جابر خليفة جابر : جِيم جَديد (قَص)
(26) باب جديد.. (الفصل الاخير)

إشارة :
كتاب (جيم جديد – قصّ) للمبدع جابر خليفة جابر الذي ينشره موقع الناقد العراقي في حلقات هو واحد من أهم الكتب الثقافية التي صدرت بعد الاحتلال. فبالإضافة إلى أنّه يتناول مفاهيم وأحداث وشخصيات ثقافية وفق نظرة جديدة وبعضها يُطرح لأول مرة ، فهو أيضا تشريح لمعضلاتنا الثقافية ومحاولة طرح حلول لها بدلا من النواح والتشكي. أمّا أسلوبه السردي الهادىء و “الحياتي اليومي” فقد أزال عنّا التباس وصفه على الغلاف بأنه “قص” لأول مرة. وللأسف لم يحظَ هذا الكتاب المهم بالمناقشات المطلوبة التي نتمنى أن تثيرها محاولة نشره هنا. تحية لجابر خليفة جابر.

(26)
باب جديد..

لم يكن شارع النجفي بالموصل قد تعرض إلى الحريق بعد حين التقيت ضحى بعبد الحق فاضل قرب جامع خنجر خشب، كنا متجهين إلى سوق الكتب، ومن مكتبة صغيرة كان صوت سيد مكاوي يردد مع أوتار العود( الأرض بتتكلم عربي الأرض الأرض) فتبسم الأديب والدبلوماسي العراقي وقال : لاشك إن احدهما سيد مكاوي أو كاتب القصيدة فؤاد حداد قد تأثر بكتابي ..
أدهشني ما قال وسألته: أستاذنا الكبير، أي كتب تقصد روايتك، مجنونان أم قصصك أم مسرحياتك؟
التفت إلى مستغربا وقال: كتابي (تأريخهم من لغتهم).
– وكيف استنتجت هذا؟ هل لكلمات الأنشودة علاقة بكتابك الرائد؟
– لأنني بينت فيه سمو العربية على ما عداها وعرضت أدلة لغوية على إن العربية أم اللغات!
– أم اللغات؟!
– نعم ما الغرابة ؟ لقد اتبعت منهجا علميا لإثبات ذاك، وقمت بما يشبه التنقيب عن الآثار، نقبت في كلمات العربية ومعانيها وتتبعتها في اللغات الأخرى قبل أن أصرح بنظريتي هذه.
كنا قد خرجنا من شارع النجفي، أين نحن الآن، لا ادري، كنا نتمشى في إحدى عوجات الموصل القديمة ، ربما في باب جديد ، حقا لا ادري كنت منشدا لحديث الأستاذ عبد الحق، لكنا قبل قليل عبرنا قنطرة جامع القطانين، وفوق القنطرة سألته: كيف توصلت إلى نظريتك أستاذ؟

الاستاذ عبد الحق فاضل الدبلوماسي العراقي

كان على عجل، فتحدث لي عن اسم اليدين عند العرب(اليمين والشمال) بدءا من زجر العرب للطير، التفاؤل عند طيرانها جنوبا تجاه اليمن، والتشاؤم إذا طارت شمالا، تجاه الشآم، ثم ربط ذلك باسم اليد اليمنى في الانكليزية (رايت= الصحيحة)، واسم اليسرى(لفت= المتروكة) وهكذا في لغات عديدة أخرى منها الروسية والفرنسية، ثم ودعني منصرفا، وأنا استحضر حفرياته اللغوية عن طائر الفينيق الذي يعيش 500 عاما وفقا للإسطورة الغربية والمأخوذة من اسطورة العنقاء العربية التي تنهض من الرماد لتعيش 70عاما ولسبع مرات كلما تحترق، فيكون الناتج 490 عاما..ولا اقرب غير الرقم 500 فاعتمدوه من دون أن يلاحظوا إن (7 و70) في العربية تفيد الكثرة وليس التحديد..
معلومات قيمة ضممتها إلى ما قالته سيدة الاستشراق الألمانية آنا ماري شيمل
( إن اللغة العربية موسيقية للغاية، ولاشك عندي إنها لغة أهل الجنة) ..
وقلت لنفسي: لماذا اذن هذا التركيز الإستشراقي على إقصاء العربية أو محوها؟
– لاشك إنها سور الذات العظيم الذي يقف بوجه توسعاتهم( تخيلت عبد الحق فاضل يجيبني) لذا عمدوا في أفريقيا إلى التخلص من ارتباط السواحيلية بالعربية عبر الحروف واستخدموا نفوذهم لاستبدالها بحروف انكليزية، وفي تركيا حصل الأمر ذاته، بل في الصين الشيوعية أيضا والغريب أن الراديكالية الماوية المتشددة تجاه الغرب الرأسمالي خاصة أمريكا وبريطانيا فضلت الحروف الانكليزية وفرضت بالقوة استخدامها بدلا عن الحروف العربية في لغة الإيغور المسلمين في تركستان، وعندنا في العراق ومصر والشام والمغرب العربي، شجعوا اللهجات المحكية لتحل بدلا عن العربية..
تعبت قليلا فجلست في مقهى قريب، كنت أشرب طاسة عرق السوس وأنظر تجاه الجنوب، تجاه مدن العربية ، البصرة، الكوفة ووريثتها النجف الأشرف، أعدت الطاسة للصبي واستنشقت أريج الموصل الحدباء وقلت له :
– دحق دقلك، ما اسم هذا الحي؟
– باب جديد.
– ما في باب جديد للعربية، ما في العراق الجديد، باب جديد لإحياء لغتنا العربية وتيسير دراستها وتعلمها وجعل أطفالنا يحبونها..ورفعت صوتي بحدة : يا مجمع اللغة أين أنت؟ من أغلق أبوابك؟ ولماذا؟ أما زلت قديما؟ متى تتجدد؟
فتح الصبي عينيه دهشة وقال: ما فهمت عليك أستاذ ، تأمرني بشي؟
– شكرا شكرا، كنت أكلم بغداد! عندك كاسيت سيد مكاوي (الأرض بتتكلم عربي).
– اعذرني أستاذ ما عندنا..
– تعرف عبد الحق فاضل؟
– لا والله أستاذ ما يقعد هنا!
نهضت وأنا اردد هازئا بيت الشاعر:
((لغة يهون على بنيها أن يروا// يوم القيامة قبل يوم مماتها))
=====

شاهد أيضاً

طلال حسن: حكايات للفتيان (حكايات عربية) (1)

إشارة: بعد أن أنهينا نشر فصول مخطوطة كتاب “حوارات” لأديب الأطفال المبدع العراقي الكبير “طلال …

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري(نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة “نزار السلامي” (14)

توق التغيير في مجابهة تحديات المكان محمد حسين الداغستاني يشكل هاجس الاغتراب دافعاً مهماً للتغيير …

حِدَة التَرقب والتَهكم المُنفعل
تأمل في مجموعة “أنتظرُ شُحوبَ الوقتِ” لـ جميل الجميل
عدنان أبو أندلس

عبر مجموعتهِ المنوه عنها ، والصَادرة عن دار نون للنشر والطباعة والتوزيع – نينوى 2016 …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *