رواء الجصاني : ثلاثة عشر عاماً على رحيل الجواهري ..ويستعصى على الموت الخلود

في مثل هذه الايام قبل ثلاثة عشر عاما ، وفي صبيحة الأحد السابع والعشرين من تموز عام الف ٍ وتسعمئة وسبعة وتسعين تحديدا  ، استنفرت وكالات أنباء ومراسلون وقنوات فضائية وغيرها من وسائل اعلام، لتبث خبراً هادراً، مؤسياً، هزّ مشاعر، ليس النخب الثقافية والسياسية فحسب، بل والألوف الألوف من الناس:
“الجواهري يرحل إلى الخلود في احدى مشافي العاصمة السورية دمشق، عن عمر يناهز المئة عام…”
… يطبق “الموت اللئيم” اذن على ذلك المتفرد الذي شغل القرن العشرين على الأقل، ابداعاً ومواهب، ثم لتروح الأحاديث والكتابات تترى بعد الخبر المفجع، عن عظمة ومجد الراحل الخالد:
– المتميز بعبقريته التي يخشى أن يجادل حولها أحد…
– السياسي الذي لم ينتم ِ لحزب، بل كان حزباً بذاته، يخوض المعارك شعراً ومواقف رائدة…
– الرمز الوطني الذي أرخ للبلاد وأحداثها بأتراحها وأفراحها من داخل الحلبة ، بل ووسطها، مقتحماً ومتباهياً:
يا ابن الفراتين قد أصغى لك البلد
زعماً بأنك فيه الصادح الغرِدُ
–  وذلك الراحل العظيم نفسه: حامل القلم الجريء والمتحدي والذي “لو يوهب الدنيا بأجمعها، ما باع عزاً بذل المترف البطر”… ناشر صحف “الرأي العام” و”الجهاد” و”الثبات” و”الفرات”… ورفيقاتهن الأخريات
– منوّرٌ متميزٌ من أجل الارتقاء  على مدى عقود حياته المديدة، مؤمناً: “لثورة الفكر تاريخ يحدثنا، بأن ألف مسيح دونها صلبا”
– صاحب “يوم الشهيد” و”آمنت بالحسين” و”قلبي لكردستان” و”الغضب الخلاق” و”الفداء والدم”… شامخ، يطأ الطغاة بشسع نعل ٍ عازبا:
يتبجحون بان موجا طاغيا سدوا عليه منافذا ومساربا
خسئوا فملؤ فم الزمان قصائدي ..ابدا تجوب مشارقا ومغاربا
تستل من اظفارهم وتحط من اقدارهم وتثل مجدا كاذبا
انا حتفهم الجّ البيوت عليهم اغري الوليد بشتمهم والحاجبا
–  والجواهري ايضا وايضا: متمرد عنيد ظل طوال حياته باحثاً عن “وشك معترك أو قرب مشتجر”، كيّ “يطعم النيران باللهب”!
– مبدعٌ بلا حدود في فرائد “زوربا” و”المعري” و”سجا البحر” و”أفروديت” و”أنيتا” و”لغة الثياب” و”أيها الأرق” وأخواتهن الكثار…
– وهو قبل كل هذا وذاك: أحب الناس كل الناس، من أشرق كالشمس ومن أظلم كالماس” – و”الفتى الممراح فراج الكروب”، الذي “لم يخل من البهجة دارا”
– رائدٌ في حب وتقديس من “زُنَّ الحياة” فراح يصوغ الشعر “قلائداً لعقودهنَّ” … و”يقتبس من وليدهن نغم القصيد”
– كالحمامة في وداعته، ومنتفض كالنسر حين يستثيره “ميتون على ما استفرغوا جمدوا”
– وهو لا غيره الذي قال ما قال، فبات الشعراء يقيسون قاماتهم على عمود قامته الشامخ:
وها هو عنده فلك يدوي….. وعند منعم قصر مشيد
يموت الخالدون بكل فج ٍ .. ويستعصي على الموت ِ الخلودُ
–  انه وباختصار: ذلك الطموح الوثاب الذي كان، ومنذ فتوته “يخشى أن يروح ولم يبقِ ذكرا” … فهل راحت قصائده- فعلا – “ملؤ فم الزمان”!! وهل ثبتت مزاعمه بأن قصيده “سيبقى ويفنى نيزك وشهاب” كما زعم ذات يوم :
ستبقى ويفنى نيزك وشهاب ، عروقٌ أبيات الدماء غضاب
لطاف كأنفاس النسيم نوافحٌ ، كريّاهُ ، صمٌ كالصخور صلاب
…. ترى هل صدق بما قال … التاريخ وحده من انبأنا وينبئنا عن الامر ، ويا له من شاهد حق ٍ عزوفٍ عن الرياء!!
   ملف صوتي ،ومقاطع بصوت الجواهري على الرابط التالي
  http://origin.iraqhurr.org/author/21007.html
مع تحيات مركز الجواهري في براغ
www.jawahiri.com

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فازع دراوشة : “واستقبل الكاتبُ مندوبٌ” .

قد يكون هذا العنوان من أغرب  العناوين التي اخترتها لكتابة من كتاباتي. الجمعة، الأول من …

| عبدالكريم ابراهيم : الألعاب الشعبية تودع ذاكرة الأطفال .

تعزز الألعاب الجماعية مفهوم الوحدة والتماسك، وتزرع روح التعاون بين الأطفال فضلا على تنشيط الجهاز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.