الرئيسية » فكر » جابر خليفة جابر : جِيم جَديد (قَص)
(25) وللمثقف منازل..

جابر خليفة جابر : جِيم جَديد (قَص)
(25) وللمثقف منازل..

إشارة :
كتاب (جيم جديد – قصّ) للمبدع جابر خليفة جابر الذي ينشره موقع الناقد العراقي في حلقات هو واحد من أهم الكتب الثقافية التي صدرت بعد الاحتلال. فبالإضافة إلى أنّه يتناول مفاهيم وأحداث وشخصيات ثقافية وفق نظرة جديدة وبعضها يُطرح لأول مرة ، فهو أيضا تشريح لمعضلاتنا الثقافية ومحاولة طرح حلول لها بدلا من النواح والتشكي. أمّا أسلوبه السردي الهادىء و “الحياتي اليومي” فقد أزال عنّا التباس وصفه على الغلاف بأنه “قص” لأول مرة. وللأسف لم يحظَ هذا الكتاب المهم بالمناقشات المطلوبة التي نتمنى أن تثيرها محاولة نشره هنا. تحية لجابر خليفة جابر.

 (25)
وللمثقف منازل..
لاشك إن غرامشي الايطالي هو أشهر من نظّر لمصطلح المثقف وهو من صنّف المثقفين إلى قسمين /المثقف العضوي والمثقف التقليدي/ونظّر آخرون منهم باريتو للنخبة عموما، لكن تصنيفا آخر مختلفا، عن المثقف ومنازله استمعنا إليه خلال محاضرة في إحدى مدن العراق العالية عن مستوى سطح البحر، ربما كانت الموصل أو سامراء أو النجف أو البصرة الأولى قرب مقبرة الحسن البصري في الزبير، مررنا قبل أن ندخل – الديوان- بزقاق ضيق لا يتجاوز عرضه عدة اذرع، الأبواب فيه من الخشب الصاج الجميل ومزخرفة، وشرفاته شناشيلية من الأعلى تتقارب حتى تكاد تصافح بعضها، ويصل بين كل شرفتين متقابلتين قنطرة، رأينا الجيران يتزاورن عبرها، بدت القناطر على امتداد الزقاق كما لو كانت سلما يصعد بك الى النهاية.. لكل دار سرداب أو أكثر وثمة أبواب صغيرة تؤدي إلى سراديب الجيران، تلك المدن المتراكبة، ثلاثية الطبقات،ليست أكثر من دار واحدة لعائلة واحدة.
ذكرني المشهد بكالفينو وماركو بولو والمدن اللامرئية، وأعادني إلى الدكتور ميم الذي بدأ محاضرته هكذا: يمكنك أن تراها على الطريق، على طوله متباعدة، منازل المثقف، لكن أحدها يؤدي إلى الآخر أفقيا ويؤدي إليه عموديا أيضا، يتسع أولها وأن كان بسقيفة واطئة وسميكة، ويضم المتعلمين، أغلبهم، ومنهم القراء النهمين والأكاديميين والمهنيين وطلبة العلوم الدينية وغيرهم، أطياف عديدة سكنوا المنزلة الأولى، عملها كله كان استهلاكا للمعرفة واستيرادا للثقافة، لكن لن يستحق هوية المثقف من لا يمر عبر بوابتها ولا يسكن فيها، وهي حتى بعد أن يغادرها بعضهم إلى منازل أخرى لا ينقطعون عنها ولاعن التزود منها، لا مثقف من دونها، لكن الاكتفاء بِها لا يمنحك أكثر من الشهادة بأنك مثقف ما، مثقف عام، أو بتعبير آخر، “مثقف قاريء”.
أرانا المشهد على الشاشة وهو يشرح بهدوء وتركيز ما يريد إيصاله، بدا منزل المثقف القاريء أوسع المنازل الثلاثة، أثبتها على الأرض وأقربها للماشي أو الناظر، بل لم نر المنزلين الآخرين إلا من خلاله.
لكن الدكتور فاجأنا وغيّر زاوية النظر لنرى منزل المثقف القاريء كما لو كان الطابق الأول من المبنى الرئيس للمثقف والمكون من ثلاث طبقات..
لا طريق للطابقين في الأعلى إلا من هنا، من الأرضي..
سأل أحدنا عن عنوان أو اسم الطابقين العلويين..
فقال الدكتور: الثاني عنوانه”المثقف المفكر” أما الثالث فعنوانه” المثقف المصلح”
بتحول المثقف من مرحلة الاستهلاك للثقافة والمعرفة، من مرحلة القراءة والمطالعة، إلى مرحلة إنتاج الأفكار، سيستحق بطاقة الصعود إلى المنزل الثاني ويصبح مثقفا مفكرا أو مبدعا، والعراق بلد يزدحم بالمبدعين من سكنة المنزل الثاني، يزدحم بالعلماء والمفكرين والكتاب والشعراء والفنانين، وكل هؤلاء من المبدعين أو المثقفين المفكرين المنتجين..
لكن – يقول الدكتور ميم – ما يحتاجه العراق الآن ويحتاجه أي بلد هو المثقف الذي يجيد تطبيق أفكاره على الأرض، المثقف الحكيم الذي يستطيع أن يلوّن فعاليات المجتمع بما هو نافع وناشر للقيم الإنسانية، هذا ما يحتاجه العراق الآن، نزلاء في المنزل الثالث /الطابق الأعلى والأسمى للثقافة.
كثر المُنظرون خاصة بعد التغيير، وكثر المبدعون، لكن كي نزدهر مدنيا وحضاريا، كي تقل فرص التكاثر والتمكّن للطفيليات البشرية المثقفة وغير المثقفة، نحتاج لصناعة الإنسان العراقي المثقف المبدع والمُصلح في آن..
المثقف المبدع والمصلح الذي لا يرى بعين واحدة أو بنصف عين!
المثقف ..سليم النظر من العشو الليلي أو غير المصاب بعمى الألوان!
المثقف.. الذي لا يستهويه جورج أكثر من جمعة، ولا جان دارك أكثر من بنت الهدى أو جميلة بوحيرد..!
المثقف.. الذي لا يرقص طربا لتشابيه الكاثوليك الأسبان في يناير ولا يشمئز من تشابيه عاشوراء في المحرم!
الذي لا يستريح لناطحات السحاب أكثر من مدننا المُتعاشقة بحميمية العائلة، سراديب وأبوابا وشرفات..
كي نرتقي المنازل ثلاثتها، علينا أن نقيم ونقوم مؤسساتنا التعليمية والإعلامية والثقافية، نعالج سياساتنا فيها، وقبلها لنعالج عيوننا وآذاننا وعقولنا، وقبل ذاك لندقق النظر في أعماق نفوسنا ونعدّل الأعوج فيها والمشوه، وإذا وفقنا لهذا ونجحنا، حينها فقط، يصح أن يشار إلينا بصفة المثقفين والمبدعين، وبعدها مع النية الصادقة والإرادة الناهضة سنصبح حقا مثقفين مصلحين.
=====

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *