الرئيسية » ملفات » علاء حمد : الـ ( أنا ) المطعونة بالألم
في قصيدة الشاعر العراقي الخلاق سلمان داود محمد : في انتظار باص خارج الخدمة (ملف/40)

علاء حمد : الـ ( أنا ) المطعونة بالألم
في قصيدة الشاعر العراقي الخلاق سلمان داود محمد : في انتظار باص خارج الخدمة (ملف/40)

إشارة :
سلمان داود محمّد – وببساطة شديدة جدا ولكن معقّدة – هو “عاهة إبليس” في المشهد الشعري الراهن ؛ العراقي – وحتى العربي لو هيّأ له الأخوة النقّاد “الأعدقاء” فرص الانتشار. وكمحاولة في إشاعة فهم بصمة روحه الشعرية المُميزة الفذّة التي طبعها على خارطة الشعر ، ارتأت أسرة موقع الناقد العراقي الاحتفاء به عبر هذا الملف الذي تدعو الأحبة الكتاب والقرّاء إلى إغنائه بالدراسات والمقالات والصور والوثائق.. تحية لسلمان داود محمد.

الـ ( أنا ) المطعونة بالألم
في قصيدة الشاعر العراقي الخلاق سلمان داود محمد : في انتظار باص خارج الخدمة

كتابة : علاء حمد – العراق

عندما تكون الـ ( أنا ) الواعية مسخّرة لـ ( أنا ) الثاقبة في معدلات الأيام، فتستجيب الذات لها، لأنها الـ ( أنا ) السلمانية الفريدة وعبر نصّها الذي يقودنا إلى أبعاد مزدحمة بآلام جماعية، وهي آلام بغداد – العراق.. ومن هنا اتقنت الذات وتشبّعت بآلام أهل البلاد فطافت تلك الآلام وخرجت من صندوقها المقفل، لتعلن اصطفافها إلى جانب الترويض النفسي.. ياترى هل هي العين المحدّقة، أم الدبابيس الموجعة والتي تهاجم الفرد العراقي كغزوة جماعية تطالب بأوجاعها المثيرة ؟؟
في انتظار باص خارج الخدمة : هكذا رسم العنونة الشاعر العراقي المبدع سلمان داود محمد، وهو يقودنا برحلة من الأوجاع اليومية مع هذا الباص المعزول عن خدمته .. وعندما نتلو إفادتنا عن باص كحالة محدّقة بشكلها اليومي، فهذا يعني أننا أمام ظهور واختفاء، فالظهور من الفعل الانتقالي ( ظهر) وهو الفعل الملائم تماما مع ظهور الباص والإيمان المطلق بتواجده بشكل يومي، وكأننا أمام باص مدجج بزحمة الناس حتى يفيض لنا بتلك الآلام التي زرعها الشاعر العراقي سلمان داود محمد، ولو تخطينا عبر حالته ومع سيميوطيقيا العنونة، فسوف نلاحظ بأن العنونة المرسومة تدلّ على حالة لها علاقة بجسد النصّ الشعري؛ وهذا يترتب أمامنا الإشارة والدلالة، فالقصدية والترتيب، دلالتان مكتومتان في العنونة، مما تقودنا إلى : متلق، وعنونة وعمل، فعلاقة المتلقي هنا المرسَل إليه، بينما علاقة العمل والعنونة، علاقة المرسِل، فيظهر أمامنا المرسِل والمرسَل إليه من خلال العمل ( الرسالة ).. من الطبيعي دلالة أية مرسلة تبررها العلامة، والعلامة التي تحملها العنونة علامة تامة، وذلك لاستقلال العنونة من جهة، ودلالتها المكتومة من جهة أخرى، وهنا يمنحنا الشاعر الفرصة والمساحة الواسعة للدخول إلى نصّه المرسوم.. فتضيف لنا القيمة السيميوطيقية للعمل للعلامة كوسيط، وهذه القيمة المضافة هي ” المدلول ” مدلول العنوان طبعا، فبقي البحث عن الدال لكي تجتمع الدلالة معهما؛ وهذا يعني أن الوسيط نمنحه الدال، فيصبح لنا دال الوسيط ودال العمل، مع مدلول العنونة.. فالعنوان الذي دخلنا به يحمل :
مادة النصّ الجدلية: طالما أصبحت العنونة وسيطا بين المتلقي والباث
القصدية والترتيب: يكون المتلقي في هذه الحالة تابعا لقصدية النصّ الشعري، طالما أنّ العنونة من رسومات الشاعر الإبداعية ..
المرجعية للعنونة: وهنا نقصد مايريده الشاعر من العنونة، إن كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، وإن كانت ذهنية أو فنية.. فالمرجعية واجهة للنصّ الشعري من خلال العنونة.
بما أنّ الـ ( انا ) لدى الشاعر العراقي سلمان داود محمد، هي عبّارة نحو الآخرين ومن خلالها يستطيع أن يرسم تماسكاته النصية، فإذن أصبحت الـ ( أنا ) المفردة التي تخصخص بها الشاعر، وهي نفسها الـ ( أنا ) الشاعرة التي يعكسها في مساحة الذات المهيمنة على المعاني؛ لذلك فالالتزام هنا هو التزام إدراكي، تزامن مع الضمير المنفصل ( أنا ) والذات المدركة والإيمان المطلق بما يرسمه من معاني تقودنا بشكل يومي. فثمة عوالم تدور حول الذات، والأجدر بها أن تختار واحدة من تلك العوالم، والعالم يحوي على معانيه الجمّة، ومن خلال تحولات الذات من طبيعتها اليومية ( عند المعاني ) إلى اختيارها بإيمان جديد، فتتحول تلك المعاني معها، وهي تنظر بشكل منفرد من خلال توظيف الجمل الشعرية المتواصلة، والتي تظهر من خلال تماسكها النصّي لتكوين عالم خاص يدخله الشاعر بإيمان منفتح ليرسم مايدور في المحسوس ويحرّك المتخيل إلى جنبه بشكله التفاعلي..
(1)
أنا مخترع النسيم في الأصياف الحزينة ..
أهشُّ البقّ عن الجثث مرة
وأنظّف الجمر من الرماد مرات،
مصلوب على واجهات الدكاكين أحياناً
ومُسَجّى على الأرصفة في كل حين ..
أنا سعف قديم صار مروحة يدوية ..
هكذا يضيع زماني
وأنا أراقب جثمانكِ المهيب أيتها النخلة ،
جثمانكِ المساق إلى معامل تصنيع السياط الآن،
وورش ابتكار المنابر في كل آن …
نستمرّ مع الـ ( أنا ) الاعتراضية والتي اعترضت على هديل الأشياء الناعمة، والتي غرّد من خلالها الشاعر العراقي سلمان داود محمد، محتجّا على حياة كنعت زائف يعيشه العراقي مابين الأموات ووحشية التعذيب اليومي.. فالفكرة لدى الشاعرة = صورة تواصلية من خلال المشهد الشعري، وهذا مايدعو إلى وجه الاختلاف مابين الفكرة القائمة والتصوير الحياتي في الشعر العربي الحديث..
أنا مخترع النسيم في الأصياف الحزينة ..+ أهشُّ البقّ عن الجثث مرة + وأنظّف الجمر من الرماد مرات، +مصلوب على واجهات الدكاكين أحياناً + ومُسَجّى على الأرصفة في كل حين ..+ أنا سعف قديم صار مروحة يدوية ..+ هكذا يضيع زماني + وأنا أراقب جثمانكِ المهيب أيتها النخلة ، + جثمانكِ المساق إلى معامل تصنيع السياط الآن، + وورش ابتكار المنابر في كل آن …
نلاحظ من خلال تركيب الجمل بأنّ دلالة المحسوس هي التي تتجول بين الجمل بواسطة الأفعال، وكذلك الضمائر التي لها الشأن الكبير بهذا الجانب؛ وأوّل ضمير منفصل هو ال، ( أنا ) الاعتراضية وكذلك الاضطرابية، مما توحي للمتلقي بأن آلام الشاعر من آلام البلد.. فالضمير ( أنا ) مخترع، وهو من الضمائر المتكلمة العائدة للباث تماما، وكذلك مفردة ( أهشّ وأنظف ) .. الغاية من ذلك بأن جملة الشاعر هي حال لسانه، وبعض الأفعال من الأفعال الانتقالية وبعضها من الأفعال التموضعية، وهي أفعال حركية، من الممكن جدا تؤثر على حركة الجملة وتوظيف المعاني كحالة تبريرية في ( نظرية الحجاج ).. وتلازم تلك الشبكة من الألفاظ حالة الذات ووضعها المتجدد في جسدها. وهذا يعني أنّ الذات أصبحت بتفكير شاقولي، لتملأ الفراغات المحيطة بها، وهي تفكرية قبل أن تكون تذكرية، ففي حالة التذكر تختلف الذات تماما مابين منطقة الفلاش باك ومنطقة العامل الزمني الآني..
(2)
كلّ المصابين بالزكام على صواب
حين أخطيء في تعداد رائحتكِ ..
العاملون في وزارة المتنزهات ( أنموذجاً )
منغمرون بعطركِ،
منهمكون في حفظ نكهتك بلا ملل في الأضابير ..
الأضابير التي فاح منها عبيركِ
نحو المبنى المجاور
حيث المدرسة
والمعلم الذي في هدوء الدرس يصيح :
– إزرع أيها الوغد ولا تقطع –
وعلى أعلى عروة معطفه الأسود سوسنة ..
فأهرب من درس ( الأخلاق ) نحو جرس المدرسة،
وأرنّ ..
أرنّ معاتباً الفلاحين على جراد نواميسهم
والتربويين على قلّة الأدب
والسدنة على الوشاية بالله
وأنا .. المطعون دائماً بحسن السيرة والسلوك
كلما أتلو في درس الدين أسماء مفاتنكِ الحسنى …
فأهدوني شوارع التوبة بسخاء
وأهديتهم تسكّعي ( صلعم ) ….
تنفتح دلالة النصّ الشعري لدى الشاعر العراقي سلمان داود محمد، لتدلّ على خصوبة الآلام ومدى الغوص بين الجمل الامتدادية والتي تشكلت عبارة عن صور شعرية متقطعة لتحمل كل مشهد تصويري رقما من أرقام النصوص التي تم توظيفها..
كلّ المصابين بالزكام على صواب + حين أخطيء في تعداد رائحتكِ ..+ العاملون في وزارة المتنزهات ( أنموذجاً ) + منغمرون بعطركِ، + منهمكون في حفظ نكهتك بلا ملل في الأضابير ..+الأضابير التي فاح منها عبيركِ + نحو المبنى المجاور + حيث المدرسة + والمعلم الذي في هدوء الدرس يصيح :+ -إزرع أيها الوغد ولا تقطع –+ وعلى أعلى عروة معطفه الأسود سوسنة ..
نميل إلى الشخصنة من خلال الذات المدركة التي وظفها الشاعر، وهو يقودنا من معنى إلى معنى، لذلك يبرمج مشهده الشعري بلغة مخالفة للمعقول، وهو يجمع الأشياء من حوله بوسائل عديدة، ومنها: العين المحدقة وذاكرتها الجسدية التي تؤمن بما رأتها في الواقع الأمامي.. وكذلك جسد الذات وحركاته المتوزعة مابين العامل السببي للمعنى ((العاملون في وزارة المتنزهات ( أنموذجاً ) ))، والعامل المطروح أمام الذات كحالة تفكرية ينتمي إليها الشاعر.. يتطرق الشاعر سلمان داود محمد وعبر الزحافات التي تلازم الألفاظ في الجمل الامتداية للمعاني بـ :
-الدخول من المعنى العادي وتوظيف المفردات اليومية إلى المعنى الذهني، وعكس الأفكار التي تدور في جسد الذات والتي ترافق زمنية الأفعال وحركاتها الانتقالية..
-الدلالة غير المباشرة والتي ترافق لغة اللامألوف في تقصي المعاني وتحويلها إلى استعمال بفاعل آخر..
الإحالة والإيحاء من خلال الجملة الشعرية؛ والتي تؤدي إلى رؤية واضحة للكينونة ..
فأهرب من درس ( الأخلاق ) نحو جرس المدرسة، + وأرنّ ..+ أرنّ معاتباً الفلاحين على جراد نواميسهم + والتربويين على قلّة الأدب + والسدنة على الوشاية بالله + وأنا .. المطعون دائماً بحسن السيرة والسلوك + كلما أتلو في درس الدين أسماء مفاتنكِ الحسنى …+ فأهدوني شوارع التوبة بسخاء +وأهديتهم تسكّعي ( صلعم ) ….
إنّ المتخيلة هي التي تعتني بالمدركات وكذلك بالمحسوس وتحفظ الرسومات وتشعباتها، ومن خلال المتخيلة التي تقاسم ذاتية الشاعر الهمّ المطروح من الآلام، استطاع أن يعمل علاقة مابينها وبين الواقع القصدي الذي طرحه الشاعر سلمان داود محمد ومن خلال الجمل الشعري، التي تحوي على بواطن معنى المعنى؛ فالـ ( أنا ) التي تطرق من خلالها إلى إيصال قصديته جعلها جسرا مابينه وبين الآخر، لذلك فهو في نزول وصعود لحظوي، بانت من خلال زخرفة المشهد الشعري المرسوم..
(3)
أستعين بالحنين على ابتعادكِ
فتستقوين بأساطيل اللامبالاة على كوخ انتظاري …
أتوكّل على الله في اختزال المسافة
فتتوكلين عليه أيضاً بحذف الميناء من حلم البواخر …
متى ستنتهي حربنا المزدهرة هذه ..؟
متى .. ؟
والفكرة المتنازع عليها بيننا
مجرد جسر
يربط ” رصافة “* جرحي
بـ ” كرخ “* ضمادك …
ليس هناك حدود مفروضة عندما نتناول النصّ الشعري، بل هناك حدود الجملة التي تستكين حول معناها الامتدادي، وخصوصا إذا توالدت وتكاثرت من خلال ولادتها من جملة إلى أخرى، لتهيّء لنا خارطة من المعاني المتواصلة، لذلك فالمشهد الشعري لدى الشاعر سلمان داود محمد من الممكن أن يتلبس أردية كثيرة عندما نغوص بين معانيه..
أستعين بالحنين على ابتعادكِ + فتستقوين بأساطيل اللامبالاة على كوخ انتظاري …+ أتوكّل على الله في اختزال المسافة + فتتوكلين عليه أيضاً بحذف الميناء من حلم البواخر …+ متى ستنتهي حربنا المزدهرة هذه ..؟ + متى .. ؟ + والفكرة المتنازع عليها بيننا + مجرد جسر + يربط ” رصافة “* جرحي + بـ ” كرخ “* ضمادك …
إنّ النستلوجيا، وحضور الماضي من خلالها، فهذا يعني هناك لذة في الألم الحالي، ولذة في الوهم الماضي، فطالما نحن مع “الآن ” فإعادة الحضور من خلال الآن يقودنا إلى لذة ما، وهنا لذة الألم تعوم أكثر من خلال بهجته الحاضرة.. لو نلاحظ من خلال تراكم الأفعال وبعضها من الأفعال التموضعية التي تستكين في قلب الباث، بأن الشاعر يتراجع عن الأحلام التي تصيب الطرف الآخر، مما كانت للزمنية تفاعلها مابين الماضي الحاضر والحاضر الآني، لذلك حركة المشهد الشعري اتكأت على خصوبتها والاعتناء بحالة الشعور الداخلي، ليخرج هذا الشعور كمحسوس تفاعلي في الذات العاملة..
(4)
أستودعكِ إشتعالي أيتها العتمة
أستودعكَ الليالي أيها الأرق،
لا شأن لي بأطاريحكم الكحيلة
سوى أن يرى الوداع ودائعه ،
ودائعه .. وهي تتعرّى دامعة
برعاية وطن مَزاد
كل شيء فيه معرّض للبيع …
للبيعِ ..
وللرحيلِ ..
وللتلفِ …
في آخر المشهد الشعري للنصّ، نلاحظ هناك بعض الجمل الاعتراضية، وكأن الشاعر ومن خلال المطالع الأولى للجمل، قد حبس أنفاسه، واستخرج مافي داخل الرئة من هواء لايحتاجه كثيرا، لذلك فقد مال إلى مفردة ” المزاد ” وهي تعني البيع العلني، بينما الوطن يُباع باتجاهين، العلني والسرّي.. ولغة الحوار التي اعتمدها الشاعر سلمان داود محمد، كانت لغة حوار مابين المشهد والنصّ، فكلّ مرة ينتقل من مدينة إلى أخرى، ومن مشهد إلى آخر، وكأنه في كلّ مشهد يخبّئ بعض العلامات التي لايبوح بها.. وبمجرد الدخول إلى حركية الأفعال فسوف نلاحظ هناك جملة من الدلالات الزمنية وأخرى دلالات توحي لنا إلى زمن الكتابة؛ فالحاجة هنا، هي حاجة المفردات وتجميعها في زمن آني، مما يعبّر لنا عن لغة تعبيرية جديدة، مصحوبة بعنصر الدهشة التي ترافق الشاعر في كلّ مرة ندخل إلى كتاباته ..
(5)
العالم في غيابكِ اسكافي قديم
عاد إلى البيت بأطراف صناعية
وكيس خطى ذابلة ..
أولاده أحذية وبناته قباقيب
غالباً ما يستقبلونه بـصيحة ونصف:
متى تأتي لنا بالشوارع يا بابا ؟!
أرواحنا جائعة …
من خلال التجانس الحسي، والاختلاف اللغوي الذي يطرق الذات المتخيلة، نلاحظ بأن الشاعر يميل إلى دالات، وذلك من خلال بعض الانفرادية في تشخيص الأشياء التي اختارها في نصّه الشعري ومن خلال المشهد رقم ” 5 ” …
دالّة العالم : ويمثل أمامنا، أحد العوالم المختارة من قبل الذات، وهي ميزته العدمية والبحث بين غرفه المقفلة والتي فتحها الشاعر لنتعرف عليها من خلال المعاني ..
دالة الغياب والحضور: فعندما نتطرق إلى حالة الغياب، فهذا يعني أن الجملة تحضر فيما بعد، ومن الممكن جدا أن نميل إلى المؤجلات، فالأب تم تأجيل دالته إلى آخر المشهد، بينما حضوره – الغائب، تم رصده كحالة متواصلة اعتمدت قصدية الشاعر..
دالة الجوع : والمعنى من خلف الشطور الشعرية التي اعتمدها الشاعر، وبما أنّ المشهد المرسوم من النماذج التمثيلية الدالة على حقيقة الأشياء، إلا أنه الشاعر استطاع أن يوظف لغته بدلالات إضافية مع دال إضافي أيضا، مما تظهر لنا قوّة المعاني وتماسك المشهد الشعري..
(6)
أنا الناطق الجلناري لرمادي ..
لم يبق لي غير الأصابع
وقد أصابتها ( هي الأخرى ) لعنة الخرس …
لم أستطع التلويح لأحد
وهذه المناديل / مناديلي
لتكفين أيدي الوداع هي
وتنظيف زجاج القطارات التي لا تؤدي إليكِ .. فقط ..
..
شكراً جريحة للأغاني كلها
وهي تنوب عني في حفلة المنفلقات المكررة بلا ملل،
ذلك أن موسيقاي جثث
والكمنجات نعوش …
والبلاد
على
سفر …
حالة الإلغاء التي يعرضها علينا الشاعر سلمان داود محمد، هي حالة الشيء الذي يقودنا إلى اللاشيء، وحالة الممكن يصبح اللاممكن:
أنا الناطق الجلناري لرمادي ..+ لم يبق لي غير الأصابع + وقد أصابتها ( هي الأخرى ) لعنة الخرس …
ومن هذا المنظور الذي رسمه الشاعر، وهي جمل شعرية تقودنا إلى حالة من الدهشة البطيئة والتفكر معه بخصوصية حالة الإلغاء المفعمة مابين اللاممكن والعدم.. لذلك فالـ ” أنا ” الموجعة هنا، يطلقها للآخرين مستعرضا حالة اجتماعية عامة، وقد قدم نفسه من أوائل الآخرين حول عدمية الممكن.. ومن خلال الثقل الحاضر الفعلي ( الذات المفكرة ) استطاع أن يتواصل مع عالمه الشامل ..
حالة التأويل التي نحيلها مع حقيقة الوجود، هي التي جعلتنا أن نكون مع معنى المعنى في شطور مشهده الشعري، وهذه الحالة تجعل المتلقي إحدى أدواة النصّ الشعري، فالمتلقي سيتفاعل بكلّ تأكيد لأنه جزء من العالم الشامل الذي اختارته الذات والانطلاقة من أقرب حدث لها، وكان الشاعر مع الضمير المنفصل الـ ” أنا “، والتي جعلها دائرة في دائرة الوجع العراقي..
يميل الشاعر عبر بوابات عديدة ومنها حالة الاستعارة والتشبيه، فقد استعار بعض المفردات التي سخّرها في قوله الشعري، وجعلها قولا على قول، لكي يصفّ المعاني بنتائج متجانسة.. فعندما كان مع : القطارات، فهي الآلية السريعة التي وجهها نحو الآخر والمتمثلة بطرف الأنثى .. وكذلك ذهب بنا إلى حالات من التشبيه : ذلك أن موسيقاي جثث + والكمنجات نعوش …+ والبلاد + على + سفر …
وفي نفس الوقت كان الشاعر مع بعض الحالات الاستدلالية التي أدت وظفيتها في المشهد الشعري مما بانت لنا الدلالة الاستدلالية الضمنية من خلال تأسيس مشهده الشعري..
(7)
كلما افترقنا سقط من الخارطة وطن ….
(8)
لاشيء يستحق الذكر
سوى اقتتال بين براميل أخَويّة
على عربة نفط يجرّها وطن …
(9)
سأحرجكِ أيتها البلاد .. هكذا :
أحتذي نعال خطى أكلتها العبوات ،
وأهتف بـ ( اسكافي الأمل ):
إصلح لنا الدروب أولاً
قبل أن تطالبنا بحكمة الأحذية …
للشاعر كائن، كائن لايستطيع على إبعاده، لذلك فقد دخل بحوار مع الآخر لتجسيد ذلك الكائن ( الوطن )، مما جعله دال على الحدث الشعري، فالدال متواجد في ذهنية الشاعر، ومتواجد على أرض الواقع، وجزء نشيط من حالة الإدراك للذات، فالمحسوس الذاتي لايتركه، فهو بحاجة له ليس فقط كمفردة دالة، وإنما كمفردة من المفردات الرئيسية في الشطر الشعري، لأنه أصبح دالا في حالة الحضور والغياب..
لاشيء يستحق الذكر + سوى اقتتال بين براميل أخَويّة + على عربة نفط يجرّها وطن …
إن عنصر الدهشة المنظور، يشكل كينونة فلسفية، وخصوصا في حالة اللذة اللغوية، والتي تفصل مابين الدهشة والعالم الخارجي، فتبقى معتنية بالمتقاربات لها، فحركة النصّ تحتاج إلى معين، وعنصر الدهشة خير معين لتحريك النصّ الشعري..فالحالة الخارجية لاتحتاج إلى الخلط ، فهي حالة خارج النصّ، لذلك تكون الانفرادية لعنصر الدهشة بتحريك الممكنات، حالة فعّالة لها الأثر اللفظي والتأثيري للمتلقي..
(10)
في مقتبل العمر
كانت إلى ” حديقة الأمّة ” تقتادني الأمّ
كي أتعلّم الخضرة وأنمو ،
فتنامى العشب بي وبلغتُ سن العطر …
في غفلة من أمّي
اقتادني الآبّ إلى هناك ..
إلى الحرب ،
كي أتعلّم البلاد والأناشيد والبنادق …
فتعلّمتُ قتلاي والقمل المتكاثر في رؤوس السطور ..
في غفلة منّي
ماتت الأمّ ، والأبّ كذلك
وظلت الحرب
تدور بي على الخرائب
وتصيح عبر مكبرات الصوت :
هذا الوطن التائه
لمن ؟؟؟ ….
طرق الشاعر من خلال هذا المشهد الشعري باب الاستدلال، فوحدة الذات نصية، وهي عاملة في ذاتها، بينما حركة الفعل اتجهت باتجاهين، اتجاه إلى النزهة ومعاينة الاخضرار، واتجاه إلى الحرب ( الموت )، ونزهة الحدائق تختلف باختلاف كلي عن نزهة الموت، لذلك عندما يقول الشاعر هناك نزهة ترافقني؛ فهو بنزهة لموت البلاد، والتي تعيق نزهة الحياة، وطالما هناك حرب، فهذا يعني أنّ هناك فراق، والفراق والابتعاد من خلال مشعلي الحروب، يؤدي إلى الموت.. فالحالة الاستدلالية التي أدخلنا بها الشاعر سلمان داود محمد، بين عدة مفارق، تناولها بهذه الاتجاهات، بينما وحدة الذات فكانت واحدة ومخلصة للنصّ الشعري، وطالما أنّ الحرب تغيّب الآخر، فالذات تغيب معها، وهنا نستعين بالذات الإضافية والتي تنظر إلى مقاربات الشاعر وتنطلق منه أولا، ومن خلال هذا التوجيه استعان بأقرب الناس إليه وهو ( الأم + الأب )..
في مقتبل العمر + كانت إلى ” حديقة الأمّة ” تقتادني الأمّ + كي أتعلّم الخضرة وأنمو ، + فتنامى العشب بي وبلغتُ سن العطر …+ في غفلة من أمّي + اقتادني الآبّ إلى هناك .. + إلى الحرب ، + كي أتعلّم البلاد والأناشيد والبنادق …
نأخذ الفعل اقتاد، والذي دلّ على أثر القول، ولكنه في نفس الوقت بمعنى ( قاده ليذهب معه ) وهو من أفعال الحركة الانتقالية بمعنى الذهاب، ولكن الأثر الفعلي للقول، هو حركة الفعل، فعندما نميل إلى الذهاب بقيادة شخص آخر، فهذا يعني مازال المعني لايعي الهدف من ذلك، فأنا أقود ابني للحديقة، فإبني لايعرف مكان الحديقة، وهذه الجملة تترك أثر القول الحركي، فهي مترجمة ضمن محسوس الحركة والذي يُرى بالعين.. تحريك المحسوس، من الطبيعي يترك أثرا، والأثر يجانس فعل القول المترجم بحالة عملية، فقد عمل الشاعر سلمان داود محمد، على استرسالات دلالية من خلال فعل القول؛ وأدت هذه الاسترسالات إلى الاستدلال :
في مقتبل العمر + كانت إلى ” حديقة الأمّة ” تقتادني = كي أتعلّم الخضرة وأنمو
وعندما تعلم الخضرة ونمى: كي أتعلّم الخضرة وأنمو فتنامى العشب بي وبلغتُ سن العطر …
نحن ننقاد مع الشاعر من خلال الحمولة الدلالية للفعل، وهذا يسبب لنا ديمومة الفعل، وعدم إهماله في الجملة الشعرية، وذلك لأنه ترك أثره في جميع الجمل الشعرية وأدى إلى تواصل المعاني..
فتعلّمتُ قتلاي والقمل المتكاثر في رؤوس السطور ..+ في غفلة منّي + ماتت الأمّ ، والأبّ كذلك + وظلت الحرب + تدور بي على الخرائب + وتصيح عبر مكبرات الصوت :+ هذا الوطن التائه + لمن ؟؟؟ ….
نميل إلى الفعل تعلم ( تعلمت )، وهو من الأفعال الماضية الحركية الحسية، وقد أسنده بمعنى الجملة الدالة على الماضي، ولكن، ومن خلال المعاني الأخرى دلّ الفعل على اقترانه بالماضي من خلال جهة المعنى الدالة على التعلم، وترك آثاره في الجمل الأخرى، فمن آثاره: ظلت الحرب.. تدور بي على الخرائب، وفي فترة وقوع حرب الخليج الأولى، وبقيت الحروب الداخلية مابين الفرد والفرد، ومابين الجماعة والحكومة، وهذه الآثار آنية أصبحت وهي من فعل اليوم. فتدل الجملة الشعرية لدى الشاعر على دلالة مجازية، وقد اختلفت اللغة من خلال تركيب المفردات، وأدت نتائج ساقتنا من المألوف وإلى اللامألوف، ولكن بقيت المعاني التي دلت على حقيقة الوضع المعاش..
الشاعر العراقي سلمان داود محمد ومن خلال هذه النصوص التي اشتغل على مسمياتها استطاع أن يوظف الكثير من المعاني باختلاف اللغة المعتمدة في كلّ نصّ، وقد ظهرت بعض اللقطات التي قادتنا إلى عنصر الدهشة ومنظومتها المختلفة…

في انتظار باص خارج الخدمة
سلمان داود محمد – العراق
(1)
أنا مخترع النسيم في الأصياف الحزينة ..
أهشُّ البقّ عن الجثث مرة
وأنظّف الجمر من الرماد مرات،
مصلوب على واجهات الدكاكين أحياناً
ومُسَجّى على الأرصفة في كل حين ..
أنا سعف قديم صار مروحة يدوية ..
هكذا يضيع زماني
وأنا أراقب جثمانكِ المهيب أيتها النخلة ،
جثمانكِ المساق إلى معامل تصنيع السياط الآن،
وورش ابتكار المنابر في كل آن …
(2)
كلّ المصابين بالزكام على صواب
حين أخطيء في تعداد رائحتكِ ..
العاملون في وزارة المتنزهات ( أنموذجاً )
منغمرون بعطركِ،
منهمكون في حفظ نكهتك بلا ملل في الأضابير ..
الأضابير التي فاح منها عبيركِ
نحو المبنى المجاور
حيث المدرسة
والمعلم الذي في هدوء الدرس يصيح :
– إزرع أيها الوغد ولا تقطع –
وعلى أعلى عروة معطفه الأسود سوسنة ..
فأهرب من درس ( الأخلاق ) نحو جرس المدرسة،
وأرنّ ..
أرنّ معاتباً الفلاحين على جراد نواميسهم
والتربويين على قلّة الأدب
والسدنة على الوشاية بالله
وأنا .. المطعون دائماً بحسن السيرة والسلوك
كلما أتلو في درس الدين أسماء مفاتنكِ الحسنى …
فأهدوني شوارع التوبة بسخاء
وأهديتهم تسكّعي ( صلعم ) ….
(3)
أستعين بالحنين على ابتعادكِ
فتستقوين بأساطيل اللامبالاة على كوخ انتظاري …
أتوكّل على الله في اختزال المسافة
فتتوكلين عليه أيضاً بحذف الميناء من حلم البواخر …
متى ستنتهي حربنا المزدهرة هذه ..؟
متى .. ؟
والفكرة المتنازع عليها بيننا
مجرد جسر
يربط ” رصافة “* جرحي
بـ ” كرخ “* ضمادك …
(4)
أستودعكِ إشتعالي أيتها العتمة
أستودعكَ الليالي أيها الأرق،
لا شأن لي بأطاريحكم الكحيلة
سوى أن يرى الوداع ودائعه ،
ودائعه .. وهي تتعرّى دامعة
برعاية وطن مَزاد
كل شيء فيه معرّض للبيع …
للبيعِ ..
وللرحيلِ ..
وللتلفِ …
(5)
العالم في غيابكِ اسكافي قديم
عاد إلى البيت بأطراف صناعية
وكيس خطى ذابلة ..
أولاده أحذية وبناته قباقيب
غالباً ما يستقبلونه بـصيحة ونصف:
متى تأتي لنا بالشوارع يا بابا ؟!
أرواحنا جائعة …
(6)
أنا الناطق الجلناري لرمادي ..
لم يبق لي غير الأصابع
وقد أصابتها ( هي الأخرى ) لعنة الخرس …
لم أستطع التلويح لأحد
وهذه المناديل / مناديلي
لتكفين أيدي الوداع هي
وتنظيف زجاج القطارات التي لا تؤدي إليكِ .. فقط ..
..
شكراً جريحة للأغاني كلها
وهي تنوب عني في حفلة المنفلقات المكررة بلا ملل،
ذلك أن موسيقاي جثث
والكمنجات نعوش …
والبلاد
على
سفر …
(7)
كلما افترقنا سقط من الخارطة وطن ….
(8)
لاشيء يستحق الذكر
سوى اقتتال بين براميل أخَويّة
على عربة نفط يجرّها وطن …
(9)
سأحرجكِ أيتها البلاد .. هكذا :
أحتذي نعال خطى أكلتها العبوات ،
وأهتف بـ ( اسكافي الأمل ):
إصلح لنا الدروب أولاً
قبل أن تطالبنا بحكمة الأحذية …
(10)
في مقتبل العمر
كانت إلى ” حديقة الأمّة ” تقتادني الأمّ
كي أتعلّم الخضرة وأنمو ،
فتنامى العشب بي وبلغتُ سن العطر …
في غفلة من أمّي
اقتادني الآبّ إلى هناك ..
إلى الحرب ،
كي أتعلّم البلاد والأناشيد والبنادق …
فتعلّمتُ قتلاي والقمل المتكاثر في رؤوس السطور ..
في غفلة منّي
ماتت الأمّ ، والأبّ كذلك
وظلت الحرب
تدور بي على الخرائب
وتصيح عبر مكبرات الصوت :
هذا الوطن التائه
لمن ؟؟؟ ….

تعليق واحد

  1. العامرية سعدالله

    رائع هذا الابحار الذهني والفلسفي واللغوي والحسي في ذاتية الشاعر وجسد القصيدة، الدارسة بلفت حد الابهار، ابدعت في استكناه اغوار القصيدة السليمانية ،.تحية كبيرة لحروفك وللشاعرالقدير سلمان داود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *