كريم الثوري : سعدية السماوي تحاكم زرادشت، أضواء على مسرحية حاكم المقبرة

تعرية الهالة المقدسة  الهابطة من علياء الحكمة المترفعة ، مُدّعية حمل رسالة الجبروت الأعظم ، على لسان المتنبي زرادشت وهو يحاكم أربعة أموات ، شارة البدء التي انطلقت منها الباحثة سعدية السماوي في مسرحيتها التهكمية / حاكم المقبرة / فمنذ الإستهلال الأول وقبل الخوض في غمار المحاكمة ، تبرق في وجوهنا تخريجة تضعنا في قلب الحدث وهي تقول : ( عندما يُنصب الإنسان محكمة لنفسه… فسوف يحاكم على أنه مذنب حتى لو لم تكن هناك جناية ) متهمة حَمَلّة النصوص المقدسة عبر الناقل التي تلبس بلباس القدسية ، وقد اتخذ رأس الحكمة  مطيّة ، المتنبي زرادشت .

ولو تمعنا في تفكيك هذه الحكمة ،  نتلمس  الإتهام  موجها  لنا جميعا ،  ليس لأننا لم ننصب محاكم نقدية لذواتنا وهو سلوك تتطلبها السليقة السويّة ، بل ولأننا تلبستنا العادات التراكمية الجاهزة في تنصيب محاكم لغيرنا ، لدرجة صرنا نتماشى بالجملة مع اللونين الأبيض  والأسود .
ترى ما الرسالة الحقيقية التي دفعت باحثة علم النفس سعدية السماوي لخوض غمارها مدفوعة بشكوكها وظنونها  حينما استدعت إلى تجربتها المسرحية  وجها لوجه ،أربعة من أبطال المقابر الوهميين ، لتقديم كشف حساباتهم  أمام  المتنبي زرادشت ، هم ، / الجندي ، المومس ، القبطان ، الفتاة  /  مأخوذين بمحاورة مصاديق زرادشت في طريقة لا تخلو من السخرية  لدرجة جعلت القارئ في حيرة من امره ، بخصوص مَن يحاكم مَن ،  فتحولت وقائع الإدانة  في قفص الإتهام لمراجعة صارمة طالت المقدسات الهابطة بظِلاله، لتخرج في نهاية المطاف حكمة الأموات هي المنتصرة ، أما لماذا الأموات ؟ سؤال يقودنا إلى عدة مفاصل مهمة في سياق النص يقف في المقدمة منها :
دعوة مبطنة من قبل كاتبة المسرحية سعدية السماوي لخلق تدافع بين عالم الحياة وعالم الممات بالمعنى التأويلي ، من خلال إستثارة القارئ لتقريب حلول يوم القيامة كما لو أنه قد حصل فعلا  ، فمكانة زرادشت وهو يحاسبهم متلبسا بلباس الثواب والعقاب ، الخطأ والصواب ، وما ينتظر العبد الخطآء الأثم من أجوبة محتملة ، ليحتدم الصراع على أشده بين منظومتين ، منظومة الصواب بقيادة زرادشت ومنظومة الخطأ بزمام أبطال المقابر.

حاكـم المقبـرة
عندما ينصب الإنسان محكمة لنفسه .. فسوف يحاكم على انه مذنب حتى وان لم تكن هناك جناية   
الوقت ليلا.. والإضاءة على الأشخاص فقط.                                               
مقبرة أسماء على القبور مع الألقاب، يدخل زرادشت بثوب ابيض وينظر للقبور ضاربا قبرا تلو القبر صائحاً :       
زرادشت: استيقظوا ..انهضوا..لقد أن الأوان لان نتحدث..لان نتحاسب.. لقد أن الأوان.. انت..                                                              
(يضرب بعصاه قبرا)
   
  أبعاد خشبة المسرح :
كيف يمكننا أن نتخيل مقبرة في الليل ؟ 

المقبرة والليل رديفان متلازمان ، إذ لا يمكن أن نتخيل المقبرة في النهار ،  لكنها الأضواء الكاشفة المسلطة على الأشخاص في مسرح المقبرة ، في إشارة إلى  يوم قيامة الإستجواب ،   يوم يفز الأموات وقد عادت اليهم الحياة ، بقدرة حاكم البعث والنشور ، زرادشت كما في الوقائع المسرحية .
المخرج على طريقة الكاتبة السماوي أعطى لزرادشت لباسا أبيض  وهو دالة مشروعية القداسة ،  تعيدنا الصورة الواردة على لسان الفقرة الأولى لزرادشت وهو يضرب القبور بعصاه ، إلى عظيم الجريمة  التي ارتكبها هولاء الأربعة ، وإلا لتعاملت الرحمة بطريقة أخرى ،  فلابد من توفر الدلائل الجرمية لهكذا تعامل حشن مفزز .
                                                  
– انهض أيها الجندي..      
(ينهض الجندي متثائبا وصدره ينزف على بدلته العسكرية)
الجندي:ماذا تريد أيها الرجل.. أه أسف ماذا تريد أيها المتنبئ ؟
.. ألست زرادشت ؟                 
زرادشت:نعم أنا زرادشت.
الجندي:ماذا تريد أيها المتنبئ الذي حفظ أقوال الرب وتخلص من الذنب وخلص نفسه.
زرادشت:أريد ان أسمعكم وتسمعوني هذه الليلة..                        
الجندي:أسمعك ؟..ماذا ستقول؟ الجنة والنار ..الثواب والعقاب..الحسنة  والسيئة؟..الغضب والمغفرة؟                                             
ماذا ستقول أيها المتنبئ ؟..أنت نفسك لا تدرك سعة تلك المصطلحات. 
زرادشت بسخرية :ماذا تعني برأيك ؟                                     
الجندي:هل تعرف ماذا يعني الذنب ؟..انك دون ذنب لا تستطيع أن تسمي نفسك إنسان ودون هذه الصفة تفقد إنسانيتك أجمل مصطلح قد أطلق عليها منذ ألاف السنين.
زرادشت:وهل تعلم أنت ماذا يعني الثواب؟                                
الجندي: نعم اعلم..حيوان جائع  تعطيه طعاماً فيسير إلى حيث تريد دون إرادة .. بافلوف جربه على كلبه والحكام يستعملونه معنا في كل لحظة.                    
زردشت :آه.. كم انتم غريبو الأطوار .. لاتريدون الاعتراف بكونكم  حفنة من تراب تأكلها السيول أخيراَ كما تأكل صخرات الشاطئ (يوجه كلامه للقبور الأخرى) انظروا أيها البلهاء كم انتم واطئون ..الكل يطأكم الإنسان والحيوان..العقل والمجنون ..الغني والفقير..الكل يسير على ما بقي من أجسادكم دون أدنى شعور بالخطيئة أو بالذنب.
الجندي: وأنت لا تفرح ولا يغرك الاستقرار.. فالدنيا ليست بدار قرار..بل هي محطة صغيرة   لحافلة مسرعة..من الغباء الفرح بها أو الحزن لاجلها.                  
زرادشت: إذا كنت تعلم ذلك فلما لم تتزود منها بما يقيك شر ما ستلاقي؟
الجندي: مهلا.. نسيت ان أقول إنها دار إغراء ونزوة ايظاً..انها غادة تضمك إلى صدرها كل لحظة ، فتشعرك بالأمان فتتوقف عقارب الساعة ويعم السكون ألا من دقات قلبك تلك هي الدنيا .                               
زرادشت:ولأجلها حاربت وقتلت؟   
الجندي :لأجل وطني .. حافظت عليه.                                      
زرادشت:ممن؟                                      
الجندي:من الغاصبين.                                                      
زرادشت:وهل هم بشر؟                                                     
الجندي:يالذكاؤك.. طبعا هم بشر.                                          
زرادشت:الا تكفيكم الأرض بطولها وعرضها .. تتقاتلون على بقعة صغيرة منها وانتم تعلمون مسبقاً إنكم مجرد ورثة ومستورثة ايظاً.. وبقائكم مهما طال عليها ، قصير، لم تتقاتلون وكأن الأرض لا تتسع لاثنين؟ 
الجندي:والسلام.. نحن نحارب ل… (مقاطعة)

شخصيات الحوار :
الجندي/
من يحاكم من ؟ زرادشت الناطق بإسم المشيئة وهي تلوح بعصاها ، أم الجندي الذي وهب حياته من أجل ترسيخ قيم المشيئة الزرادشتية ! /  الفداء ، التضحية ، التفاني ، حماية أعراض ومقدرات الوطن من هجمات الأعداء …/  شبهة المحاكمة هنا تقف على مفترقي طرق أسئلة تطرح نفسها  من خلال حوار الجندي وزرادشت ، وقبل التطرق إلى بعض حيثيات الحوار ، لأبد من التنبيه لفيصل مهم ورد في بداية الحوار ، وهو سؤال الإستخفاف حينما وقع بصره وناداه : الست زرادشت ؟
كيف عرف الجندي بأن محاوره هو المتنبي زرادشت ؟ هذه الإلتفاتة الذكية من قبل الكاتبة سعدية السماوي ذو دلالة موحية إذ كيف يعرف الإنسان محاورا سماويا  رفيع المستوى – تحديدا زرادشت  – وهو لم يره من قبل وما هذه السخرية الإستعلائية المنبعثة من مقاتل مازال ينزف دما إزاء قدرة مازلت تستخف به ، وتحاسبه حتى وهو ميت ؟

يقول الجندي في مفصل الذنب/
الجندي:هل تعرف ماذا يعني الذنب ؟..انك دون ذنب لا تستطيع أن تسمي نفسك إنسان ودون هذه الصفة تفقد إنسانيتك أجمل مصطلح قد أطلق عليها منذ ألاف السنين.
فيجيبه زرادشت : 
زرادشت:وهل تعلم أنت ماذا يعني الثواب؟     
الصراع يبدو هنا بين مفهومين متناقضين ،حول تحديد معنى الإنسانية  ، ما يحول بين الأثنين ، لم يستطع المتنبي زرادشت من الوصول إليه ، لتجرده من نوازع الإنسان ، كونه مخلوقا نورانيا ، لذلك هو يتكلم بلغة متعالية وقد انتزعت منه المشيئة مخالب الخطيئة، التجريد هنا اتاح له أن يقفز على ما يعرف بالمراحل التي يتعلل بها الإنسان ، فهو يريد من الجندي أن يصبح نبيا على طريقته ، مثله الأب الذي ينصح إبنه ، يريد أن يختصر تجربة إبنه ولكن هيهات ، هذا يعود بنا إلى النص القراني في سورة البقرة حينما أمر الباري تعالى الملائكة أن يسجدوا لأدم ، فأبوا قائلين : أتجعل فيها من يقتل ويسفك  الدماء ونحن نسبح بحمدك .  الخطاب هنا ناتج عن جهل لكونهم منزوعي الخطيئة ، المحاسبة التي استخف بها الجندي وهو يكلم زرادشت ، تقودنا إلى الإستهانة والتقليل  فيما يمكن وصفه بإلوهية الكوادر الوسطية الموكلة بين الإله الحق وبني البشر
وهذا المعنى المهم يدلنا سياسيا واجتماعيا لمعاينة موضوعية تُشكك في الغالب باولئك الموكلين بيننا وبين أولي القرارات المهمة – من المخلصين – ، وتُحملهُم جلّ الفساد الذي يعترينا إلى يومنا هذا ، كونهم يؤلهون أنفسهم  بإسم الإله ، نراها تخريجة  موفقة استطاعت الكاتبة السماوي أن تسوقها الينا عبر هذا الحوار .
زرادشت:الا تكفيكم الأرض بطولها وعرضها .. تتقاتلون على بقعة صغيرة منها وانتم تعلمون مسبقاً إنكم مجرد ورثة ومستورثة ايظاً.. وبقائكم مهما طال عليها ، قصير، لم تتقاتلون وكأن الأرض لا تتسع لاثنين؟ 
الجندي:والسلام.. نحن نحارب ل… (مقاطعة)

مهدت لنا سعدية السماوي بذكاء من خلال ( مقاطعة ) إلى أهم مفاصل شخوص المسرحية وهي المومس ، فالسقف التهكمي ومساحة الحرية والغضب التي تمتلكها أعلى سقفا  لكونها أكثر الناس عرضة للأذى وأكثرهم تضحية من خلال إسعاد المغلوبين على امرهم بعد تعطيل طاقاتهم الجنسية بفعل مثبطات السائد والرتيب – حسب الحوار – لتنطلق المعركة الحقيقية كما سنرى ذلك من خلال حوار المومس وزرادشت :
             (تنهض مومس من قبرها منزعجة .. تقول بكسل)          
المومس:ما هذه الضجة..أكاد اجن..في العالم الأول ضجيج والأخر ضجيج أيضاً؟ ..أنها حياة لا تساوي قرشا حقا.                          
الجندي:أهلا بجارتي المومس اللطيفة.                                    
زردشت :(متمتماً )المومس تشكو من الضجيج.. وهي من بعض أدوات الضجيج..هل تريدين المغفرة أيتها المراة..هل تطلبين الصفح من الرب؟                              
لمومس :(متسائلة) انا..؟ لم اطلب الصفح ؟.. هل فعلت مكروها ؟                      
زرادشت:الا تعلمين ذلك ؟ نعم لقد فعلت مكروهاً .. لقد جعلت بعض الرجال يلهثون وراؤك كالحيوانات.. وأخيرا يرمون ببذورهم بسلة المهملات .                  
المومس:إني أخلصهم من إتعابهم.. هم يرمون بأتعابهم على كاهلي .. ويأخذون الخطيئة التي يرمونها من نوافذ بيوتهم حال الوصول إليها.   
زرادشت:     (صامتا يصغي إليها )                                       
المومس:(بابتسامة )المومسات ..أناس شرفاء..يمنحون الرجال رغبة مشبعة . . الرجال الذين يأتون ألي اغلبهم يشكون من نساء قاحلات لا تثير في الرجل فحولته ، لذا .. فمهمتي إنسانية أوديها بشرف .

2 / المؤمس
(تنهض مومس من قبرها منزعجة .. تقول بكسل)         
انزعاج المؤمس مرده تضايقها من دونية الحوار قبل أن تلتحق به ، فهو لم يرتق  لدرجة الإكتشافات الخطيرة التي مرت بها ، ولا بمستويات البوح وقد تعدى كل درجات التقيّة ، لذلك أول من رحب بها هو لصيق قبرها الجندي ، أراد الإستعانة بها على  مكر زرادشت  ، لكونها الخاسر الأكبر في محصلة الدنيا والآخرة ، لذلك نادها :أهلا بجارتي المومس اللطيفة. ، واللطافة من حسن المعشر في أشد الأوقات ضيقا وحرجا .

زرادشت:     (صامتا يصغي إليها )     
وما إصغاء زرادشت سوى لإستيعاب البعد الأخر المخالف تماما ( في أوسخ بقع الدنيا ، المومس )   لا من باب  الإستزادة والمراجعة بل من باب إكتشاف ثغرة  تمكنه للإنقضاض عليها ، بإعتباره الملك المخوّل عن طريق الرب.  .
المومس:(بابتسامة )المومسات ..أناس شرفاء..يمنحون الرجال رغبة مشبعة . . الرجال الذين يأتون ألي اغلبهن يشكون من نساء قاحلات لا تثير في الرجل فحولته ، لذا .. فمهمتي إنسانية اؤديها بشرف .

وما أن نطقت جملتها الأخيرة ، حتى اربكته لدرجة اشركت مجتمعا  بخطيئتها ،  ينط كل يوم في حجرها ، فهي بعرفها تحاول أن تخلق معادلة إسعاد البشر الذين استجاروا بها ولم يستجيروا بالسماء لتخليصهم ، فما بخلت به قوانين السماء ، لم تبخل به هي. هذه اللغة لم يستسغها زرادشت فمحاسبتها يعني محاسبة العالم بأكمله وهو يمارس الخطيئة في وضح النهار  ، لذلك هرب منها إلى محدث آخر جثم على صدره ، وهو القبطان :
  
(يجلس زرادشت على قبر قبطان..فيتحرك القبطان ..رافعا رأسه , دافعاً زرادشت بغضب)                                                                        
 
القبطان:ابتعد لقد آذيتني ..ألا تعلم إن المياه تتشرب في جسدي ..كما تتشرب المياه في قطعة الأسفنج .. آه كم يثقلني ذلك؟                      
زرادشت:آسف أيها القبطان .. لقد نسيت أن اليوم هو يوم محاكمة الموتى وان الموتى في هذه اللحظة أحياء.                                       
القبطان:يوم محاكمة الموتى ؟.. وعلى ماذا ستحاكمني؟                 
زرادشت: مالذي جعلك تركب البحر وتقتل نفسك؟                        
القبطان:(يقهقه.. ثم يقطع قهقهته فجأة )..ركبت البحر يا سيدي ..لأني أريد أن أعيش، ستقول كيف؟..عندما اجمع اكبر قدر من اللآلئ..كحلية أو كهدية لامرأة أحبها قلبي..إلا تعلم أن الرجل يعمل كي يعيش وكي يرضي النساء؟       
زرادشت:الحب بعالمكم وهم لاتدركونه.                   
القبطان:الحياة ياعزيزي برمتها وهم والحب فيها غذاء الروح.. الغني يغنى به وحين يفتقر فهو يفتقر إليه .. آه ما أجمل إن يعيش بقلبك حبيبا فهو يدق كل أبواب روحك .. وأول تلك الأبواب,أبواب عقلك فيحولك من كائن متوحش إلى كائن أنيس , يحب الموسيقى والزهور والأطفال والناس وكل شئ قاتم تراه زاه كدنيا وردية.  
زرادشت : اركع أذن واطلب من الله المغفرة .
القبطان : سأطلب من الله المغفرة واقفاً
زرادشت : لماذا يا بني ؟
القبطان : الإنسان بدنياه راكع … وأنا سأقف أمام حاكم عادل , كبير بعطفه ويحب أن يقابل الناس وهم أعزاء. أليس كذلك ؟
زرادشت : نعم ولكن ذلك في الدنيا .
القبطان : نعم ولكن الرب واحد .

3 / القبطان                       
واهب الحكمة في بعديه أزرق البحر وأزرق السماء ، يفيض حبا فيشع محبة ، يبخل عليه زرادشت أن المحبة متهمة في الأرض مشوبة بالدنس ، ( زرادشت:الحب بعالمكم وهم لاتدركونه ) .   ، من هناك ابتدأ الصراع المفاهيمي على أشده بين  ( الحب ، المرأة ، السعادة ، الروح ، العقل ، الموت والحياة ) ،  وهو في حقيقة الأمر منظومة مفاهيم تمثل وجهة  نظر الكاتبة السماوي  بين رؤيتين تمثل الأولى السائد في العقائد الباطنية ، على لسان المنابر الوعظية ، وبين رؤية حداثوية لم تخرج بطبيعة الأمر عن المسار التنويري للخطاب الفلسفي الديني لذلك نرى في ختام المطاف يطالب المتنبي زرادشت القبطان بأن يركع ، ( زرادشت : اركع أذن واطلب من الله المغفرة ) .  وهي دالة على الطاعة العمياء ، اركع فقط ، ولا يهم ، اترك البقية ، ساطلب المغفرة من الرب ، لكن القبطان الذي خبَرَ الحكمة والصبر والتأمل الطويل  في مجاهيل البحار ، امتلك الشجاعة أيضا في أن يموت واقفا ، فما بين الدنيا والأخرة ربٌ واحد.
يضيق  الأفق برزادشت وقد تدنس بأفكار جدلية خبيرة ، وظفها القبطان ليس أخرا ، بإلإحتكام إلى الرب الواحد ، لذلك أختارت لنا الكاتبة السماوي التفاتة ذكية تمثل مهربا مطريا يمكن أن يُسهل المهمة على زرادشت ، لينقل أنباءه السعيدة إلى فتاة  جميلة باكية  على قبرها جزعِّة من غياب حبيبها ،  ليحتدم المشهد في حوار شامل جمع كل الأطراف دفعة واحدة ، في حشد وظفته سعدية السماوي من أجل الإنتصار ، إنتصار محاججة الإنسان ضد المنزلات المثالية التي لم تراع حالته .

(يلتفت زرادشت فيرى فتاة جميلة تجلس باكيه على قبرها … يقترب منها بهدوء قائلاً )
(وأنتِ يا بنتي … ألا تريدين المغفرة ؟… إذن اطلبيها من الرب )
(ترفع رأسها و تتكلف الابتسام له )
زرادشت : سأخبرك .. يا صغيرتي سأخبرك ينبأ جميل … ان من تحبين قد عاد من سفره .
(تنتبه الفتاة له فيكمل حديثه )
وحزن لأجلكِ كثيراً …
القبطان : (مقاطعة بسخرية ) ثم ؟
الجندي : نصحه الآخرين ان ينظر لنفسه .
زرادشت : (متذمراً ) دعوني أكمل … لا تقاطعوني ..
(للفتاة ) قد تزوج ورزقه الله غلا مبين … ألا تفرحين له ؟
(تبكي الفتاة بصمت … فتجيبها المومس ساخرة )
المومس : أفرحي يا عزيزتي .. لقد رزقه الله بغلامين ,, وأنت أصبحت بخبر كانَ … كصخور هذه المقبرة بعد جيل او جيلين تمحى ليرثها غيرنا .
(تبكي الفتاة بصوت عالٍ .. تقترب منها المومس قائلة )
أنظري كيف الرجال يحبون نساء … وينجبون من نساء أخريات .
4 / الفتاة
ربما يخيل للبعض بأن تخريجة الفتاة لم تشحنها الكاتبة السماوي بالشكل المضبوط  – الحلقة الأضعف -، لكن النكتة التي طلسمتها الكاتبة وظفتها في تواصل بوح  صمتها  الذي هو بوح العاجز عن الكلام  وكذلك  في نوبات البكاء إلى درجة النحيب – الصوت العالي – ،  في حظها العاثر ،  فقد تزوج حبيبها وأنجب غلامين من غيرها ، فالرسالة واضحة المعالم عبر شواهد  ما تم ذكره ، فما ارادت  الكاتبة ايصاله الينا ، هو سوء طالع الفتاة وهذا ينسحب إجمالا بالقياس على فتوة الزمن البخيل ، الفتاة إذن ، الجيل الفتي الضائع المحطم  في جنس حواء تحديدا ، وقد تلاعبت الأقدار في ظل سلطة العقل الذكوري ، الإنتظار الذي هو محصلة كونية بأت ملمحا أساسيا من ملامح إنهزام المعايير  الأخلاقية ، مسلما امره للقضاء والقدر ، كحال الفتاة  وهي تضع يدها على خدها بإنتظار الأنباء المحزنة .
حتى أن الأبطال الثلاثة تعاضدوا مع الفتاة ، ليباروا بحكمتهم الدنيوية حكمة المتجبر زرادشت  التي خذلت الفتاة ولم تراع  إنكسارها فزفت لها الأنباء السيئة – زواج وإنجاب حبيبها من غيرها – ، ولم تكف بذلك بل راحت تطلب منها التوبة ، بدل أن تنتصر لها في شكل مباركة ربانية تجمل من قدرها البخيل ، النحس

وصلة الختام :
يعز علينا اقتطاع أجزاء من الحوار الطويل في مسرحية الكاتبة سعدية السماوي ( حاكم المقبرة ) وذلك  لصعوبة إجمالها بالبحث في دراسة واحدة ، ولكنها الفكرة التي حاولنا توصيلها بالجهد المبذول ، إيمانا منا بما تم تناوله ، لنصل إلى المحطة الأخيرة من وراء حوار  الملك زرادشت المنزل من الإرادة الكونية مع ثلة من الأموات بعد بعث الروح فيهم في يوم حساب ، لنضع انفسنا أمام السؤال الكبير ، من هو زرادشت وهل يمثل حقيقة الإرادة السماوية السمحاء ؟ وكذلك السؤال عن معنى القبور والبعث والمحاكمة وحقيقة  الأشخاص الذين تمت محاكمتهم ؟ ولا نجد غير الإيهام الكبير الذي اوقعتنا به الكاتبة المقتدرة لتجعلنا في حوار دائم أثناء وبعد إنتهاء النص ، فكل ما حدث ويحدث لا يبدو أكثر من مسرحية تقع على مسرح الحياة ، وما شواهد القبور ، إلا حياة تسير بقدمين كالأجساد والبيوت والبنايات المتنقلة ، وهي تجتر أسئلة بلا إجابات ، سواء ما كان على طريقة السواد الأعظم من الناس أو من نصبوا  أنفسهم وكلاء عن الرب فراحوا يروجون مفاهيمهم الفقهية والأصولية ، يُكبلون البشر قبل أنفسهم ويحطون من قدر الرسائل السماوية القائمة على العفو التسامح ، الم يقل الله جل وعلا ( الخلق كلهم عيالي وأقربهم الي أرفقهم بعيالي ) ، من هنا زرادشت وغيره بكل ما يملك من سحر وجبروت رُد إلى عقر داره بعدما لقنه ويلقنه العقل الإنساني المنفتح بالفطرة والمعرفة إلى حقيقة ثنائية الخير والشر في حقيقة الرسائل السماوية التي هي أكبر من أن توظف شخصا ، كائنا من كان ، التكلم بالنيابة عنها .
(الجندي يشير إلى زرادشت في الجلوس على صخرة قبر قريبة منه )
اجلس يا زرادشت .. اجلس هنا كما يجلس الملوك واسمع فالملوك لا يفرضون أفكارهم فقط بل يتابعون أفكار العامة في بعض الأحيان يا سيدي.. يأتيك الشر أحياناً من خارج جلدك ويهز أركان نفسك ويجعلك تسير وراءه بخوف الجبناء وطاعة البهائم وتبعية الظالم . تلك هي دالة الشر .. يجعلنا نسير دون إرادة خلف من يقول لك أن قضيتنا عادلة وان الوطن يحتاج إلى دماء … لا يهم كم رأس يسقط المهم ان هناك رأس يعتليه معدن ثمين وكأننا جميعاً مدانون إلى ذلك المعدن الموضوع فوق جمجمة خاوية من محبة البشر ومحبة الأمان .
القبطان : لم نولد يا سيدي ملائكة بجنة الخلد ولم نخلق كحيوانات برية ولا كجرذان تعيش في الحفر وتقتات الفضلات والحشرات الأرضية .
بل ولدنا و فينا ملك يسعى للحصول على التاج وفينا عبد ذليل يسعى للتحرر من العبودية .. وفينا رجل تكمن في رجولته فحوله الرجال وشبق النساء فالرجال يريدون والنساء يردن والملائكة تريد والشياطين تريد …وساحة هذه المعارك تسمى البشرية .
زرادشت (ينهض):ألان وقد طلع الصباح وأسدلت الليلة أجفانها … وانتهى الحديث كما بدأ ….بشر وانتهى ببشرية  . منطق افتعلتموه .. وانتهيتم به … ولو خلقتم من جديد لبدأتهم به .
أحملوا ذنوبكم من جديد وسيروا لرب السماء .. فهو سيحاكمكم وهو من سيصدر أحكامه.
(يعود الجميع كل لقبره .. ليختفي فيه وأما زرادشت .. فقد أطبق راجعاً بعد أن رأى الجميع وقد اختفوا الأمن أنوار القاعة التي بدأت تختفي لتنير من جديد على مقبرة خاوية من الحياة )

ملاحظة أخيرة
من أين لنا بذلك الزمن الجميل ، زمن المسرح الفني الحديث ومسرح ستين كرسي ، المسرح القومي ، زمن الرواد الكبار ، عوني كرومي ، صلاح القصب ، بدري حسون فريد ، يوسف العاني ،  خليل شوقي ، جواد الأسدي ، إلى بقية الرواد لينتبهوا إلى هذه الطاقات الشابة ، يقفوا معها ويبلوروها ، هل ننعي أنفسنا ، أم ننعي المسرح العراقي الذي باتت احجاره الكريمة حكرا على المناسبات الباهتة ، أم ننعي الحياة الجامدة في عراق كل ما فيه ، سواد في سواد…
شكرا سعدية السماوي…

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| هاتف بشبوش : رماح بوبو، شجرٌ لاذقيٌ ، طالِعٌ من الشِعر ..جزءٌ ثانٍ .

في السجن كان الحلم يأتي كمالايريد قلبي ولاالسجان شفافاًوأبيض رأيت رفاقي يحملون دفاترا وأزهاراً ثم …

حــصـــــرياً بـمـوقـعــنـــــا
| هيثم محسن الجاسم : منظور الوطنية عند الروائي أحمد الجنديل في رواية ” الرمــــاد ” دراسة ذرائعية علمية (2/2) .

ب-موقفه من نوع هذا الواقع: بالتأكيد لا نأتي لتلك الحقبة جزافاً من دون راو ذكي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.