محمد جوده العميدي : الاختزال اللغوي و الفيض الدلالي قراءة في مجموعة (حصىً يزقزق) للشاعر أحمد الحلي

الاختزال اللغوي و الفيض الدلالي
قراءة في مجموعة ( حصى” يزقزق ) للشاعر أحمد الحلي
*محمد جوده العميدي
تستدعي ظروف القرن الحادي والعشرين قراءة نصوص شعرية قصيرة جدا لا تفرط بالوقت باعتباره عنصرا مهما في الحياة العصرية ، حيث السباق المادي والاقتصادي بين الامم والشعوب . وفي النشاط الانساني و الابداعي يظهر النشاط الادبي و التعبير عن الذات الانسانية بما تحمله من افكار ومعتقدات فيملا فضاءات الحياة التي نعيشها ، والنصوص الشعرية القصيرة جدا وقصائد الهايكو هي واحدة من الانشطة الادبية التي يمارسها الشعراء المحدثين لتقديم نصوص شعرية قصيرة جدا زاخرة بالمعاني و الدلالات . و أرى الشاعر المبدع أحمد الحلي قد خاض هذه التجربة في مجموعته الجديدة ( حصى” يزقزق ) الصادرة عن مؤسسة ثائر العصامي للطباعة والنشر و التوزيع عام . 2019

أستوقفني عنوان المجموعة الذي يحمل دلالة ( استنطاق الصامت ) باستخدام أحدى الصور البلاغية المهمة وهي التشخيص personification التي تمنح للجماد صفة من صفات الاحياء، فمنحت ( زقزقة الطيور) للجماد (الحصى). وبهذا يكون العنوان الذي هو أحد العتبات المؤدية الى النصوص موضع تأويل المتلقي وتساؤله ( بماذا يزقزق الحصى ) ؟ ، و العناوين المثيرة للتأويلات تخلق طقوسا شعرية وتهيئ ذهن المتلقي لقراءة النصوص . لم يتصدر نصوص المجموعة ( إهداء ) الذي أراه ضروريا بوصفه عتبة نصية يشي بما تصطبغ به النصوص من روح انسانية و أسرية مفعمة بصدق العاطفة وتوهجها .

في نصوص ( منحنيات بيانية ) قرأت خمسا و أربعين نصا شعريا قصيرا و بثيمات شتى تتراوح بين معاناة الذات و جماليات الخيال . كتب الشاعر احمد الحلي هذه النصوص بمفردات شفافة و بلغة فنية عالية الدقة فيها من الاختزال اللغوي و التكثيف الدلالي ما يجعلها مليئة بالذوق الفني و الحس الجمالي . يرصد المتلقي وبيسر معاناة الذات الشاعرة :
كم كنت أمني النفس
ان غيابك قيلولة
لا سبات
وفي نص آخر نجد المعاناة أشد وطئا :
التنزه في الارض الحرام
أكثر أمنا لي
من اقتفاء خطوك

ورصدت – كقارئ – لعبة لغوية في بعض النصوص قوامها أضافة حرف لكلمة ما أو عكس حروف كلمة أخرى لتغيير دلالة النص . وهذه اللعبة اللغوية هي بمثابة عصف ذهني لرفع وعي المتلقي وشحن استعداده لتذوق النصوص الشعرية :
كانت متمرسة بصدودها ونفورها
كتبت لها :
بين يدي حرفان هما الحاء و الباء .
هل من سبيل لوصلهما ؟
كتبت : ضع بينهما حرف راء .
والفلسفة السايكولوجية في النص هي مقابلة مشاعر( الحب ) والود بسلوك عدواني وأعلان حالة ( الحرب ) . وكثيرون هم من يجدوا متعة في إيذاء الآخرين ويتلذذون حتى بتآكل الذات .
محموما أقرب وجهي منها
أقول : هل من قبلة ؟
ضع نونا قبل الباء !
أقول : هل من عسل ؟
أعكس حروفه .
وبناء النصين قائم على تقنية الحوار الثنائي أو ما يسمى بـ (dialogue ) وبنوعيه الحوار االتحريري والحوار
والحوار الشفاهي . غرق الشاعر ألمبدع أحمد الحلي بالمد الرومانسي ، فكانت بعض نصوصه الشعرية ذات مسحة
رومانسية تتجلى فيها مشاعر الحب و التشبث بالحياة ، فينطلق الشاعر بفضاءات شعرية وسيعة ليعيش حياة خيالية :
محتفيا بك
منتشيا
يتدلى عنقوداك على فمي
أقصم نرجسيتيهما
أعلو فوق الغيم
برقا يستحث المطر
و نص ( طائري الذي كف عن الغناء ) نص جميل أعتمد فيه الشاعر على تقنية ( السردية الشعرية ) لتحريك ذاكرة
المتلقي ولتحقيق المتعة الجمالية . لمست من خلال هذه السردية أنني أمام ( قصة قصيرة ) . تكمن جمالية النص
في الصورة الشعرية التي يرسمها النص في ذهن المتلقي جراء الفيض الدلالي الذي يكتنز النص . وفي النص
حوار ذاتي فردي monologue . وذروة النص :
في ذات اللحظة
أنطلق صوت طائري
بتغريد شجي
لم أسمع مثله قط !
في النص مفردات شفافة وتعابير جميلة لها الطاقة على تصوير أحاسيس الشاعر ونقلها بشكل صور ذهنية الى
المتلقي .

في نصوص ( لست هذا أو ذاك ) قرأت تسعا وعشرين نصا قصيرا لا تختلف عن بقية النصوص في البناء وفي الخصائص الفنية التي يكتب بها الشاعر . تحمل النصوص ثيمات مختلفة . أستخدم الشاعر أسلوب النفي المكرر ، وهو أحد أساليب العربية . ومن النصوص التي حازت اللغة الفنية و التكثيف الدلالي والمفردات الشفافة والتي تشير للعلاقة غير المنصفة بين الرئيس بالمرؤوس :
لست بيدقا
يهتف على الدوام ,
” نموت ويحيا الملك ”
بينما الأخير
لا يأبه لحياته أو مماته !
و عنوان المجموعة ( حصى يزقزق ) مجموعة من قصائد الهايكو بطراز عربي ، والا فأصل الهايكو قصائد يابانية تكتب بسبعة عشر مقطعا . وهايكو الشاعر المبدع أحمد الحلي لا تختلف عن قصائد الهايكو عند غيره ، فهي مؤلفة من ثلاث اسطر ، يشكل السطر الأخير حلا للغز الذي كتب فيه الشاعر . وعوالم هايكوات الشاعر
( أحمد الحلي ) عوالم متباينة بين المادي المحسوس و المجرد وهي عوالم الحيوان والجماد والنبات و الانسان .
ففي النص يلج الشاعر عالم الحيوان :
بأنتظار أن تسقط بشراكه
ذبابة ، يقضم أظافره
العنكبوت
وفي نص آخر يلج الشاعر عالم الجماد :
منذ رفعه في ساحة التحرير
وسلاسلنا تتبرعم
نصب الحرية
وفي نص آخر يلج الشاعر عالم النبات ، موظفا الموروث الشعبي من الأمثال الشعبية في تقديم قصيدة هايكو ، لأن اسطر القصيدة تشير الى مثل يتداوله عامة الناس ( فحل التوث بالبستان هيبة ) :
في البستان
يستأثر لوحده بهيبة
فحل التوث
وفي نص آخر يدخل الشاعر عالم الانسان ليتقاسم الهموم مع الناس بما يعانون من الفقر :
لايسري قانون الجاذبية عليه
حين يشم رائحة شواء
المتسول
وفي ( نقوش ) قرأت سبعة نصوص ، في بعضها عبارات تحمل من الطاقة الشعرية ما يجعلها قوية الوقع كما في قصيدة ( لي كل هذا ) التي سبق لي ان قرأتها في مجموعة الشاعر الأولى التي تحمل نفس العنوان .

وبشكل عام يمكنني القول – كقارئ- ان الشاعر المبدع احمد الحلي قدم لنا في مجموعته هذه نصوصا متنوعة في ثيماتها و اسلوبها ، لا تخلو من الالم و المرارة والحنين الى ذكريات الطفولة . والنصوص في هذه المجموعة – كما أرى – أكثر نضجا من نصوص المجموعة الاولى الغارقة بالمد الرومانسي ، ومعظم النصوص قصيرة حافلة بالجمال و العمق مع بساطة المفردة واستخدامها المتقن . لمست في المجموعة نضج ادوات الشاعر الابداعية من خلال ما قدمه من نصوص ذات قيمة فنية وجمالية .
محمد العميدي

شاهد أيضاً

محمد مهدي الجواهري: ما ورد عنه في كتب في ضوء مسح افتراضي
أ.د. صالح جواد الطعمة

مقدمة: أدرك جيدًا أن توثيق منجزات الجواهري عبر قرن وما كتب عنه أكثر تعقيدًا وصعوبة …

شوقي كريم حسن: داود سلمان الشويلي… وضوح الأشتغالات المعرفية

*عند خط الفصل بين سومر بكل ارثيتها العجيبة، وامتدادات زقورة اور، واللاله الجالس في العلو، …

صباح هرمز: بنيات السرد في روايات “محسن الرملي”

1- الشخصية: يقول رولان بارت معرفا الشخصية في الحكاية بأنها: (نتاج عمل تأليفي) كان يقصد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *