الرئيسية » مقالات » محمد علوان جبر : المشهد الاخير

محمد علوان جبر : المشهد الاخير

المبدع محمد علوان جبر مع والد الشهيد حارث.

المشهد الاخير
محمد علوان جبر
لا أعتقد، أنه يشبه الأباء ، رغم إنه يشبههم جميعا ، لكن ما عاشه وهو يراقب ماجرى لأبنه ” الشهيد حارث عبد علي السوداني ” أعني المشهد الأخيريمنحه إمتياز أنه لايشبه الأباء ( أربعة رجال موثوقي الأيدي الى الخلف ، يرتدون بدلات برتقالية ، رؤوسهم متجهة بزاوية نحو البقية الباقية لمدى الرؤية من الفسحة التي تتركها الخرق السود التي دارت حول رؤوسهم ، ربما حجبت نصف الوجه .. حفرت ركبهم وهم يرتكزون عليها أثارغير مرئية على الارض الرملية .. “الاول .. كلا !” ..” الثالث .. كلا ! “… ” الرابع . كلا!” ، إذن بقي الثاني .. هو الثاني يارب !. يراقب الأب جذع ابنه وطريقة جلوسه .. يعرفها مذ كان صغيرا يثني ركبته اليمنى بطريقة مختلفة عن الركبة اليسرى أثرسقوطه من دراجة كان يقودها عمه حين كان صغيرا.. يومها بقي يعاني من عدم تمكنه من ثني ركبته بالكامل كما هي الركبة الاخرى .. إذن هو !… سمع الصوت الكريه ” الاغنية التافهة والتي يقشعر لها البدن والتي تتحدث عنالنصر على العملاء !” يراقب بعين قررت أن تتخلى عن الحركة .. عين قررت أن تبقى متخشبة دون أن ترمش وهي متصلبه على الجسد الثاني .. تبدأ زخات الرصاص باتجاه الاجساد الاربعة .. يسقط الاول والثالث والرابع ويبقى الثاني متخشبا يتلقى الرصاصات وهو يتلوى .. قبل أن يسقط ربما شاهد الاجساد الثلاثة فسقط عليها تماما .. تعانقت الاجساد التي غطتها رخات الرصاص المنطلق من فوهات البنادق وطبقات من الغبار ! ) إذن هو من رأى هذا المشهد بعين مختلفة عن كل عيون الاباء في العالم كله، المشهد الذي حرصت داعش القذرة على بثه بفنية عالية ، مشهد إعدام ابنه النقيب “حارث ” ولمن لايعرف من هو النقيب حارث ، هو النقيب الذي استطاع أن يخترق تنظيمات داعش بعد أن تغلغل بينهم موهما أياهم انه داعشي واصبح واحد منهم .. امتنع عن زيارة اهله .. ولم يكحل عينيه برؤية اولاده طوال شهور .. سرب معلومات هائلة الى الاستخبارات العسكرية التي كانت تنتظر منه الاشارات وتعمل على ضوءها حيث تم أبطال إنفجارات كبيرة كان يفترض أن تنفجر بين الناس في الأسواق والشوارع المكتظة ، وثق به الدواعش واعطوه مهام كبيرة ، فكان يسخر منهم ويخبرهم بأنه أنجزها .. النقيب حارث كان العين الجبارة والكبيرة لإستخبارات الجيش العراقي داخل تنظيماتهم ، أنقذ الالاف منتصراً للحق .. أنتصر للطفولة وهو يتذكر اولاده الثلاثة وانتصر للأمهات والاباء …
هل عرفتم من هو النقيب حارث السوداني الذي اوقعت به داعش في اللحظة الاخيرة لتكتشف انها كانت العوبة بيد هذا النقيب، فانتقمت منه بأن قتلته على الهواء بفيلم يؤكد خيباتهم . قبل أيام زرت مع وفد من رابطة مبدعي مدينة الثورة البيت والاب الذي انجب حارثاً.. وجدته قويا صلبا . قرأ لنا مقاطع من قصائد شعبية هائلة .. حثثته على أن يقرأ لنا المزيد ، حينما عرفت أنه شاعر ، قرأ مقطعا ومقطعا أخر لم نتمالك انفسنا جميعا فبكينا ، لكنه لم يبك كنا نجلس في البيت الذي انجب الشجاعة وهي تسير على قدمين . بيت بسيط في قطاع 55.. لم تستلم عائلة البطل راتبه التقاعدي لعدم وجود شهادة وفاة … سمعنا ان ممثل رئيس الوزراء تدخل مؤخرا ومنحت الاسرة ” شهادة وفاة ” فقط لبطل حمل روحه على كفيه وسار فيها بشجاعة وسط فخاخ داعش ( شكرا ) حكومتنا على شهادة الوفاة !.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *