د. عبد المطلب محمود* : وجع (الطائر الذي ابتلّ بماء الشمس).. قراءة في مجموعة الشاعر محمد كاظم جواد

من كتابة الشعر الذي يداعب مخيّلات الأطفال ويمنحهم البهجة، فائزاً بإعجابهم وبجائزتين في هذا الحقل الإبداعي، في العامين 2006 و2008، ومن أرض مدينة (بابل) التي قدّمت للبشرية واحدة من بواكير الحضارات المهمة، طلع الشاعر محمد كاظم جواد بمجموعته الشعرية الأولى الصادرة عن دار (رند / تموز) الدمشقية، ليُحلـّق طائراً في فضاء روح اكتهلت في أوج شبابها (على رأي الناقد العربي القديم بشر بن المعتمر) عبر صفحات هذه المجموعة التي شاء أن يجعلها بغلاف أبيض يحمل في أعلاه عنوان (الطائر الذي ابتلّ بماء الشمس).
إنه ـ إذاً ـ يسعى إلى إدهاش متلقي مجموعته بالمفارقات، بدءاً من عنوان الغلاف، عندما جعل طائر روحه طائراً برّياً (من الطيور الحرّة وأبرزها الصقر) وجعله يُحلـّق في ماء الشمس ـ المفترَض ـ لا في ضوئها حسب، ليكون لبلله ـ المفترَض ـ كذلك، معنى موح ٍبأكثر من مدلول وظيفي من شأنه أن يُغني الشعر ويُحلـّق به معه، أو ليُحلـّق هو مع الشعر ومن خلال أجنحته المبتلة بالماء، على أن الماء نفسه كان قد أدى دوراً كبيراً معروفاً في الطقوس البابلية القديمة، ولاسيما الأعياد.
وإنه ـ ثانية ـ شاء أن يعود إلى ذلك الجذر الذي تميزت به مدينته، من حيث قصد هذه العودة أم تجاوزها، وأحسبه قصدها إذا ما توقفنا عند القصيدة التي حملت المجموعة عنوانها منها (الطائر الذي ابتلّ بماء الشمس) أولاً، فقد أهداها الشاعر “إلى راء..) مضيفاً إليه السؤال :”هل سيبقى البحر؟”، حيث الماء قبل الدخول في فضاء القصيدة أصلاً، ثم الماء في مقطعها الأول بصورة (بحر الجنون) :
“الطائر الذي يحرث في قاموس الأرض/ بحثاً عن أعواد يبست من عهد ملوكٍ رحلوا/ وسلاطين خطـّوا على وجه الريح بقايا كهولتهم/ ……./ هناك بعيداً….. تمرُّ الأخطاء بعباءتها/ تتسوّر بسياج من فحم التاريخ/ الذي يُقلـّب الماضي بحثاً عن مكنونات الرغبة/ السُّـلّم ضيّق والخطوة تبتلع العتبة/ خوفاً من ضجيج يهدر في بحر الجنون” (ص123 وما بعدها)، وحيث الماء المتعدد الحالات (غيم الأحفاد ـ دموع الليل ـ ) في المقطع الرابع من القصيدة :”يلبس الصباح خوذته/ تاركاً بقايا النعاس على شرشفه/ ليلتحق بأفواج تغسل غيم الأحفاد وهم يؤرخون صهيل دموع الليل”.. الليل الذي “يصقل قبّعته بمرايا وحشته/ ويتقرّى قسوته ببلادة مقرونة بأغنية ضالة/ وينطق بقايا حروفه وحروبه/ في حمحمة الوقت/…../ وينادي الصباح ليُهيئ دموعه الساخنة/ على مراياه الصدئة” (125 وما بعدها)، وحيث يأخذ الماء في المقطع الأخير حالة القهوة المُرّة :”في زمن مُرّ وزمن مَرّ” تعلم فيه الشاعر “معنى القهوة حين تكون (أختاً للوقت) وقد صار يشربها كطفل أُجبر على شرب دوائه….” (126).

لقد غادر الشاعر بحر طفولته ـ المجازي ـ واكتهل سريعاً فغادر عالم شعر الأطفال، فكان عليه أن يؤكد أحواله الجديدة (الراهنة) وقد أخذ منه الزمن “المُرّ” الذي مَرّ ذلك الماء الرقراق، ودفعه إلى الحراثة “في قاموس الأرض/ بحثاً هم أعواد يبست…” في عالم مشحون بالخوف “من ضجيج يهدر في بحر مجنون”، عالم ليس بعالمه ولا يملك أن يتجاوزه حتى صار عليه أن يحتسيه كما يحتسي “القهوة المُرّة” مكرَهاً… وهي محنة ستأخذ الشاعر إلى أعماق “جفاف” حاول بشتى الوسائل أن يُغيّبه عن المتلقي، فادّعى أنه “مبتل يماء الشمس” بحسب عنوان مجموعته، الذي أخذه من إحدى قصائدها التي أخـّر تسلسلها في المجموعة الشعرية، وقدّم قبلها ما يمكن أن نسميه “قصائد الجفاف” أو ما ينمّ عن أحواله فيه، بلا تردد!
فإذا ما عُدنا إلى قصيدة المقاطع (عثرات)، وهي الأولى في المجموعة، سنعثر على “ملامح” بحر الجنون الذي خاف الطائر ـ الشاعر منه، إذ يوقفنا أحد المقاطع ـ العثرات عند أحدها فنقرأ :”المسافات،/ مثل ليل يعوي في بحر الحروب/ ليُعلن انكساره،/ على عتبات الطريق” (ص6)، ونقرأ :”دع اللعبة تستقرّ في بئر ذهولك” (ص9)، ونقرأ في الصفحة نفسها :”الخلاصة عسل الكلام/ والبكاء صرخة السكوت”، ثم إذ يعلن الشاعر أو يصرخ قائلاً :”لا أدري أتتوهج أيامي/ في قبو فحولتها/ أم في سجن كهولتها..؟” (ص13)، ليشير إلى مدلول الجفاف المغيّب (قبو فحولة) أيامه، ثم ليروح يواسي نفسه بأن يقول في أحد مقاطع (عثرات) الأخيرة :”المرأة التي اختبأت/ في قميصي ذات يوم/ ودّعتني دون أن تنظر/ في وجه أحد” (ص14)، وهي مواساة أليمة ولا شك، إذ يشير المعنة المغيّب ، بحسب قراءتنا للنص ـ إلى فاجعة جفاف أكبر: الموت، موت الحبيبة لا مجرّد غيابها الطارئ.
أما في القصيدة الثانية التي حملت عنوان (منفى… آخر) وأهداها الشاعر محمد كاظم إلى الصديق الشاعر (المهاجر ـ المقيم في سلطنة عُمان) عبد الرزاق الربيعي، زميل شعر الأطفال والحياة معاً، فنقرأ بداية ًما يشي بهذا الجفاف :” ربّما.. أتوسّل بالبحر/ ليقودني إلى منفى…../ أتنفس فيه هواءً لا يُشبهني/ أستجمع كلّ قواي….” (ص15)، ثم نقرأ :”سأتوسل بالأنهار/ مادام البحر بعيداً/ البحر الذي لم أعرفه/إلا في كتب الجغرافية وصيحات التاريخ…” (ص18)، في حين سنتوقف في خاتمة قصيدة (دخان) التي يشير مدلولها الظاهر إلى ولع بطلها بلف السجائر وعبّ دخانها وحلمه “بكيس كبير من التبغ” بعد أن جعل منه مبعث نشوته الوحيد في محنة “جفافه”، مقطعاً فاجعاً مليئاً بروح الصدق العفوي المنبعثة من أعماقه، في قوله :”عندما أنظر إلى إصبع سبّابتي اليسرى/ أتيقن أني سأهرم مبكراً/ أحياناً أفكّر في صنع سكارة لي/ وعندما أحتاج إلى لعاب لألصقها/ أتعثـّر بسكارة في فمي” (ص51)، ولعله يشير هنا إلى مدلول جفاف ريقه (المغيّب) أكثر منه مدلول السهو جرّاء الكهولة وما تؤدي إليه (الظاهر) من النص.
وبالنتقال إلى مقاطع قصيدة (شذرات) التي ربما حاول الشاعر عبرها أن يقدّم معادِلاً موضوعيّاً لقصيدة (عثرات) مارّة الذكر، سنقرأ فيها نصوصاً تشير مداليلها الظاهرة إلى حالة البلل، مما قد تعني أنها من قصائد الشاعر المكتوبة قبيل مروره بمحنة الجفاف، ففي مقطعها الثاني نقرأ :”حلمتْ بي امرأة/ فحلمتُ بأني أغرق/ في بركة ماء” (ص61)، ونقرأ في مقطعها الثالث :” سمكٌ يخرج من قاع النهر/يرمي بحراشفِه/ أجمعُها وأرصِّع فيها/ أيامَ العمر”.. لكنه سرعان ما يعود بالمتلقي إلى حالة الشعور بالجفاف المؤسي :” نصبتْ لي الأيام فخاخاً/ فترهلتُ/ وغدوتُ على مقعديَ/ الوثنيّ كسيحا/ ناديتُ على مَن سوّى/ وتدَ الكون أرحني/ خذ مني النبضَ ولا تجعلني/ كأيوبَ طريحا” (ص63)، لنقرأ بعدها واحداً من نصوص قصيرة مماثلة جعلها الشاعر تحت عنوان (قصائد)، يقول فيه :”أمسك خيط الوقت/ أربط فيه حزمة أيام/ خرجتْ من تقويم سنيني/ فألوذ بصمتٍ أخرس/ أدخل ميناء الصمت/ أخرج منه مذهولا/ من نفسي” (ص69).
ويحيل الشاعر إلى سنوات الحروب التي عاش في جحيمها وشهد مآسيها ما يشعر به من جفاف وأسى ووجع كهولة تنيخ على أيامه، وسنكتفي هنا بعرض نصّين من مقاطع قصيدة (نياشين)، التي كثـّف فيهما الشاعر محمد كاظم جواد تجربة وجعه الفاجع، بمنتهى الصدق والألم حيث جعل من الوقائع المباشرة صرخة عالية بوجه الموت (الجفاف حدّ التيبُّس)، إذ نقرأ في المقطع قبل الأخير من هذه القصيدة  بصيغة السؤال :”مَن بعرفني؟/ أنا (محمد كاظم جواد)/ المتوَّج بأسئلةٍ لا اتنتهي/ والمطعون بآلام مبرّحة/ المولود عام (1957)/ تلك المواليد التي،/ بصقتْ في وجهها الحروب/ وبالتْ على أيامها الانكسارات” (ص101)، ثم المقطع الأخير الذي يعقبه مباشرة والذي يصرخ فيه بوجه الحرب :”أيتها الحرب/ لا أطلب منكِ تعويضاً/ لخساراتي/ ولا ثأراً لأيامي المقتولة/ في سجن العمر/ بل أطلب فقط أن تسامحيني/ لأني لم أحصل/ على أوسمتك الصفر/ فأنا لا أجيد الحصول/ على مثل تلك الأوسمة/ التي تزيد/ من شهية القتل” (ص101 وما بعدها).
ولا تقول مجموعة (الطائر الذي ابتل بماء الشمس) هذا حسب، ولا يركن شاعراً إلى عرض وجعه وأساه مما عاشه وشهده في سنيّ عمره، عبر وقائع أيامه، بل سيُدخل متلقيه في قصيدة (كِليني لهمّ ـ ص111 وما بعدها) في أجواء الموروث الشعري العربي القديم، محيلاً إلى قصيدة (النابغة الذبياني) بنص معاصر متميز، بينما سيجعل من روح ملاحمنا وأساطيرنا الأولى التي وصلتنا عبر رُقم الطين، نصاً شعرياً معاصراً متميزاً كذلك عنوانه (هو الذي رثى كل شيء ـ ص123)، أهداه إلى الصديق العزيز الناقد (حاتم الصكر البارّ المتألم)، بعد أن كان ـ الشاعر ـ قد أفاد ضمناً من روح الحاضر والتاريخ الإنساني والإبداعي منه تحديداً، في العديد من نصوص مجموعته التي أفصحت عن روحه التي تألقت في نصوصها، وفي ما أشارت إليه من مدلولات الوجع الظاهرة والمغيَّبة.. بما تختزن من “بقايا” روح طفولة أرادت أن تظهر بعفوية.. ونجح الشاعر في إطلاقها “طائراً مبتلاً بماء الشمس” بالفعل.
(*) شاعر وأكاديمي عراقي

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| هاتف بشبوش : رماح بوبو، شجرٌ لاذقيٌ ، طالِعٌ من الشِعر ..جزءٌ ثانٍ .

في السجن كان الحلم يأتي كمالايريد قلبي ولاالسجان شفافاًوأبيض رأيت رفاقي يحملون دفاترا وأزهاراً ثم …

حــصـــــرياً بـمـوقـعــنـــــا
| هيثم محسن الجاسم : منظور الوطنية عند الروائي أحمد الجنديل في رواية ” الرمــــاد ” دراسة ذرائعية علمية (2/2) .

ب-موقفه من نوع هذا الواقع: بالتأكيد لا نأتي لتلك الحقبة جزافاً من دون راو ذكي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.