الرئيسية » ملفات » علي الشوك: “المسيح خارج الكتاب المقدس”(*)
سأواصل محاولاتي في الوصول الى حقيقة مريم المجدلية (ملف/7)

علي الشوك: “المسيح خارج الكتاب المقدس”(*)
سأواصل محاولاتي في الوصول الى حقيقة مريم المجدلية (ملف/7)

علي الشوك: “المسيح خارج الكتاب المقدس”(*)
سأواصل محاولاتي في الوصول الى حقيقة مريم المجدلية

(*) المحاولة الأولى

ستكون غابرييل مقتربي الى كازنتزاكيس، لأنها تجيد اليونانية. وسيكون كازنتزاكيس مقتربي الى مريم المجدلية، لأنه كتب “الاغواء الأخير للمسيح”. كنت أعرفغابرييل قبل مريم المجدلية. تعرفت إليها في عام 1983. أما مريم المجدلية، فقد تعرفت اليها بعد ذلك بسنوات.

أين شاهدنا – انا وأياها- “الاغواء الأخير للمسيح”؟ في اليونان، أم في بلجيكا؟ الذاكرة بدأت تخذلني. شاهدنا الفيلم الذي أخرجه سكورسيزي عن كتاب “الاغواء الأخير” لكزانتزاكيس، ربما في بلجيكا. وغمرتني السعادة عندما شاهدت المسيح يمارس عمل الحب مع مريم. أعجبني جداً كازنتزاكيس. الآخرون يستطيعون أن يكتبوا ما لا يُكتب. أما نحن فلا نستطيع ذلك. لقد كتبوا عن المسيح ما لا يكتب. وكان كل ما كتب عنه جميلاً، حتى الجارح منه. وكان من بين أوقح وأجمل ما كتب عن المسيح كتاب “الاغواء الاخير للمسيح” لنيكوس كازانتزاكيس. بأية وقاحة كتبه كازانتزاكيس، لكن بأي حب أيضاً. إنه يتحدث عن المسيح كأكثر الناس سذاجة وحماقة. ويتحدث عن حوارييه كأوغاد. نحن لا نجرؤ أن نفعل ذلك. لكن الكتاب يشدك إليه كثيراً، ويجعلك تشعر ان الكاتب إله، يستطيع ان يكتب ما يشاء. دون ان يتوقع ملامة.

يومذاك قطعنا جزيرة كريت من أولها الى آخرها. كنا نريد أن نختار أجمل مكان فيها. ووقع اختيارنا على (أيام ارينا). وفي تلك الأيام فكرت في كتابة رواية، أول رواية لي، الاوبرا والكلب. ودخلت جزيرة كريت في هذه الرواية، مع فيينا، والرباط. لكنني كنت أريد ان أزور بيت كازانتزاكيس.

قالت لي غابرييل “لكنه في أواسط الجزيرة”.

“حاولي، لأجل مريم المجدلية”.

كانت سيارتها صغيرة وعتيقة. وكنا في عز الحر. لكن غابرييل لم ترفض لي طلباً.

لم تكن المغامرة مريحة. كنا نتصبب عرقاً، لأن السيارة كانت تخلو من مبردة. ولم يكن الطريق قصيراً.
عندما وصلنا البلدة، التي لم أعد أذكر اسمها، وجدنا مطعماً صغيراً على الشارع العام. ركنا سيارتنا امامه ودخلناه. لم يكن فيه أحد سوى صاحبه وابنته الصغيرة (في نحو السادسة من عمرها). كانت القائمة متواضعة، فنحن في مجاهل كريت، ولا أحد يقصد هذه البلدة في هذا الحر الخانق سوى “مخبولين” مثلنا. بادرنا صاحب المطعم بأنه يستطيع أن يقلي لنا لحماً، مع سلطة. كان ذلك شيئاً معقولاً. ثم بدأت روائح القلي تستفز معدتينا. وبدأت أسمع أنيناً من الصبية الصغيرة، وتضرعاً. أنا لا أفهم اليونانية. لكنني شعرت أن الرائحة بدأت تثير شهية الصبية. هل نطلب لها صحناً، سألت غابرييل. قالت لا تحاول أن تفعل ذلك، لأن صاحب المطعم لا يرتاح الى مثل هذه المبادرة.

ثم جيء بصحني الطعام، وبدأنا نأكل. إلا ان بكاء الصبية ارتفع، مع تضرعاتها التي لا أفهمها، وتفهمها غابرييل.

“اترك الطعام، ولندفع ونخرج فوراً” قالت غابرييل.

“لماذا أترك الطعام، انا جائع”، قلت لها.

“أقول لك اترك الطعام”.

“يا إلهي، لماذا تطلبين مني ذلك؟”.

“أقول لك اتركه، وسأوضح لك الأمر”.

ودفعت هي المبلغ (كانت هي مسؤولة الشؤون المالية)، ثم تركنا المطعم. وانا لم آكل سوى لقمة أو لقمتين.

قالت لي “البنت كانت تبكي وتتوسل الى أبيها ان يعطيها من هذا الطعام، وهو يزجرها”.

كنت في تلك الأيام معجباً بالكاتب اليوناني نيكوس كازنتزاكيس. وكان هذا من بين أسباب زيارتي جزيرة كريت، ورغبتي في مشاهدة المنزل الذي يقيم فيه. كنت معجباً بروايته عن (زوربا). لكن إعجابي كان فائقاً بروايته المذهلة “الاغواء الأخير للمسيح”.

يا إلهي، ما أروعه في هذه الرواية. لقد أذهلني هذا الكاتب الجريء والظريف في كتابته “الوقحة” والجريئة جداً عن المسيح، وعن الحواريين. لكنني شعرت أن لي حساباً معه بشأن تعامله مع مريم المجدلية. وهو موضوع سأعود إليه فيما بعد. وقد حدثت الصديقة غابرييل عن اهتمامي برواية “الاغواء الأخير للمسيح”، وتحفظاتي على الكاتب في تعامله مع مريم المجدلية. فسرها، هي أيضاً، التعرف أكثر الى كازانتزاكيس. لقد ذهلت حين رويت لها كيف كان كازانتزاكيس يتعامل مع أبطال روايته، المسيح، والرب، والحواريين، وكل شئ آخر، بما في ذلك الجمادات، التي كانت في روايته كائنات “حية”. وأعربت لها عن أسفي لأن هذا الكاتب الكبير لم يمنح جائزة نوبل، ولو من أجل (الاغواء الأخير) فقط. وهو خسر أمام البير كامو، الذي نال نقطة واحدة اكثر منه. لكن كامو صرح انه يعتبر كازنتزاكيس أحق منه بالجائزة بمئة مرة. ولم ترتح الكنيسة الاورثودكسية في اليونان الى ما كتبه كازنتزاكيس عن المسيح. فرفضت دفنه في مقبرة. فدفن في الجدار المحيط بايراكليون.

والغريب ان كازانتزاكيس أمات مريم المجدلية في كتابه “الاغواء الأخير للمسيح”، والمسيح كان ما يزال على قيد الحياة. هذا في حين ان كل المصادر المسيحية، بما فيها الأناجيل، تؤكد أن مريم المجدلية هي التي أذاعت نبأ موت (صلب) المسيح، وهي التي نشرت خبر عودته الى الحياة، أي بعثه، بعد ثلاثة أيام من موته. فكان لها السبق في اشاعة نبأ البعث. أي ان قصة بعث المسيح بعد موته كانت مجدلية في الأساس. لكن كازانتزاكيس لم يتطرق الى ذلك في كتابه.

كتاب الاغواء الأخير للمسيح مكرس للحديث عن المسيح ومريم المجدلية. وعن هموم المسيح. وهنا تعامل كازانتزاكيس مع مريم المجدلية كجسد فقط، في حين تحتل المجدلية في تأريخ المسيحية موقعاً جوهرياً.

وسأشير الى لقاء المسيح الأول بالمجدلية، كما جاء في هذا الكتاب: يذهب المسيح إليها في محل عملها. وينتظر الى أن يخرج كل زبائنها. كان يريد أن يهديها، وهو متهيب من هذه المهمة. دخل عليها في غرفة عملها فوجدها مستلقية على ظهرها، عارية تماماً، غارقة في عرقها، وشعرها مبعثر على الوسادة، وذراعاها معقودان خلف رأسها. وكان رأسها ملتفتاً نحو الجدار وكل انملة من جسدها تفرز روائح كل الامم، وذراعاها وعنقها وثدياها تلوح عليها أمائر العض.

وقف ابن مريم عاجزاً عن التقدم. وانتظرت المجدلية حركة من لدن القادم… انتابها الخوف من هذا الصمت. فأدارت وجهها بسرعة، لتراه وهو واقفاً أمامها. فاطلقت صرخة “أنت؟ أنت؟”.

قال: “سامحيني، يا مريم!”.

ثم قفزت واقفة على ركبتيها، وقد تدثرت بملاءة. ورفعت قبضة يدها قائلة “ألهذا دخلت الى فناء بيتي، ايها الشاب الشهم؟ ألهذا اختلطت مع عشاقي، لكي تتسلل خلسة الى بيتي وتُحضر الرب العابث الى مرتعي؟ لقد تأخرت، يا صديقي…”.

“لا تكفري يا مريم. أنا الملوم، وليس الرب. ولهذا أتيت: اريد ان تمنحيني غفرانك”.

ويدور بينهما حوار، ولا تطلب المجدلية منه شفقة، ولا عوناً، وتؤكد له انها تريد ان تخلص نفسها.

“ممن تريدين تخليص نفسك، ممن؟”.

“من الوحل، باركه الرب! فهناك تكمن آمالي كلها، في الوحل. انه دربي الى الخلاص”.

ثم تقول له “لا ترمني بنظراتك المشتهية الخجلى هكذا. ابق بعيداً، ايها الجبان! لا اريدك ان تبقى هنا. أنت تثير اشمئزازي، لا تلمسني! إنني من اجل ان انسى رجلاً واحداً، لأخلص نفسي، سلمت جسدي لكل الرجال”!

لكن ابن مريم يقول لها “إنها غلطتي، سامحيني يا اختاه. إنها غلطتي، لكنني سوف اسدد ديني”.

“انت لا تجرؤ على رفع رأسك كرجل وتعترف بالحقيقة. انت تتوق الى جسدي، وبدل أن تعترف بذلك، تضع اللوم على روحي، وتدعي انك تريد أن تخلصها. أي روح ، ايها الحالم؟ إن روح المرأة هي لحمها. انت تعرف ذلك، لكنك لا تملك الشجاعة على ضم هذه الروح بين ذراعيك كرجل وتقبّلها. قبلها وخلصها! إنني اشفق عليك وامقتك!”.

فهتف الشاب (يسوع) “إنك ممسوسة بسبعة شياطين ايتها العاهرة. سبعة شياطين…”.

وهنا نلمس تأثيراً سومرياً بذكر الرقم (7). ولسوف نعود الى ذلك… لكن مريم المجدلية تقول له “ليس سبعة شياطين، يا ابن مريم، ليس سبعة شياطين، بل سبعة جروح واعلم ان المرأة ظبية جريحة، ومتعة تلك المسكينة الوحيدة هي أن تلعق جروحها”…

واقترب الشاب منها خطوة، وقال “مريم، حاولي ان تعودي بذاكرتك الى عهد طفولتنا”…

هذا الكتاب يقدم معلومات مختلقة عن العلاقة بين المسيح ومريم المجدلية. فهي هنا ابنة عمه؛ وكانا يتلامسان جسدياً منذ ان كان هو ابن الثالثة، وهي ابنة الرابعة… لكن الوصال الحقيقي بينهما يتم عندما يكبران فيما بعد. وهي قصة مختلقة لا تستند الى مرجع تأريخي، لأن مثل هذا المرجع غير موجود. لكن هناك إلماعات عن العلاقة بينهما يرد ذكرها في مصادر مهمشة، همشتها الكنيسة. وهي تبقى أيضاً موضع شك، او تساؤل.

لكنني سأواصل محاولاتي في الوصول الى حقيقة مريم المجدلية، وسأكتشف أشياء جديدة عن رموز المسيحية، كالمسيح، ويوحنا المعمدان، ومريم. من بين هذه الامور التي توصلت إليها ان يوحنا المعمدان له وشائج عربية، وانه لم يكن يهودياً، وان المسيح بالذات لم يكن يهودياً أيضاً.

(*) مقطع من كتاب “المسيح خارج الكتاب المقدس” لعلي الشوك وهو عن المسيح ومريم المجدلية ويوحنا المعمدان، يصدر قريباً عن منشورات الجمل، وننشره بالاتفاق مع الناشر…

(**) توفي الباحث العراقي علي الشوك، في أحد مستشفيات العاصمة البريطانية لندن، الجمعة، عن عمر ناهز الـ90، خاتماً رحلته مع “الكتابة والحياة”، وهو عنوان مذكراته الأخيرة التي صدرت العام 2017.

ولد الشوك في جانب الكرخ من العاصمة العراقية بغداد، ودرس الهندسة المعمارية في البداية في بيروت العام 1947، ثم قرر الانتقال إلى الرياضيات التي غيرت حياته بعدما صار مدرّساً لها لمدة عشرين عاماً في العراق.

سطع نجم الشوك في الوسط الثقافي العراقي منذ خمسينيات القرن الماضي، لكن ابن بغداد الذي ترك وراءه العديد من الأبحاث الفكرية، انطلقت شهرته في العالم العربي مع كتاب “الأطروحة الفنطازية”، الصادر العام 1970.

لم تشف الكتابة صاحب “أسرار الموسيقى”، فانغمس في السياسة. تسببت ميوله اليسارية بهجرته من العراق العام 1979، نحو براغ عاصمة دولة التشيك، ومن ثم بودابست، حيث عمل مع منظمة التحرير الفلسطينية وأنجز عدداً من الكتب التي ساعدته في الانتقال إلى لندن العام 1995، ليستمر في الكتابة من هناك. وترك مؤلفات عديدة، منها “كيمياء الكلمات وأسرار الموسيقى”، “الأوبرا والكلب”، و”مثلث متساوي الساقين” و”فتاة من طراز خاص”، ورواية “فرس البراري”، بالإضافة إلى مقالاته الصحافية الكثيرة.

*عن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *