سلام إبراهيم : كتابي التاسع “طفلان ضائعان”

إشارة :
يسر أسرة موقع الناقد العراقي أن تهنىء الروائي العراقي المبدع “سلام إبراهيم” على صدور منجزه الجديد “طفلان ضائعان” وهو كتابه التاسع الذي يأتي بعد سلسلة إصدارات مهمة أثرى بها المكتبة السردية العراقية والعربية وعبّرت عن بصمة شديدة الخصوصية مثل روائعه: “الإرسي” و “الحياة لحظة” و “حياة ثقيلة” و “في باطن الجحيم” وغيرها. تتمنى أسرة الموقع للعزيز المبدع سلام إبراهيم الصحة الدائمة والإبداع المتجدد.

كتابي التاسع “طفلان ضائعان”
سلام إبراهيم

وأخيراً أمسكت جسد كتابي “طفلان ضائعان” بين أصابعي هذا الصباح، لحظة لا يعادلها فرح وقد تتساوى مع الأم بعد الطلق حينما يحملون وليدها باكياً ليضعوه على صدرها فيسكن.
كتابي التاسع مظلوم كثيراً، انتظرت القصص طويلا مسجونةً في ملفاتي ومتناثرة في ورق الصحف التي نُشرت فيها، قبل أن ترى النور عن دار الدراويش.
في عام 2008 نزلت إلى القاهرة بمناسبة صدور روايتي “الإرسي”، حاملاً معي مخطوطة روايتي “الحياة لحظة” وهذه المجموعة “طفلان ضائعان” وكانت من ثماني قصص، وحينما وافقت الدار المصرية اللبنانية على طباعة “الحياة لحظة” أخبرت صديقي الجميل الروائي المصري “سعد القرش” بأني أنوي تقديم “طفلان ضائعان” أيضاً لطباعتها، فأبدى عجبه وقال لي:
– ستظلمها كثيرا وستغطي رواياتك عليها. وأردف فالحياة لحظة لجنة الدار مدهوشين بها!
فكرت طويلا بالأمر ووجدت كلام “سعد” منطقياً، فعدت بها معي إلى الدنمارك، ولم يتح لها فرصة أخرى، فقد توالت رواياتي “في باطن الجحيم” 2013، و “حياة ثقيلة” 2015، و “إعدام رسّام” 2016.
لم أنقطع عن كتابة القصة القصيرة طوال هذه السنين، فأنا مكتظ بالحكي والتجارب والمعاني والأفكار التي تجسدها نصوصي، وفي حقيقة الأمر سعيت في رواياتي في أغلبها إلى استخدام بنية القصة القصيرة في بناء كل فصل وهذا ما أشار إليه بعض النقاد، فالفصل لدي له ثيمته المستقلة الخاصة بالحكاية التي قدمها وبنيته فيها كل موصفات القصة القصيرة من مدخل وتمهيد وعرض وذروة تتكثف في جملته الأخيرة.
تراكم لدي في هذه الأثناء الكثير جدا من القصص، فأضفتها ل “طفلان ضائعان” وبعثتها لدار المتوسط قبل ثلاث سنين، فواقفت الدار وبعثت ليّ كي أصححها وفعلت، وأخبرني صاحبها الفلسطيني بأنها في المعمل وسيبعث نسخة pdf كي أدققها، لكنه لم يبعث ولم يجب على عدة رسائل بعثتها في موقف أقل ما أوصفه بأنه غير أخلاقي.
فبعثتها إلى دار الدراويش التي سارعت بأعدادها وطبعها وهي ترسل لي نسخي القليلة
فاعتذر من الأصدقاء الكثار كون نسخي القليلة مخصصة لمكتبات بلدي العراق وكما فعلت مع كتبي السابقة سأقوم بتوزيعها كي تتوفر للطلبة والأساتذة في الجامعات وأبناء مدينتي الديوانية والمدن الأخرى
الدار تبنت الكتاب وتبيعه من خلا متجرها “متجر الدراويش” في الفيس بوك.
القصص أغلبها قصص حب وحرب تتفاوت الأطوال من 5 آلاف كلمة كعشتار العراقية إلى 194 كلمة كقصة ضحك
الكتاب مهدى إلى رفيقة عمري: ناهده جابر جاسم
رابع كتاب مهدى لها
هنا مقطع من القصة الأولى “عشتار العراقية”

(ـ اسندني.. سكرتْ!
حضنتها بذراعيَّ هامساً:
ـ قاومي.. ما بقه غير خمسين متراً!.
كانت تترنح بين ذراعي وتكاد تهوى كلما قطعنا عدة أمتار، وتقبّلني في كل ناحية تصلها شفتاها، مشينا مشياً مبعثراً على المسالك الضيقة خافتة الإنارة، وقبلاتها المبعثرة تقدح حواسي، أهبط بوجهي نحو عنقها بين الخطوة والخطوة لأعبَّ من عبقها الفائح. خلف الباب انهارت بين ذراعي غافيةً مثل طفلةٍ. حملتها إلى السرير. وضعتها بأناة. عدلتُ طولها الممدود واضعاً وسادة الريش تحت رأسها، فأنبسط شعرها الفاحم الكثيف مغطياً نصف الوسادة المشتركة. وحرتُ ماذا أفعل؟!. وقفت جوارها، كانت تغفو مثل ملاك، منذ تلك اللحظة أيقنت بخواء روحي دونها، فهجمت علي الهواجس، أنا شبه الممسوس أصلاً، فماذا لو سممها الخمر التي عبت منه زجاجاتٍ ثلاثة هي التي لم تذق طعمه من قبل؟.. ماذا لو فقدتها إلى الأبد؟!. سيظل ينتابني مثل هذا الشعور وأنا أتخيلهم يقبضون عليها أيام اختفائي، أو تخترق جسدها شظية أو طلقة بين الثوار في الجبل. سأرتعد كاتماً خوفي بصمتٍ، يتلاشى هذا الشعور حينما أقلبها بأصابعي متأكداً من وجودها الفيزيقي جواري في الغرف المعتمة ويوم الجبل، حملقتُ بفزع نحو طولها المسفوح الهامد على سرير الفندق حتى خيل إليّ أن صدرها المشدود بالثوب لا حركة فيه. بركتُ على ركبتي جوار السرير مقرباً أذني من موضع قلبها تحت ربوة النهد الأيسر الصغير المضغوط بالثوب. أصغيتُ إلى بوابة كونها المخفي مستمتعاً بضجيج أحشائها العذب والذي سأدمن عليه في الأيام اللاحقة، سأنصتْ إلى نبضها كل ليلة قبل خلودنا إلى الغفوة، ستنعتني بالطفل تارة والمجنون في أخرى، لم أكف عن العادة تلك حتى خريف العمر. أمارسها بنفس الروح منفصلاً عن التفاصيل الموجعة، ومنصتاً لتأريخ النبضات ذاتها التي لم تستدير وتلبس غير ثوبها كما نفعل نحن أيام الشجار المثار لأتفه الأسباب حتى أنني أظل في حيرة دائمة من الكيفية التي يتطور فيها حوار يومي عادي إلى شجار وعراك وصد في الفراش يستمر أياماً وتلبك في الوجوه لا يحله سوى تماس الجسدين في الليل بأنفاق الغفوة المحتشدة بتاريخ الجسد الذي يبدو أحياناً وكأنه مستقلٌ تماماً عما يجري في بحر النهار، فتنهل الأجساد من بعضها في لحظة لا هي بالنوم ولا هي بالصحو.. لحظة قائمة بينهما أيقنت من فرادتها وضرورتها لدوام عشرة طويلة، دون لحظة التواصل الذي يجرى على حافة النوم سيصيب العلاقة بين الجنسين خراباً مبكراً.
لن أفوت أيام الصفاء في خريف العمر دون الهبوط بصفحة وجهي الناضحة خجلاً، من استغراب ملامحها الحيادية، شاعراً بأنها تعدني ممثلاً رديئاً، أتحمل ثقل قسماتها الباردة لأخوض في ضجيجها وهو يملأ مسمعي بدفقه الحار البري البريء والمختلف عن تصلب القسمات المنتظرة المتلكئة عن الذهاب معي نحو الذروة المعتادة، والمتضايقة من حركاتي الصبيانية.
ـ هل كنت أحاول مسك طعم وروح وأصوات تلك الأيام المتلاشية؟!.
ـ أما زالت ذلك الطفل الحالم بظل جدار؟!.
قلتُ لنفسي:
ـ الثوب ضيق يكتم أنفاسها!.
أدرتها جانباً، كانت طيعة بين ذراعيّ، بحثتُ عن سحابة الفستان، فواجهني ظهرها العاري حد النصف، الناحل بحيث أستطيع عدَّ أضلعه اللينة المتموجة تحت البشرة السمراء المطلية بالزيت، جعلتُ ألهث مأخوذاً وأصابعي المرتجفة تمسك بنتوء السحابة الصغير، أنزلته بهدوء مليماً، مليماً محملقاً بمهبط الخاصرة النابضة وطرفي فستانها الترابي يتباعدان حتى ربوتي الردفين المهلكين اللتين ستذيقانني الويل لاحقاً، سحبتها وكأنني أمسّ بكفيَّ المفتوحين إناءً زجاجياً شفافاً، صارت على ظهرها وتوسط جسدها السرير، فأصبح تنفسها يسيراً وسدرت ملامحها في عمق الغفوة الهانئة.
أفرزني الصمت وليل المصيف الجبلي وطولها الغافي والخمر إلى وحشةٍ بريةٍ لذيذةٍ طافحةٍ بالحيرةِ. حيرةٌ غير تلك التي لازمتني في طفولتي الشقية حينما أجد نفسي في باطنها مخذولاً مهاناً بعد صفعة من كف أبي، عمي، أو في قبو الزنزانة متسائلاً:
ـ لم يحدث لي ذلك؟.. وما الذنب الذي جنيته؟!.
هذه حيرة مختلفة تهجم عليّ من وقع أنفاسها، من تقاطعيها، من أمكنة البهجة المندثرة في أعماقي، من لذة مجاورة عشتار المتسللة من بطون الحجر.. بطون الكتب.. من غور ليل النافذة المحتلة طول الجدار المطل على الوادي. تلفتُ في حيرتي:
ـ ماذا أصنع؟!.
نهضتُ من بروكي جوارها، خطوتُ نحو الصالة، وجلبتُ كرسياً، وطاولةً صغيرةً وقنينةَ ويسكي وكأساً وصحناً ملأته بقطعِ الثلج.
ـ فمن لي سواك بحضور عشتاريَّ الغافية؟!.
رحت أرتشف الكأس تلو الكأس متأملاً غفوتها الساكنة، أدوات زينتها المنثورة على الطاولة الناصية، أحمر الشفاه، صبغ الأظافر، مسحوق الخدود، كريمات البشرة المختلفة، قنينة العطر التي رفضتُ بشدة أن تتعطر بها، فلجسدها رائحة هي مزيج من الجوري والخباز وأعشاب البر التي كنتُ أجمعها من حواف سواقي الحقول المحيطة بالمدينة، وأعصرها بقبضتّي، ثم أستنشق بعمق ضوعها الذي كان يوحدني في لحظة تنسيني كل ما يحيطني من بشرٍ، ذلك المزيج شممته من جسدها في أول عناق على سطح دار أهلي، رأيت ملامحي الظليلة في مرآة الزينة المقابلة، رجعت إليها، إلى بعثرة فستانها وقسمه الأسفل الفضفاض المكوم بين ساقيها، إلى حذائها الأسود الصغير الذي لم أنزعه. كان شكله ساحراً على قدميها المنفرجتين على الفراش الأبيض:
ـ وماذا بعد؟!.
قلتُ لنفسي وأنا أمعن بسكرين.. سكر الجسد المسفوح المحرض على الصحو.. وسكر الخمر المحرض على الحلم. لن أنسى أبداً تلك الليلة الفريدة أبداً. قمت من جلستي.. متى؟ لا أدري.. كنتُ خارج الليل والنهار والفصول) ص14-19

شاهد أيضاً

يونس علي الحمداني: عندما كنا صغارا

عِندما كُنا صِغارا كانت لنا قلوبٌ كِبار كانتْ تصغر .. تصغرْ كلما كُنا نَكبر.. عِندما …

بشار ساجت: انعتاق..

تمضي بنا الأيامُ، رتيبةً تسيرُ بنا، نحو أفقٍ غائرٍ، تَجرُّنا خلفَها ممزّقين والهين، تعصرُ وجوهَنا، …

سلسلة مسرحيات كوميديا الصحفي (برقوق) وجده العالم (ماركة صيني)
تأليف أحمد إبراهيم الدسوقي الجزء الأول

( حمايا بيه الكوبانية ) مسرحية عامية ملهاة كوميدية من أدب الخيال العلمي شخصيات المسرحية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *