الرئيسية » مقالات » احمد الكناني : حوار الفرعون … نادرة في الحوارات الشعرية

احمد الكناني : حوار الفرعون … نادرة في الحوارات الشعرية

حوار الفرعون … نادرة في الحوارات الشعرية
احمد الكناني

الحوارات الشعرية المستلهمة من النصوص الدينية دائما ما يكون لها وقعها الخاص ويكتب لها البقاء والتجدد في اغلب الأحيان ؛ ولعلها تلتمس الخلود من ذات النص الملهـِم ، وعند الكلام عن الحوارات الشعرية الخالدة تأتي في الطليعة رائعة ابي العلاء المعري في رسالة الغفران المستلهمة من قصة المعراج القرآنية.
شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء كان ملهما في صياغة حوارات الشعراء في الجنة، ومصدر الهامه قصة المعراج النبوي اذ كان قاب قوسين او ادنى من الملكوت الأعلى ، الِهامٌ جليّ في رسالة الغفران يظهر مدى تاثير الرحلة الليلية للنبي على صياغة الحوار بين الاعشى من جهة وبين الجعدين النابغة الجعدي والنابغة الذبياني من جهة اخرى؛ بسبك كاروع ما يكون الابداع الادبي او المسرحي..
اللغة الساخرة او الكوميديا في رسالة الغفران هي العنوان الاكبر الذي اختطه جمع غفير من الكتَاب والادباء عند دراستهم وتقييمهم لرسالة الغفران بمن فيهم عميد الادب العربي طه حسين عندما وصفها بأنها مليئة بالسخرية المؤلمة من الجن والملائكة جميعا. هذا في الشرق .
وفي الغرب تأتي في المقدمة ثلاثية الكوميديا الإلهية الجحيم والمطهر والجنة لدانتي أليفييري الذي وجد نفسه تِائها في غياهب ظلمات الغابة اذ يلتقي بالشاعر الروماني فيرجيل ويقوده الى العالم الآخر حيث الجحيم والعذاب وعالم الشياطين والمخلوقات الأخرى وتبدأ رحلة الخروج من الجحيم بمعية المنقذ فيرجيل.

وهنالك حوارية شعرية مستلهمة من قصة موسى وفرعون التوراتية القرآنية ستكون محور مقالتي اذ لم اجد من اشار اليها رغم أهميتها القصوى التي لا تقل أهمية عن رسالة الغفران والكوميديا الإلهية .
ولان حوارية الفرعون هذه كتبت بالفارسية فقد ظلت حبيسة لغتها ولم يلتفت اليها احد على الرغم ان مبدعها شاعر هو الأعظم في التاريخ .
جلال الدين الرومي في ديوانه المثنوي وفي القسم الثالث منه ينفرد بحوارية شعرية يتيمة المضمون وتعتبر من مختصاته ، حاول من خلالها استلهام الصراع بين موسى وفرعون في النص التوراتي القرآني وأجاد في طرح معتقداته الصوفية في إطار تلك الحوارية .
حوارية موسى وفرعون تبتدء عند إلقاء موسى لعصاه فأذا هي حية تسعى ، وتختتم بهزيمة فرعون ورهطه وإقرارهم بالهزيمة والإيمان برب موسى .
كل المعطيات تشير الى غلبة موسى بالمعجزة التي منحها إياه الرب اذ جعل من عصاه التي يتوكأ عليها ثعبان تلقف ما يأفكون ، والمنازلة الكبرى بين السحرة وموسى انتهت بأذعان السحرة وإيمانهم برب موسى وأتت على ما خطط له الفرعون من الوقيعة بموسى وأخيه وبني إسرائيل قاطبة :
فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ .

الحوار يبدأه فرعون كقبول بالهزيمة وإذعان بأنتصار موسى فيصوره الرومي بهذه الطريقة :

تو بدان غره مشو کش ساختی
در دل خلقان هراس انداختی

يخاطب فرعون موسى في هذين البيتين : بأن اثبات النبوة والقدرة بمعجزة الافعى هي في الواقع إلقاء للرعب في قلوب الخلق :
” در دل خلقان هراس انداختی ” .
تخويف المصريين في الحقيقة ليس نصراً ، إنما النصر هو ما فعله الفراعنة وما أثبتوه في مصر :

” عاقبت در مصر ما رسوا شدند ”

ما فعله الفراعنة في مصر يعتبر اشد وطأة من فعل المعجزات .
والسؤال المهم في هذا الموضوع هو :
ما الذي فعله الفراعنة في مصر واعتبره الفرعون نصرا على موسى ؟
والجواب هو ما ذكره جلال الدين الرومي في القسم السادس من المثنوي :

موجب ايمان نباشد معجزات بوي جنسيت کند جذب صفات
معجزات از بهر قهر دشمنست بوي جنسيت پي دل بردنست

ان موجبات الإيمان ليس الإتيان بالمعجزات و إثبات القدرة على فعل خوارق الطبيعة، وإنما إثبات النبوءات يتأتى عن طريق جذب الصفات وكاريزما الشخصية الجذابة واختطاف القلوب كما يسميها الرومي ، ويعتقد فرعون بحسب حوارية الرومي انه مَلَكَ قلوب المصريين وموسى أرعبهم ، وهي المعادلة الرابحة في إثبات الذات في مثل هكذا صراعات.
سر هذه الحوارية يكمن في فهم جدوى معجزات الأنبياء ، ولعل الرائد في تسليط الضوء عليها هو ابن خلدون في المقدمة اذ يعتقد ان المعجزات هي حاصل قوة نفوس الأنبياء بالمستوى الذي يجعلهم يتصرفون بمجريات الطبيعة بقدرات خارقة ، وتنسب هذه المقولة الى الحكماء أيضاً.
ثم ان معجزة النبي هي في جعل افئدة الناس تهوي اليه بقوة شخصيته وقدرته على توحيد القبائل والمحيطين به على ما يفهم من كلام ابن خلدون ، تلك ميزة هي قمة الإعجاز ، وأكثر وقعاً مما يروى من خوارق ومعجزات منسوبة الى النبي .
وللحقيقة أقول ان خوارق الطبيعة والإعجاز البلاغي لم تجذب بلالا ولا عمار ولا سلمان الى الإيمان اذ لا تعنيهم خوارق البلاغة كثيراً ، وإنما هي القيم السامية من المساواة والعدل وقوة شخصية النبي هنّ من اجتذبن كبار الصحابة ، وزعت فيهم المثُل العليا .
جلال الدين الرومي ابدع في ترسيخ هذا المعنى في حواريته الفرعونية الموسوية وأسس لمعنى المعجزة بمعناها العرفاني القائم على الحب الذي هو اصل الإيمان لا الخوف والرهبة الآتية من خوارق الطبيعة .

 

تعليق واحد

  1. وديع شامخ

    شكرا صديقي الباحث الحر أحمد الكناني على فيوضاتك المعرفية لقراءة نصوص مختلف عليها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *