لقضايا أستأثرت بتفكير الانسان.. رحلة هي بمثابة تأملات صوفية شديدة المعاني.. انه يحاول تغيير وعيه الذاتي الي تعبير موضوعي من خلال أبنية نفسية وعقلية لمتخيل مبنٍ علي رؤية بصرية علقت به منذ الطفولة.. وبذلك التخيل يخلق معني لحياة أخري يجسد فيها معني الحياة الواقعية .
وانني اتساءل : كم من الشعرا والادباء قرأوا، أوسع مما قرأ البردوني، لكن لم يكن لمعظمهم شخصية مؤثرة مثله، تتوفر علي ذكاء متوقد وبصيرة نافذة وتوليد للأفكار والمعاني . ان إجادة البردوني للغة العربية جعلته يعمق لروح الألفاظ والعبارات وما تشير اليه من ايحاءات وظلال وصور، فجعلت أشعاره نموذجاً للابداع الشعري.. ففيها نري جزالة اللفظ ومتانة العبارة والمعاني ما ينم عن بئر شعرية لا تجف..
لقد رأيت في البردوني، الوداعة مثل الحمل والتواضع مثل بنفسجة.. انه طاهر الضميرويمقت الابهة ويعشق البساطة في جميع مظاهرها.. وامتاز شعره بالروح العالية والخيال المصقول لكن الذاتية تبدو قوية في شعره وليس في ذلك برأيي مثلبة .
وعندما أعود بمخيلتي الي أجواء ذلك اللقاء المفعم بأجواء شبيهة بما كنت قرأته عن شعراء السلف من العرب الأقدمين، أشعر انني عشتُ تاريخاً يعود الي عصر المتنبي، فأنا امام شاعر ضرير، غير أنه يري أكثر مما يري المبصرون، يجلس مثلما كان الأقدمون يجلسون علي أرض تفترشها أغطية بسيطة ووسائد أبسط، لم يميز البردوني عن الشعراء العرب القدامي في معيشته، إلا وجود جهاز هاتف تعود صناعته الي بداية القرن العشرين… شاعر ثوري عنيف في ثورته، جريء في مواجهته.. كانت تجربته الإبداعية كبيرة ومثيرة.. شخصية تلتقي عندها عبقرية الماضي وملامح الحاضر وأحلام المستقبل، وهو خير من مثل خصائص شعر اليمن الموغل في عمق الاصالة، ولن انس جملة قالها لي وهو يحدثني عن الرعاية المُبالغ فيها للشعراء عن طريق الأغداق عليهم بالمال والجاه من قبل بعض الحكام بهدف المديح (ان كثرة الرعاية وكثرة المال والهبات تقتل الثقافة والشعر) وهي جملة أستغربت مضمونها، بل أستهجنته في وقتها، ويبدو انه عرف بأحساسه العجيب ما أعتمل بيّ من أستغراب لسماعي تلك الجملة فأردف بالقول موضحاً (ألا تري ان كثرة الماء للزهور، تخنق وتميت) وصدق البردوني في قوله، فكم من أديب وشاعر أعرف، كان مشروعاً للإبداع عمته كثرة الهبات، فبات متسولا بدل ان يكون مبدعاً، وغرق في الخنوع، فأصبح من فصيلة الاشباه التي تتوالد.. والغريب ان هذه الاشباه لا تموت وهي ما زالت طافية علي سطح الحياة حتي اليوم.. مع الاسف ! وللبردوني، حديث بهذا الاتجاه قال فيه انه (معادي من أكثر من رئيس حكومة لأنني لم أمدح، وقد دعوني المرة الأولي فسافرت، ودعوني المرة الثانية فسافرت، فقالوا : لتقابل الرئيس (فلان) والشيخ (فلان) فقلت : والله أنا مواطن.. أصغر مواطن من اليمن، ومن مدينة أفلاطون فمالي صفة تتيح لي المقابلة، فهي لا تدلّ إلاّ علي الاستجداء, وأنا ما جئت مستجدياً بل ملبياً دعوة) فأين من ينتظر دعوة الاستجداء من هذه الدولة او تلك تحت مسميات فضفاضة من قول البردوني ؟
كتب شاعر اليمن أكثر من خمسين مقالة تتحدث عن سيرته، لكنه يعترف ان العرب ليس لهم تجربة في كتابة السيرة كما لهم تجربة في كتابة الرسالة وتأليف التاريخ وكتابة المقامة، وقد ابتدع العرب فنّ المقامة، أما السيَر فاقتصرت علي الأبطال في الماضي : سيرة سيف بن ذي يزن، سيرة عنترة، سيرة الأميرة ذات الهمّة، وهذه السير في الحقيقة لها أشكال شتي جميلة من الرواية، ولكن ليس لها كل شروط الرواية المعاصرة. فمثلاً محمد شكري كتب روايتين رائعتين : (الخبز الحافي) و (الصعاليك) الأولي من أجود الروايات عن حياة البيوت الفقيرة، والثانية أرّخ فيها للشعب النائم في الأرصفة.. وفي الحقيقة هناك أشياء في السيرة الذاتية لا حاجة إليها مثل اعترافات روسو وروايات فرنسوا ساغان، وأنا أظن بأنني كتبت سيرتي علي طريقة طه حسين في (الأيام).. ان البردوني في ضوء ما أختزنته ذاكرتي : عقل يحمل كل الذكاء وقلب كبير لا يكره وأعصاب هادئة، جابه بها أضخم الرزايا، ولم تفارق البسمة شفاهه التي أكلها مرض الجدري، وربما واجه الموت يوم 30 اغسطس 1999 مبتسماً..
رحم الله البردوني وشكراً للصدفة التي أدت بيّ الي تصفح دفتر مذكرات تلك الزيارة الذي نام عندي سنين… طوال! /

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فازع دراوشة : “واستقبل الكاتبُ مندوبٌ” .

قد يكون هذا العنوان من أغرب  العناوين التي اخترتها لكتابة من كتاباتي. الجمعة، الأول من …

| عبدالكريم ابراهيم : الألعاب الشعبية تودع ذاكرة الأطفال .

تعزز الألعاب الجماعية مفهوم الوحدة والتماسك، وتزرع روح التعاون بين الأطفال فضلا على تنشيط الجهاز …

تعليق واحد

  1. الكاتب العراقي زيد الحلي اعتمد على حوار أجراه الكاتب اليمني علي المقري مع البردوني ونشر في مجلة العربي في زاوية وجها لوجه العدد 504 – نوفمبر2000 فأخذ منه المعلومات وأقوال البردوني بدون أن يشير للمصدر وأوهم القارئ إنه أورد المعلومات من مقابلته للبردوني، فلا يكفي أن يستقبله البردوني ويتصور معه لينسب لنفسه جهد الآخرين وهنا رابط للحوار لتتأكدوا مما أقوله
    http://www.nu5ba.net/vb/showthread.php?t=5291&page=1

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.