الرئيسية » مقالات » خالد خضير الصالحيّ:الحقيقة المحيطية،والباب الموارب..

خالد خضير الصالحيّ:الحقيقة المحيطية،والباب الموارب..

إشارة : يذكرنا الناقد ( خالد خضير الصالحي ) بجانب من المنجز الهائل للمبدع الراحل ( شاكر حسن آل سعيد ) .. ولا نعلم متى تتخلى المؤسسات الثقافية العراقية عن شعارها ( الطاح راح ) !!
شاكر حسن آل سعيد

الحقيقة المحيطية
والباب الموارب

khaled_khdaier استغرقت مرحلة (فن الحقيقة المحيطية) من الجهد النقدي لشاكر حسين آل سعيد قرابة ربع عقد من الزمن فحينما نشر مقالته المهمة والتأسيسية (تجربة الحقيقة المحيطية في الفن العراقي) في صحيفة الجمهورية 29/6/1985 كتب فيها ان تلك التجربة تهدف الى (العمل ضمن إطار المحيط أو البيئة عبر رموز ينتشلها الرسام من المحيط نفسه، من العالم الخارجي الذي يحيط الذات، ويصبح هدفاً يحاول الفنان ان يجسده في عمله الفني ، فهو موضوعه الأساس، وهو عالمه الذي يستخرج منه مفرداته التشكيلية vocabulary ولقيادته fragments . وقد بدا ش . آل سعيد وقتذاك وكأنه كان يهدف بدعوته تلك، الى فن يعود الى المحيط الى البيئة بينما كان يؤكد أن الحقيقة لا يمكن ان تتم إلا من خلال فن (يبتديء من الذات مستهدفاً العالم) فكان يبدو وكأنه يدعو الى نمط من الفن التعبيري الذي هيمن على رسم الثمانينات العراقي بسبب اهوال الحروب التي كان يمر بها العراقيون، وهي ذاتها الظروف التي نشأت فيها التعبيريات المعروفة.
أن شاكر حسن آل سعيد، وبما عرف عنه من رغبة في مسك كل شيء بقبضة واحدة، لم يترك لإتجاهه التجريدي إلا ان يكتسب الشرعية من خلال (الانطلاق من الوعي التجريدي abstraction واختزال الأشكال الطبيعية الى أشكال هندسية تمثل المحيط نفسه أو بعض أجزائه وقيمه values ) ويعتبرها آل سعيد (مفردات أبجدية يستطيع بواسطتها (بناء) منظومته) فكان يبدو في المحصلة النهائية ناقداً طامحاً الى تأسيس رؤية قادرة على ان تضع التشخيص والتجريد معا تحت سلطته التفسيرية ، فحيثما كان آل سعيد يتجه، كان يترك لنفسه جسرا للعودة الى الطرف الآخر من الفن ( = الرسم ) فحينما أدار ظهره للفن المشخص الى الأبد، واتجه بكليته الى أقصى مديات التجريد مقتفياً خطى عدد من الرسامين أهمهم الفرنسي تابيه، كان قد ترك الباب موارباً يطل منه الى عشقه الأثير التراث، من خلال الفكر الصوفي الذي بدا وكأنه الصلة الوحيدة التي يمكن لها أن تترك الوشائج حية مع التراث، وبذلك فقد كانت ستراتيجيته ثابتة لم يغيرها منذ الخمسينيات : الاتجاه نحو الاختزال ومن ثم نحو التجريد اللامشخص بما يحقق البحث في شيئية اللوحة فيما يخص بحثه في سطح اللوحة بينما كان التنظير ل(مشخصات) الواقع (= التراث) يتم على الورق، فكان هدف ذلك التنظير في النهاية، (دعم) التجربة وان يكن من خارجها، مما جعل تجربته تعيش محنة حقيقة استمرت طيلة حياته.
ففي الوقت الذي كان يطمح لإعادة الصلة مع التراث الصوفي من خلال الكتابة، كان يدعو في الوقت ذاته الى الاشتغال على (الواقع المادي الشيئي) للوحة وهو (الخامة) ذاتها ، حتى ان صنّف تجربة كتجربة عبد القادر الرسام على أنها تنتمي بدرجة او بأخرى الى فن الحقيقة المحيطية من خلال (اتخاذ رسوم الغمامات والأجواء الفضائية الرحبة في أعماله وسائل للتعبير عن رؤيته المحيطية) مع ان عبد القادر الرسام (لم يتوخّاها لذاتها) .
لقد كان شاكر حسن آل سعيد يعيد قراءة الرسم العراقيّ، وربما تاريخ الرسم العراقي كذلك، في كل مرة طبقاً لمتجه اشتغالي يهيمن على تجربته التنظيرية، فقد أعاد في ثمانينيات القرن الماضي، قراءة تجربة الرسم العراقي وفق مفهومه (فن الحقيقة المحيطية) فصنف رؤية كل رسام طبقاً لذلك فكان رافع الناصري عنده مهتماً بالسحنة الخلوية، وبناء العمل الفني من خلال خط الأفق الذي يختزل شكل الطبيعة موحياً بأجواء صحراوية بينما اعتبر اهتمام سلمان عباس (بالأجواء التراثية منها متأملاً القباب، والمآذن، وكف العباس، وهي تبدو مختلطة بكتابات وزخارف وبنود). وكان سالم الدباغ يتمسك (بالشكل المربع) أساساً لرؤيته الفنية، فيجد في نقاوة الألوان غايته من التجريد حتى يبدو وكأنه كان يتخذ من كل ذلك ما يوحي بمعنى العدم اوالعماء فلجأ الى (السحنة الملمسية للأرض والجدار) وقد (أنهمك مهر الدين بالبحث المحيطي باستخدامه الكتابات والإشارات كالاسم والدوائر ورسوم الأطفال وما الى ذلك من مفردات أو لقى) وكان هاشم الطويل مهووساً (بالكتابات السحرية القديمة بخاماتها الورقية، وربما الجلدية (محيطياً) بالمفهوم الماورائي لهذا المعنى) وكان لعجيل مزهر، وهو رسام ستيني من البصرة اهتمامات بالملمس Texture تطورت في مديات مدينته البصرة لدى فاروق حسن ، محمد مهر الدين وشوكت الربيعي.
وهكذا نجد آل سعيد يبني تجربته في الرسم والنقد على نمطين من التعامل مع المنجز تعامل موضوعاتي دلالي وتعامل شيئي، حتى أنه يؤكد في المقال ذاته افتتانه (بقيمة الجدار) (كمرآة تعكس واقع الحياة الإنسانية الحضارية اليومية) بينما يستدرك (ان هذا الاستقصاء ظل مرتبطاً (بالخامة اللونية) لذاتها، أي بالواقع المادي الشيئي للمعطيات وليس (بواقعها الاعتباري) فحسب فكان استخدمه للخامات اللونية المعروفة ولمواد الفن المعماري كالأسمنت والجص و للأصباغ المنفوثة و(للفضاء الفعلي) كفراغ او شقوق أو فوهات. وبذلك يتضح ان فن (الحقيقة المحيطية) الذي بشر به آل سعيد إبان عقد الثمانينات كان حاله كحال كل منجز آل سعيد، مركباً من جناحين : جناح نقدي يتواشج مع الصوفيات والأساطير ونحوها، وجناح حداثي شيئي يتفهّم اللوحة باعتبارها واقعاً مادياً شيئياً لم يكن موضوعها الا مناسبة لوضع المادة (=اللون وكل المؤثرات المادية الملمسية) على سطح اللوحة.

الصور المرفقة بالمقال (اضغط على الصورة لرؤيتها بحجمها الطبيعي)

2 تعليقان

  1. وديع شامخ

    يُعد الناقد خالد خضير من الكتاب القلائل الذين تابعوا بجدية ومثابرة عاليتين المشهد الابداعي العراقي وخاصة في الحقل التشكيلي ، إذ ساهم بشكل مؤثر في الاشارة الى تجارب التشكيلين العراقيين والعرب ، وكان دقيقا في التشخيص وملما في التفاصيل الدقيقية لتلك التجارب ، كما انه اشار الى جهد الشباب وافرد مقالات كثيرة لمتابعة تجاربهم واسهاماتهم في المشهد الابداعي العراقي . كما ان خالدا متعدد المواهب فهو رسام وشاعر وناقد وشطرنجي ماهر …
    مرحى للصديق الناقد المبدع خالد خضير على صفحات الناقد العراقي

  2. اشكرك اخي المبدع وديع شامخ
    وارجو ان تكون في احسن حالاتك الابداعية
    كما انت دوما

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *