الرئيسية » نصوص » رواية متسلسلة » صالح البياتي : رواية نزف المسافات
الفصل التاسع (ح 2) عجلة توينبي

صالح البياتي : رواية نزف المسافات
الفصل التاسع (ح 2) عجلة توينبي

رواية نزف المسافات
صالح البياتي
الفصل التاسع ح 2
عجلة توينبي

عاد نوح مسافرا على الطريق ذاته، الذي سافرعليه مرات عديدة، منذ رحلتة الأولى الى بغداد مع سعيد، في الثالث عشر من تموز- يوليوعام 1958م، وحتى هذا اليوم؛ العشرون بعد المئة، من عمر الحرب، تساءل، كم مرة دارت الأرض حول نفسها خلال هذه المدة، كان يلح عليه سؤال، طوال تلك السنوات، يدور في رأسه، كلما تذكر قول توينبي، عجلة التاريخ ليست آلة شيطانية، تبتلي الناس بعذاب سرمدي، فيسأل نفسه لماذا إذاً ابتلانا التاريخ بعذاب سرمدي، هل نحن استثناء، ام ان لعنة ابدية حلت علينا!
التفت الى جانبي الطريق، فرأى على أحد جانبيه جثة المجنون عاشور، كما شاهدها مرمية عارية، كانت عيناه لا تنظران لشئ ما، ولكن يراهما الآن تخترقان حجب السماء، لأبعد من الشمس والكواكب، الى ما فوق العرش، تشكوان بعتاب صامت، الظلم الذي وقع على صاحبها..
ولشد ما حيرته أيضا ابتسامته البلهاء، التي جمدت مع الدم الاسود المتيبس على شفتيه، ِأرتعب من نظرته الحادة، التي يراها الآن كلسان ناري يمتد للسماء. يشكو للخالق ظلم الإنسان.
ربما لم يكن لحظة موته العنيف ينظر لجلاديه، ولكن عينيه الآن مختنقتان بالدموع والدم..
كان كل هم الذين شاهدوا الجثة، تغطية عورته..
وعندما ألتفت الى الجانب الآخر من الطريق، ترآى له نعش عدنان ملفوفا بالعلم العراقي، يطير نحو الشرق ليلتحق بعائلته المسفرة الى إيران..
كان رحيل نوح من مدينته، هروبا من الموت، المتمثل بجثة ونعش، يلاحقانه على طول الطريق.
رحلة اخيرة وبلا عودة، اشعرته بالخوف من مستقبل مجهول..
قطع ثلث المسافة، توقف فجاة، ركن سيارته على كتف الطريق الترابي، عند مقهى صغير، طلب استكان شاي، شربه ساخنا، أومأ بيده لصاحب المقهى، وعندما جاء، سأله، أتعرف شخصا إسمه نوح، عفوا.. لا أعرف أحدا بهذا الاسم، عدا النبي نوح عليه السلام. أومأ بيده بطريقة تخلو من الذوق، روح.. ولي، عاد الرجل لمكانه، واقفا امام المقهى، شاخصا بنظره للسيارات المارة بالاتجاهين، آملا بتوقف سيارة للأستراحة، قام نوح ونفح الرجل اضعاف ثمن الشاي، شكره الرجل، ودعا له بسلامة الوصول..
عاد لسيارته، استدارعائدا من حيث كان قادما، صاح الرجل منبها اياه بأعلى صوته،هذا الاتجاه غلط.. لم يعره اهتماما، عاد الرجل يصيح بصوت اعلى قبل ان تبتعد السيارة، هذا الاتجاه غلط.. لا يوصلك الى بغداد.. في المرة الثانية رد عليه، لا يهم كل الاتجاهات سواء.
أدهش تصرفه صاحب المقهى، فهز يده، وظنه مجنون.
عاد أدراجه الى مدينته، فوصلها بعد الظهر، عبر جسر الكحلاء، استدار يمينا محاذيا النهر، التفت للمركب الغرقان، القى نظرة على بوجته المتوارية تحت الماء، مر على قصر المحافظ، وألقى نظرة على نهر دجله عند تفرعه الى نهر الكحلاء، في هذا المكان يتسع النهر حتى لإتساعه كأنه بحيرة، ظل جائلا في أزقة المدينة وطرقها وحاراتها القديمة، اينما كان يتطلع، كان يرى الناس أشباحا غريبة، دمى من خرق بالية، لم يسبق أن عرفهم من قبل، رغم أن معظمهم يعرفونه جيداً، وله ايد بيضاء على المحتاجين منهم.
كان يحز في نفسه وهو يتطلع اليهم، انه لم يستطع انقاذ مقبل، ولا مساعدة ام سعيد، لم يقتنع بأي تبرير يعفيه من تأنيب الضمير.
ترجل من حين لآخر، ركن سيارته، وسار على قدميه، على غير هدى، حتى أعياه التعب، فوجد نفسه عند العاشرة مساء على مقربة من بيت القاضي عبد الهادي إجباري، خطر له ان يطرق الباب، تردد في البداية، ولكنه أخيرا طرقه، خرج الرجل بالبيجاما، تفاجأ بوجوده امامه، كان الإرهاق بادياً على وجهه، فهولم يحلق ذقنه منذ إيام، ولم يخف الشيب الذي غزا لحيته كما اعتاد، رحب به القاضي، وأدخله غرفة الاستقبال، دعاه القاضي الى الجلوس امام المدفأة النفطية، لم يستجب في البداية، ولكنه جلس اخيرا على السجادة، فإنعكس لهب المدفأة الأزرق على وجهه، هَمَّ القاضي بإحضار الشاي لضيفه، قام نوح القى يديه على كتفي العجوز، وامره ان يجلس، وظل واقفاً امامه، أثار تصرفه الخوف في قلب العجوز.. جئتك أسأل عن شيء واحد، وسأذهب حالا، أعرف جئت لتطلع على قانون الجنسية العراقي، فأنا خبير به، لا يهمني.. جئت لأعرف أن كان بإمكاني أن أعود لأسمي القديم إجباري، تفاجأ القاضي، وظل صامتا لا يحير جواباً.. ألم تسمع السؤال، هل عليَّ أن أعيده عليك.
دار بينهما نقاش حول ذلك، ولما تأكد انه لا يمكن ان يرجع لإسمه القديم، نظر طويلا للقاضي، ابتسم، أنت محق يا سيدي، نحن لا نزال نعيش في عصر السفر برلك.
خرج نوح دون وداع، فترك العجوز في ذهول وحيرة. وعاد مشيا على الأقدام لبيته.
في تلك الليلة نام في فراشه، وعندما استيقظ صباحا، كانت أشعة الشمس تغمر الغرفة، شعر أنه جائع، نهض من الفراش، وبحث عن شيء يأكله، وفي أثناء وجوده في المطبخ، رأي سكينا، فخطر له أن يقتل سليم الخماش، أخذها وخبأها بملابسه، تذكر السيارة؛ التي ركنها الليلة الماضية، لصق جدار بيت القاضي، ذهب هناك عند حلول الظلام، ليستعيد سيارته، وجد نفسه مدفوعا برغبة قوية لطرق الباب، طرقه فخرج المحامي حسن، صديقه القديم منذ ايام الجامعة، سأله عن والده، إن كان نائما في هذا الوقت، أمسك حسن يده وأدخله لغرفة الاستقبال، كان القاضي جالساً، يتابع نشرة اخبار الساعة التاسعة المتلفزة، سلم عليه واعتذر، قام القاضي واحتضنه وأجلسه قربه، تابع الثلاثة أخبار المعارك المحتدمة على الجبهة الجنوبية الشرقية، على طول الحدود المحاذية لمحافظة ميسان، عبر القاضي عن قلقه، هذه حرب ما كان علينا ان نتورط فيها.
هم نوح بالانصراف، ولكنهما منعاه، وعرضا عليه المبيت عندهم، ستنام هنا، سيجلب لك صديقك منامة نظيفة وفراش، ستنام هنا.
ارتاح نوح لفكرة قضاء ليلة معهما، استأذنهما القاضي وذهب لينام، بينما سهر الصديقان حتى ساعة متأخرة، دور حسن مؤشر الراديو، لسماع آخر البيانات العسكرية الصادرة من الجانبين، عن الخسائر بالأرواح والمعدات، تحسر وتنهد بعمق، تورطنا يا صديقي كما قال والدي بحرب لن تنتهي قريبا، لا يهم متى تنتهي، ولكن كيف ستنتهي، تقصد من سيخسر في النهاية، سيخسر الاثنان طبعا، ولكن البادئ بالحرب سيكون الخاسر الأكبر، ليس صعبا معرفة من بدأها اولا، كصعوبة معرفة من أخترع المعكرونة، الايطاليون ام الصينون، حسن عدت لمزاحك القديم، لا يا صديقي انا جاد اكثر من اي وقت مضى، لأن من يخوض حربا من دون اهداف محددة مسبقا، يستحيل ان يكون هو من بدأ الحرب أولا.
ناقشا ذلك على ضوء المعطيات، وآراء المحليين العسكريين المتباينة، فوجد نوح ان تصدير الثورة الأسلامية فقاعة وهمية، وان الدفاع عن البوابة الشرقية كذبة سياسية مفبركة، اخُترعت في حينها بذكاء شيطاني، عندما تفاقمت المشاكل بين البلدين، إستنتج حسن ان الرئيس لم يفكر تفكيرا استراتيجيا، خاض حربا ليس لنا فيها ناقة ولا جمل، حسن.. على فكرة، لا زلنا نفكر بالناقة والجمل، رغم اننا نركب السيارة ونحارب بالدبابة، السنا نعيش في مجتمع متحضر، لا يا صديقي نوح، البدوي بتقاليده المتحجرة، لا يزال يختبئ كالقدر في حياتنا.
ران صمت متوجس بينهما، قطعه حسن بنفاد صبر، ومتى الخلاص، لا أدري..ولكن أظن أن الخلاص سيتحقق في النهاية، عندما يتحطم شيء في دواخلنا، شيء نتهيب منه، ولا نجرأ أن نظهره للعلن.. كما يحدث للجليد عندما يبدأ بالذوبان، في اللحظة الأولى تسمعه يتكسر ولكنك لا تراه.
فجأة غير حسن مجرى الحديث فسأل لو سألتك ان تعرف الوطن بكلمتين فقط، اجاب نوح سريعا، بيت الأم.. وأنت ماذا تعرفه ايها المحامي الذكي، بيت الراحة، أتقصد الوطن مرحاض، طبعا.. اليس الأنسان يشعر بالراحة والأسترخاء عندما يتخلص من فضلاته، بغض النظر عن مستوى جودة المرحاض، انت سميت الوطن بيت الأم، فماذا حصلت الأم من هذا البيت، غير الخرا، فهي اما ارملة، ثكلى، او محرومة ومضطهدة..
وبسرعة انقلب الحديث الجاد والثقيل الوزن، الى مزاح وفرفشة، بدأه حسن بخفة دمه وحبه للضحك، تساءل؛ لماذا لا يصدرالأيرانيون لنا فستقهم المشهور بجودته.. سمعت ان أحد الشخصيات الهامة في الحكم، يمتلك مزارع كبيرة لاشجار الفستق، وماذا نصدر نحن لهم.. دعني أفكر، ها لقيتها، قهقه حسن، نصدر لهم لبن اربيل… ها ها ما رأيك ياصديقي نوح، ضحكا، إنشرح صدر نوح، تأوه وهو يسأل صديقة المحامي، هل الضحك حرام، لأن غيرنا يبكي الآن. لا .. متناقضات الحياة كثيرة، لنضحك إذا على الرئيس هذه المرة، ولا نرتكب حراما
راح حسن يقلد صوت وحركات الرئيس، عندما بكى على شهداء الحرب، اثناء خطابه المتلفز، شرب قليلا من كأس الماء، الذي امامه على المنضدة، ومسح دموعه وفمه بمنديل ورقي، توقف لحظة، غلب عليه الحزن، بكي بنشيج مكتوم، تهدج صوته، ومسح دموعه وفمه، وكرر ذلك عدة مرات اثناء الخطبة، التفت حسن لصديقه، ها هل اعجبك تقليدي له، لكن لا استطيع ان استعير دموعا كما استعارها الرئيس من مرافقه عندما نفدت دموعه، ها ها، ضحك وحده بصخب..
لم يضحك نوح، ذكرته النكتة عن دموع الرئيس، بدموع الفرح التي سالت على خدي المرجع الأعلى، عندما سمع بإغتيال الزعيم* وقيل ايضا، انه صلى ركعتي شكر.
صمت نوح قليلا وأضاف.. ما اشبه الليلة بالبارحة، عاد حسن لمزاحه، رغم ان صديقة كان جادا ومتألما عندما ذكر الحادثه، علق حسن، وما اشبه الزلابية بالبقلاوة، قهقه وحده صاخبا.
انقلبت سحنة نوح، بدا استياؤه واضحا في نبرة صوته، فرد منزعجا بحده، ليس الموضوع للضحك والهزل، استدرك حسن، فأبدى شيئا من الجدية تلافيا لزعل صديقه. فتساءل، هل فعل المرجع الديني ذلك حقا، بكلمة واحدة رد عليه، طبعا..لا اعتقد ان المرجع الأعلى قدس سره فعل ذلك.. هذه كذبة افتراها الشيوعيون، لكونهم يحقدون عليه، بسبب فتواه الشهيره بتكفيرهم واهدار دمائهم، اعتقد أنت سمعتها من سعيد. منه او من غيره ما الفرق.. المهم انها حدثت فعلا. اتصدق هذا الشيوعي الحاقد. ولماذا لا اصدقه، عندما تتضارب المصالح، تنط الاشباح خارجة من الظلام، ويصبح كل شيء جائز ومباح، وانت يا صديقي المحامي اعرف من غيرك بذلك. لقد جانبت فتواه الحكمة، لانها تسببت بإزهاق ارواح برئية.
فكر نوح ان صديقه كرجل قانون، سيعترض على تلك الفتوى، بإعتبارها اصدار حكم جماعي بالأعدام دون محاكمات اصولية. ولكنه أغمض عيناه عن الجزء الهام في كلام نوح. جادله، أين تضارب المصالح. الا تعرف حقا يا حسن انه كان بسبب قانون الإصلاح الزراعي، الذي حَرَمَ المرجع من مورد هام، يأتي من كبار ملاك الأراضي، فاصطف مع أعداء الثورة، لا اريد ان ادخل معك بجدل بيزنطي حول هذا الموضوع، لأني متأكد انت كمحامي تعرف جيدا كل شيء عن الموضوع، ولكنك تغالط الحقائق. ادرك حسن ان الجدال لن يجدي، لذلك فضل الإنسحاب كحل ينهي تعميق الخلاف بينهما فقال، على كل حال.. لنغلق الموضوع، ونتوقف عن الخوض بقضية قديمة طواها النسيان..رد عليه نوح غاضبا، ليس هناك شيء على درجة كبيرة من الأهمية، يستطيع ان يطويه النسيان ابدا، ولكن يدخل في ذمة التاريخ.
إستأذن حسن صديقه، ليجلب له ما يحتاجه، بيجامة نظيفة وفراش للنوم، وتمنى له ان يصبح على خير.
تربع نوح جالسا في فراشه، يفكر بمحاولة الاغتيال التي نجا منها الزعيم بإعجوبة.. رغم ان سيارته أُمطِرتْ بالرصاص.. وتوقف عند مفصل هام فيها، مقتل أحد المهاجمين، فقال نوح يحدث نفسه، اما كان على القدر ان يكون رحيما، فيختار الرئيس، بدلا من رفيقه الذي قُتل.
يتبع..

• حدثت يوم الأربعاء في الساعة السادسة والنصف مساء، الموافق السابع من تشرين الأول- اكتوبر، عام 1959 م ، في رأس القرية بشارع الرشيد.

تعليق واحد

  1. صالح الرزوق

    لا تزال هذه الرواية تحتفظ بحرارتها مع انها منشورة سابقا في موقع ادبي اخر. الاعمال الواقعية للتي تحسن التعبير عن المآسي في حاتنا لا تبرد مع الزمن.
    و عنوان الحلقة عجلة توينبي هو عنوان قصص لبرادبري المعروف بأدب الخيال العلمي.
    كيف جمعت الرواية بين عنوان متخيل و احداث من تجارب الواقع.
    انها مسألة تحتاج لبعض التأمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *