الرئيسية » ملفات » إبراهيم الخيّاط في : جمهورية البرتقال الحزين
قراءة : حسين سرمك حسن (ملف/3)

إبراهيم الخيّاط في : جمهورية البرتقال الحزين
قراءة : حسين سرمك حسن (ملف/3)

إبراهيم الخيّاط في : جمهورية البرتقال الحزين
قراءة : حسين سرمك حسن

(جمهورية البرتقال) هي المجموعة الشعرية الأولى للشاعر (إبراهيم الخياط) صدرت عن إتحاد الأدباء والكتاب في العراق بالتعاون مع دائرة الشؤون الثقافية العامة في بغداد .
ضمّت المجموعة خمسة وعشرين نصا منها: كاسب كار، جمهورية البرتقال ، تروحن، زينب، هو الذي رأى، النبي الصامت، إفلاطونيا، بعقوبة، على حائط حنا السكران وغيرها .
ومن سمات هذه المجموعة المركزية، هو هذا الشعور بالحزن المرير الخانق، على حياة هي خلطة عجيبة من الخسارات الجسيمة على المستويات كافة : الشخصية والجمعية والوطنية . خسارات تبدأ من لحظة إهداء المجموعة (إلى التي أسرت أول الكاظمين) ثم تتلاحق في النصوص كلّها بدءا من النص الأول : (كاسب كار) الذي يستهله باقتباس إشاري من الآية الكريمة التاسعة من سورة النجم (فكان قاب قوسين أو أدنى) :
(إنه / قاب قتلين أو أدنى / فحقّ عليه القول / بعد أن فرهت أحلامه (….) / وصار يبكي / بعد الحزن الأربعين / على رجيف ناياته / حتى صار يعلم / أن البحر صغير / وأن السماء دون عيونه – ص 11 )
.. وحتى النص الأخير فيها : ( بعيدا حيث أنا) وهو يرثي خساراته ؛ وروحه الممزقة وحياته المهشمة ممثلة في “طفل المزاهر” الذي ألقي في الطريق الذي لا عودة منه أبدا حسب وصف أجدادنا السومريين ؛ طفل المزاهر الذي عاش حياته القصيرة في بلاد شعارها (من يعرف أكثر يتعذب أكثر) كما يقول ابراهيم :
(صرتَ جثة تسعى/ حين زلزلت الطائرات اللاهبات قاع دجلة / صرتَ جثة تسعى حين داهمك الجوع القاتم / حتى نسيتَ أن هويتك تجهر بانتمائك لأرومة النفط / صرت جثة تسعى بين الصدى والصلوات / بين ريح النفايات ورياح البساتين المهجورة – ص 149) .
وببصيرة حادة واستجابة عارمة تكتسح تأثيرات الحرب – اي حرب فحياته كلها حروب ؟! – بنية النصوص جميعا تقريبا – لغة وصورة وفكرة – . وهذا ما أكدنا عليه كثيرا ومنذ أكثر من عقدين ؛ ضرورة استثمار رؤى الموت والخراب التي عصفت بوجودنا بفعل الحرب . فلم تبرز اي مدرسة إبداعية أو جيل إبداعي إلا بعد حرب : جاءت الرمزية بعد حرب 1870 وظهرت الدادائية والسوريالية والوجودية .. إلخ بعد الحربين الأولى والثانية .. هذا في أوروبا .. أما في الوطن العربي فإن أجيال التجديد جاءت دائما بعد مراحل الحروب والخسارات والحصارات :
(ساحت بحربين زنبقة دمي / وإذ ينام الوطن / كان سريري الموحش ملقيا / أبكي عليه/ نثيثا/ من سماوات عيوني المستريبة / وأقص للملاءات ملاحم الدم الناصع / عشرون عاما وأنا ابكي / عشرون عاما وأنا أغزل رئة ثالثة / فالأولى للقطران / والثانية للشهيق / وهذي الشفيفة للبارود الجميل – قصيدة “مدمي الشباب” – ص 35).
وقد إنعكست تأثيرات شبح الحرب على قاموس الشاعر اللغوي حيث كان من جرّاء ذلك أن تسيّدت مفردات الحرب والقتال والموت على لغة نصوص المجموعة : الرصاصة ، الطائرة ، الجبهة ، المعارك ، المعسكر ، العدو ، الحرب ، البارود ، الفوّهة ، الجنود ، الساتر ، الارض الحرام .. وغيرها الكثير من مفردات الحرب التي نبتت في ذاكرتنا وأرواحنا تتكرر في نصوص ابراهيم حتى الغنائي منها . ها هو يستعيد ذكريات مدينته الجريحة “بعقوبة” في القصيدة التي حملت إسمها :
(ووقفتُ على بابها الحمبم / لأقيس ارتفاع الدمع في جزرة نهرها المعلول / فطالما شيعتني هذه الثكلى الطروب / التي اسميتها مدينتي وسمّتني جوّابها المُقيم / (…) / ولمرأى قفا هودجي / ما شبكت عشري على راسي أمام راهب النهر لأن يديّ / أمس / قريرتين نامتا في سهرة الأرض الحرام / (…) / وفي كل طواف / كنت آتيها من البارود / المُرهب بوشيج يقين – ص 127 و128 ) .
وينشغل الشاعر أيضا بالهم القومي الشامل الذي تسمه التمزّقات والخذلانات والبؤس والهزائم بميسمها الأسود فأتخمت النفس العربية بحجارة الإحباط واليأس والقنوط:
(تحت الكراسي العربية/ اكتفت القديسة العذراء/ بالتريّض في شرنقتها المنسوجة/ من حرير النكبات/ وصمغ الإكتئاب/ فتبيت – كل نكبة – / ملولة/ – كإمائهم إياها – تنتظر من يخون إمبرياليته / ويطارحها النسيب الساخن / في شتاء المذابح – من قصيدة “زينب” – ص 61).
في أكثر من وقفة قدم الشاعر اقتباسات إشارية من القرآن الكريم لعل أجملها واكثرها إحكاما ما جاء في قصيدة “حداء الغرانيق” التي وظّف فيها صورا وأفكارا من سورة يوسف ؛ إنسربت بين أعطاف القصيدة بصورة غير محسوسة نسبيا ، وحمّلها الشاعر صورا ومعاني باهرة :
(إنهم يعرفون البداية / ها هنا كانت طلولي / وغرانيق الرواية / دم الأسئلة ملء قميصي / وبهاء النهاية / (…) / .. ودعهم يهيمون بانثيالات / رقصتك الأولى / فها هنّ نسوة الدمع / تعسكرنَ / بأثواب العدو / قطّعنَ حنظلة القلوب / ولكن .. / برتقالة هي خارطة العين / وبيوتات تقرّنت / وتدوّرت – ص 29 و30) .
وقارن هذا التوظيف بالإقتباس ذي الإحالات المباشرة والفجّة الذي جاء به إبراهيم في قصيدته “يا امرأة الوجع الحلو” :
(مرّةً / صاحبتُ القناطر / ألفتها / فما عادت الأنهار تجهلني / بتّ أنا الفنار الذي تراوده عن نفسه / ولا أقول / (…) / تقدّ قميصي – كلّ ليلة – من الجهات أربعها / ولا أقولُ : ربّ السجن أحبّ إليّ / لا أقولُ : ربّ السجن ! / فيانهيرات بلادي الظامئة / بالغصة الوثقى أتيت / وبالغصّات أعود – ص 19 و20) .
وهناك تضمينات أخرى استقاها الشاعر من الموروث الشعري العربي القديم ومن الملاحم القديمة (ملحمة جلجامش) ومن الفلكلور .. وغيرها.
ملاحظة إخراجية حول العناوين :
——————————–
لاحظت اختلافا واحيانا تناقضا بين بعض عناوين القصائد كما ثبتت في متن المجموعة وعناوينها في الفهرست :
عنوان قصيدة (الصامت بالدال) على الصفحة 69 صار الصامت الدار ، وكانت معركة (ص 115) صارت وكانت المعركة ، وبعيدا حيث أنا (ص 145) أصبحت بعيدا حيث أنت .
وأعتقد أن الكثير منا يفتقد لتقليد مراجعة “البروفة” الأخيرة لكتابه قبل الطبع.
بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر:
——————————-
ويمكن ملاحظة ربكة ظاهرة في اختيار الشاعر للجنس الشعري الذي يكتب به قصائده . فهناك نصوص تبدأ بالتفعيلة وتتحول إلى النثر وتعود إلى التفعيلة أو تختلط بصورة مشوشة للقارىء . خذ هذا مثلا:
(إنهم يعرفون البداية/ ها هنا كانت طلولي/ وغرانيق الرواية/ دم الائلة ملء قميصي/ وبهاء النهاية/ – وأنت من أنتظر / لنرقص في سلة الحشائش / نغفر للبكارة العجيبة/ ونلوث الراية/ إنهم يعرفون البداية/ كلهم داسوا الورودم واتهموك وأد الطبيعة/ والبسوك جناية/ فترنّح / أحبيبي ترنّح/ ودعهم يهيمون بانثيالات/ رقصتك الأولى / فها هنّ نسوة الدمع/ تعسكرن / بأثواب العدو/ قطّعن حنظلة القلوبم ولكن… / برتقالة هي خارطة العين .. إلخ – من قصيدة “حُداء الغرانيق” – ص 27).
أو في هذا النص :
(بين الاسى/ واستدارة النهر الذبيح/ كانت خطاي/ تنبىء بالجفاف / وتقرأ سورة الماء المدمّى/ أيامئذ/ انتكس القلب مرة/ وانتكس النهر مرّات – من قصيدة “جمهورية البرتقال” – ص 23).
أو في هذا النص :
(شريكينِ كنّا/ وكأن كل البرايا ضداد/ شريكين بلا ليلٍ/ فيغمرنا من فجر الحروب/ سواد/ شريكين ولا منية لنا/ سوى دار/ تحوّطها – سهواً – بلاد/ قلّما أخرجتني من مضافتها / الأماني/ شريكين بتنا: أنا والرماد/ نزيلين بتنا/ بعدما خلت منّي نار الياسمين/ ونامت غربتي الكريمة/ – في مهاجع البخور – / تحلم بهل أتى على الشعراء حينٌ؟ / وها أنتذا بخذلانك تيّاه – من قصيدة “تفعيلة الخذلان” – ص 139).
وفي نصوص أخرى تهبط القصيدة إلى مستوى العمل النثري تقريبا :
(أمّي …
أكاتبكِ الآن، وأنا على مرمى قتبرة من الموت. ومنكِ على مرمى حلم ملثّم. أكاتبكِ وأنا أطل – بما تبقى من رأسي – على هرم الرؤوس اليانعة. أكاتبكِ وأنا أعاقر حزني وأراني طاعنا في كآبتي … إلخ من قصيدة “وكانت معركة” – ص 115).
أو في هذا النص :
(قلبي، أو هذا الجلمد الذي ما حنّ للنوافل المشرئبة لاحتواء الحزن، ولا غنّى لغير ليلاه المتسربلة بالحجر الكريم – وفي انعطافة السجيل الناكر – ما تفتّت إلا كي يمنح الحصوات العاشقة بردة الكلام – من قصيدة “قلبي” – ص 89).
أو :
(في نادي الببغاوات استراحت كلماتي قليلا ثم اعترضت كاحتجاج الديكة على الليل الرفيق. وعلنت فجرها الدستوري. ثم استلقت على القش الباذخ متمرغة بهبائها الذي تأنسُ حتى يجتاحها الوسن.. إلخ – من قصيدة “نادي الببغاوات” – ص 55).
إن ما يقدمه إبراهيم هنا هو “حكي” شعري إذا جاز التعبير يمضي سطورا متتابعة كلمة إثر كلمة في إنسيابية نثرية لا تتوفر على الخصائص المركزية التي تجعل النص النثري “قصيدة نثر” من تكثيف وتركيز ومفاجأة وإدهاش وصور صادمة وغيرها. فالسطور ممتدة ومتصلة لا يشفع لها قيام الشاعر بفصلها إلى وحدات لتصبح صورا وأبيات كالتي نعهدها في قصيدة النثر المعتادة.
ملاحظة إدارية:
————–
لنسمّها ملاحظة إدارية إذا ساغ الوصف. فقبل الإحتلال كان الأدباء يستهجنون أن يُنتخب شخص لإدارة الإتحاد ليس لديه مجموعة شعرية أو قصصية أو كتاب نقدي مثلا ، ويعدّون ذلك من الشروط الأساسية التي تعني أن العضو المنتخب له حضوره الإبداعي الموثّق. وها هو صديقنا إبراهيم يُصدر مجموعته الشعرية الأولى بعد سنوات من انتخابه في مجلس إدارة الإتحاد. ولا أعلم ما هو وجه الربط بين الإدارة الناجحة والمجموعة الشعرية، ففي الإنتخابات الأولى التي أعقبت الإحتلال انتخب الأدباء العراقيون “مذيعا” لقيادتهم وليست لديه مجموعة شعرية لكنه كان ناجحا إداريا.
بين لغة إبراهيم .. ولغة السياب العظيم:
————————————–
حمل الغلاف الأخير رأيا للناقد “فاضل ثامر” قال فيه : (إبراهيم الخياط شاعر يمتلك صوتا مميزا بين أقرانه؛ شاعر يذكرني بالسياب وبسعدي يوسف، فهو يمتلك ناصية اللغة ويجعلها تتصدر التجربة الشعرية . ولغته تراثية أنيقة قلما يقترب منها شاعر مُحدث ؛ ربما فعل ذلك السياب ؛ لغة قد تكون “جواهرية” في نصاعتها وإشراقها . هو شاعر مهموم بالحياة ؛ مهموم بالقضية، مسكون بحب الوطن، بحب الأرض، ولذا تجده دائما يقيم هذه الحوارية بينه وبين المستقبل، بينه وبين الآخر، بينه وبين الإنسان في تدفق شعري قلما تجده بين مجايليه من الشعراء. إنه تجربة شعرية خاصة بحاجة إلى معاينة) .
إن من حق الناقد فاضل ثامر أن يكوّن رأيا في تجربة إبراهيم الخياط ، مثلما من حقّنا أن نكوّن رأيا مقابلا، ونحاكم تجربة الشاعر من خلال نتاجه الذي بين أيدينا وهو مجموعته الشعرية الأولى هذه. من يقرأ المجموعة، حتى لو قراءة سريعة وسطحية، سيجد أن لغة إبراهيم ليست تراثية ولا هي “جواهرية”. هي لغة قريبة من لغة الخطاب الشعري الشائع الذي نقرأه يوميا في الصحافة الأدبية. ولكي تصل إلى لغة السياب العظيم فهي لغة بحاجة إلى مران وصقل وسهر وكدّ هائل. إنها لغة وإمكانات المجموعة الشعرية الأولى بتجريبيتها وهناتها المشروعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *