الرئيسية » ملفات » د. مثنى كاظم صادق : الاغتراب في شعر حسين مردان (ملف/5)

د. مثنى كاظم صادق : الاغتراب في شعر حسين مردان (ملف/5)

إشارة :
في العراق، وعبر مجموعته الصادمة قصائد عارية-1949 ، أكمل الشاعر الكبير حسين مردان ثورة الجسد “الحداثوية” التي بدأها نزار قباني في سوريا، ولم تُدرك قيمة ما أنجزه “النهضوية” مثلما لم تُقيّم بصورة صحيحة ريادته لقصيدة النثر في الأدب العربي (سمّاها نثر مركز؛ حين “يتركّز” النثر يصبح شعرا) حيث أصدر 6 مجموعات منذ عام 1951 قبل أن يُصدر الماغوط مجموعته الأولى عام 1956. أما في النقد فقد كانت اسلوبيته “ثورة” تختلف عن أساليب كتابة كل النقّاد الذين سبقوه وعاصروه وجاءوا بعده حتى يومنا هذا. كم هو الظلم الذي وقع “من ذوي القربى” على منجز مردان؟ تدعو اسرة موقع الناقد العراقي الأحبّة الكتّاب والقرّاء إلى إغناء ملفها عن الراحل الكبير بالمقالات والصور والوثائق.

الاغتراب في شعر حسين مردان
د. مثنى كاظم صادق
الاغتراب لغة : جاء في لسان العرب ( غَرَبَ ) أي : بَعُدَ و ( الغَرَب ) : الذهاب والتنحي عن الناس و( الغُربة والغُرب ) : النزوح عن الوطن و( الاغتراب والتغريب ) : النفي عن البلد. والدلالات في معظمها تذهب إلى معنى : التنحي / النوى / البعد / النزوح ….. تصب في ( الانفصال عن ) وهذا الانفصال عن يتم بإرادة ذاتية اختيارية .
الاغتراب اصطلاحاً : ( حالة نفسية اجتماعية تسيطر على الفرد فتجعله غريباً وبعيداً عن واقعه الاجتماعي ).
جذور الاغتراب : امتلك سقراط منذ صغره شعوراً حاداً وعميقاً بالاغتراب ؛ كونه عاشَ مغترباً بين أبناء بلده الذين أضمروا له الحقد والازدراء . اغتراب سقراط كان إدانةً حيةً للنظام الاجتماعي الذي كان يعيش فيه ؛ لذا حث تلاميذه على إعمال العقل في البحث عن الحقيقة وأن يجددوا في الموروث وكانت نهايته ارتشاف السم مجبراً وجاء تلميذه إفلاطون امتداداً لأستاذه في الاغتراب .
من أين يأتي الاغتراب ؟ يأتي من التكوين العقلي والنفسي للإنسان وأساس الاغتراب هو ديني ثقافي …. إن الإنسان يعي اغترابه جيداً ولاسيما إذا كان مثقفاً.
الصوفيون مغتربون ؛ لأنهم قاوموا السلطتين معاً سلطة الحاكم وسلطة النفس .. كما أن الشعراء الجاهليون عانوا الاغتراب بوقوفهم على الأطلال ، الصعاليك أيضاً اغتربوا عن تعاليم القبيلة.
في كلمات حسين مردان ولاسيما عتبات وإهداءات قصائده انفصال عن الذات وانكفائه على ذاته فهو يقول في إهدائه لذاته في ديوانه قصائد عارية : ( لم أحب شيئاً مثلما أحببت نفسي فإلى المارد الجبار الملتف بثياب الضباب إلى الشاعر الثائر والمفرك الحر إلى حسين مردان ….. من حياته الرهيبة ). ولعل من الطبيعي أن يهدي الشاعر لنفسه هذا الديوان الخطير الذي قاده إلى المحكمة لكن من غير الطبيعي أن يتعملق بهذا الشكل وأن هذا التعملق والاعتداد مرده إلى الشعور الحاد بالاغتراب القيمي عن المجتمع فجاء هذا الإهداء حتمية شعورية في عقله اللاواعي .
يسعى مردان إلى جر القارئ إلى الواقع العاري في قصائده العارية وعدم الهروب منه فيخاطبه قائلاً ومتحدياً : ( ولكن ثق أنك لا تفضلني على الرغم من قذارتي إلا بشيء وهو أني أحيا عارياً بينما تحيا ساتراً ذاتك بألف قناع ) فبروز المفاضلة هنا ذات دلالة اغترابية ولاسيما أنه جعل القارئ مستتراً عن ذاته بألف قناع وقد فضل القارئ على نفسه بهذه الفضيلة لكن حسين مردان له فضيلة تفوق فضيلة القارئ هو أنه عاش عارياً كما أراد هو لا كما أراد له المجتمع وبذلك أصبح مغترباً عن الجميع. ثمة انعكاسة اغترابية مهمة ومؤثرة هو اتكاء نصوصه على التبرم والسأم والفراغ والعبثية مما جعله يشعر ببراكين الثورة الروحية في داخله التي جعلته مغترباً حزيناً كارهاً لنفسه : من قصيدته براكين :
ضقت بالأرض والسماء فثوري
يابراكين نقمتي وشروري
ما حياتي ولم أجد في حياتي
غير حزن يذيب صم الصخور
ما حياتي وفجر عمري ولى
وكوت صفرت الذبول زهوري
ياليالي لم أكن غير خط
أسود اللون في جبين الدهور
فامسحي ظله الكريه ليفنى
عطر ذكراي في بطون العصور
ففي متنه هذا اعترافات بعدمية جدواه في هذه الحياة إذ يشعر من خلال التكرار المنفي لكلمة ماحياتي المحصورة بالحزن وذهاب فجر العمر وزهرة الشباب يشعر باغترابه عن هذا الوجود وبالنتيجة كرهه له … تلبست مردان الغربة النفسية التي تقترب من غربة المتنبي إذ يقول :
فلماذا نرى التقيَ شقياً
ونعيم الوجود للشريرِ
ياليالي باطل كل شيء
ليس غير الفراغ خلف القشور
فالفكرة هنا تمثل الاغتراب الجمعي المتسائل عن انقلاب الموازين في المجتمع.
يصرح الشاعر باغترابيته الذاتية وتوحده بصحبه من غير البشر : ( أبليس والكأس والماخور أصحابي ) إذ شعر مبكراً بالنفور من البشر إذا لو لم يكن الإحساس بالذات المغتربة لما طفت على السطح هذه الصحبة فهو مغترب حتى عن امه إذ يخاطبها قائلاً :
فدعيني أعيش وحدي غريباً
بين أحلام قلبي المستحيلة
فأحلام قلبه المستحيلة لم تتكيف مع البنية الاجتماعية يوماً فلم ينسجم معها فوحدته كانت محتومة لمجابهة العالم.
عدم جدوى الحياة جعله يخاطب الموت قائلاً :
فانثري يا مخالب الموت عمري
فوق أشلاء عالم مدمور
فهو يريد من عمره أن ينثر فوق هذا العالم المخرب فغايته أن يتسع عمره حتى بعد الموت !! والاتساع هنا جاء عن طريق التمزق بمخالب الموت الحادة.
يستدير الشاعر حول ذاته المتعملقة ويطوف حولها مما جعل هذا الطواف محفزاً للتصريح بأنه غريب بروحه وإحساسه وتأمله إذ يقول :
كل ما في الكون شيء تافهٌ
كل مافي الكون لا يعجبني
أنا في ذاتيَ سرٌ مغلقٌ
لا أرى في الناس من يفهمني
أنا شيء ! أنا لا شيء أنا
صرخةُ الأرض بناي الزمنِ
نلاحظ هنا أن يتطلع إلى ما لا يستطيع تحديده.
الاغتراب العاطفي عنده على نوعين الأول : الاغتراب عن عاطفته الحقيقية الخالدة في قلبه وأعني بها حبه الأول :
وجفتني التي عشقتُ فماتت
جذوة الخير والمنى في ضميري
فقد وصل الأمر أن طلب من الله قدرته لكي يخلق المرأة التي أحبها
آه يا ألهي هبني قدرتك لحظة
لخلق المرأة التي تستطيع أن تفهمني
أما الاغتراب العاطفي الآخر فهو اغترابه عن بنات الليل فكثيراً ما يخاطبهن في شعره بـــــ ( أخت روحي / أخت الروح / أختاه ) فيقول :
ياأخت روحي إن الحبَ مهزلةٌ
كبرى نهايتها بؤسٌ ومأساةٌ
وأزعم أنه شعر أنه مغترب عنهن جسدياً وعاطفياً وهذا ماجعله يخاطبهن بذلك فهو يشعر بالاغتراب العاطفي إذ لم يجد امرأةً تبادله الحبَ الذي أراد وتمنى في الواقع.
يستسلم أبو علي للقدر دون صراع منكفئاً على ذاته مغترباً عن كل ملذاته التي أحبها شاعراً بأنه قد خسر المعركة مع الحياة معترفاً بهذه الخسارة مصرحاً بوحدته المرعبة :
نهاية المطاف
لقد انتهى أمد الصراع
وآن لهذا القلب التعس
أن يموت بهدوء
لاحبَ بعد اليوم
لاخمرٌ ولا صخبٌ
لم يعد الليل لي
كان انحداري مرعباً
فلتكن وحدتي مرعبة
وأخيراً كان الشاعر حسين مردان جداراً بلا نافذة جاء وذهب لغزاً مغترباً فقد قال :
مثلما جئت سوف أذهب لغزاً
يحتويه الغموضُ والكتمانُ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *