الرئيسية » ملفات » المبدع العراقي الكبير سلمان داود محمد : رأيتُ العراق الذي يبلغ من العمر آلاف السنين يتحول إلى لحظة عمرها آلاف القنابل .. (ملف/39)

المبدع العراقي الكبير سلمان داود محمد : رأيتُ العراق الذي يبلغ من العمر آلاف السنين يتحول إلى لحظة عمرها آلاف القنابل .. (ملف/39)

إشارة :
سلمان داود محمّد – وببساطة شديدة جدا ولكن معقّدة – هو “عاهة إبليس” في المشهد الشعري الراهن ؛ العراقي – وحتى العربي لو هيّأ له الأخوة النقّاد “الأعدقاء” فرص الانتشار. وكمحاولة في إشاعة فهم بصمة روحه الشعرية المُميزة الفذّة التي طبعها على خارطة الشعر ، ارتأت أسرة موقع الناقد العراقي الاحتفاء به عبر هذا الملف الذي تدعو الأحبة الكتاب والقرّاء إلى إغنائه بالدراسات والمقالات والصور والوثائق.. تحية لسلمان داود محمد.

المبدع العراقي الكبير سلمان داود محمد :
رأيت العراق الذي يبلغ من العمر آلاف السنين
يتحول إلى لحظة عمرها آلاف القنابل ..

بغداد ـ حوار (الوطن):
بدءأ من (غيوم ارضية) و(علامتي الفارقة) رسخ الشاعر سلمان داود محمد حضوره في المشهد الشعري العراقي، قصائده تقطر دماً، وصف أطلقه أحد النقاد على الشاعر، لأنها أغلب ما كتبه جاء تعبيراً عبر تجربة خوضه حربين، وهاهو يعيش الآن محنة الإحتلال، التي جعلت قصائده تنزف هذه المرة بدون انقطاع.

• أخطر اللحظات التي مرت على حياتك أثناء الحرب الأخيرة على العراق؟

** كانت المخاطر بعدد نفوس البلاد، تتخبط وتتسرب عبر عقارب البوصلة الراعشة بدورانها على مدار الساعة، فرأيت حينها بلداُ مثل العراق الذي يبلغ من العمر آلاف السنين من المعرفة والسلام يتحول فجأة الى (لحظة) تبلغ من العمر آلاف القنابل والدبابات والعساكر المدججة بمبيدات الجمال والطمأنينة والمستقبل بذريعة تحرير سكان بلاد ما بين النهرين من التعسف والفقر والطغاة بإدارة انكلو أميركية لاتقل بشاعة وسوءاً من هذا التعسف وذاك الفقر واولئك الطغاة الذين سلموا راية التكالب على ينابيع النفط لبعضهم البعض وتركوا الرعاع المتفشية في الأمة العراقية منشغلة بالـ (تفكيكية) أي تفكيك أوصال أعظم نص انتجه رحم الأرض وأعني به (العراق) من خلال السطو والحرائق والبطش بالمتاحف والمكتبات وما تبقى من براعم تلوّح بثمرات ربما ستبلسم حشود الجراح المترامية على نبض البهاء العراقي الرازح تحت أذى أكثر من ثلاثة عقود من البساطيل القابعة فوق الأنفاس، ونزع فتيل التوثب نحو الإزدهار ومحايثة العالم في مزاولة التنافذ المعرفي والإنساني على جادة البناء وتعزيز الآصرة بين النور العراقي وأقرانه في البلدان المتحضرة الأخرى..نعم رأيت الجميع يتواطأ مع الجميع وعلى الجميع وكانت (أضحية) هذا الكرنفال الجحيمي اولئك (الناس) الذين انبثقوا من جينات هذا التراب وقد تحملوا وطأة الأثمان كاملة دون أن يتسابقوا على (الغنائم).

* بعد انتهاء الحرب بماذا كنت تفكر وأنت ترى أول دبابة أميركية في شوارع بغداد؟

** لو قدر لك أن تعيد إنتاج السؤال وتصوبه نحو الشاعر الأميركي (والت ويتمان) بصيغة مؤداها ياسيد ويتمان بماذا تفكر وأنت ترى الدبابة العراقية تصول وتجول في شوارع – مانهاتن- ؟ يقينا أنه سيطير كالسحاب الى حيث تلك الشعلة الممسوكة بيد ذلك الوثن الذي يرمز للإنعتاق في أميركا ويبول عليها، ليتفرغ بعد ذلك محبطاُ للنقد والتنظير على خربشات الطواطم المتفاقمة في أنطولوجيا الكلام الغابر، ويضيع ، أما بشأن سؤالك ربما كنت أفكر وأنا أشاهد أول دبابة أميركية تتسكع في شوارع بغداد، فهذا يستدعي أن ازرع في الذاكرة رماناً (يدوياً) لكي تتشظى تلك الأفكار التي داهمتني لحظة ذاك والتي تنص على أن (الشعر السيء) الذي آخذ بالزحف نحو(جواد سليم) لإطلاق رصاصة اللارحمة على الحصان الشعري الصاهل في (الباب الشرقي من الروح) ، وأن الذي أتى بهذا الشيء من الشعر هو (روائي من الطراز الأوحد) بحسب أطاريح النقاد (الصيارفة).
وأتذكر أيضاً تلك الخطوات التي اخذتني مسحوباً من خرابي الى (حديقة الأمة) باعتبارها مشفى الذين فقدوا نعمة (الكلوروفيل) وترحاب الفنادق، وبوصفها كذلك مرصداً لإكتشاف دبيب الجرح في غرة العواصم، فرأيتني عند ذاك محتمياً بمهابة رمز الأم وضفيرتها المقدودة هيبتها من الحجر العراقي الكريم، لقد انثلما من فرط ذهولي والسؤال لماذا العالم دوماً يزرع في رأسي قنابل يدوية ، لم تكن الإجابة كما تشتهي علامات التعجب، بل كانت على قدر عال من البطء كهمهمات الشخوص القاطنة في (نصب الحرية) وجدارية (فائق حسن) وقد أدار كل منهما ظهره لسكان الحديقة الثلاثة (الأم الرخامية وطفلها الحجري وذاكرتي) التي أمسكت بمخالبها تلك الأغنية البغدادية : ( راح حبنا وإنتهى ذاك الزمان )، مجتهداً بإعادة صياغتها وفحواها تناغما مع طنين (المارينز) السيء بإمتياز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *