الرئيسية » ملفات » أ . د. بشرى موسى صالح : العبث العارف في (ازدهارات المفعول به) للشاعر سلمان داود محمد (ملف/38)

أ . د. بشرى موسى صالح : العبث العارف في (ازدهارات المفعول به) للشاعر سلمان داود محمد (ملف/38)

إشارة :
سلمان داود محمّد – وببساطة شديدة جدا ولكن معقّدة – هو “عاهة إبليس” في المشهد الشعري الراهن ؛ العراقي – وحتى العربي لو هيّأ له الأخوة النقّاد “الأعدقاء” فرص الانتشار. وكمحاولة في إشاعة فهم بصمة روحه الشعرية المُميزة الفذّة التي طبعها على خارطة الشعر ، ارتأت أسرة موقع الناقد العراقي الاحتفاء به عبر هذا الملف الذي تدعو الأحبة الكتاب والقرّاء إلى إغنائه بالدراسات والمقالات والصور والوثائق.. تحية لسلمان داود محمد.
*
العبث العارف في ( ازدهارات المفعول به(
للشاعر العراقي سلمان داود محمد ..

أ . د. بشرى موسى صالح

حين أصرّت قصائد النثر منذ نعومة أظفارها على أن تجعل من اللغة ميداناً لعبثها الجميل ظلت مثار آراء تتناهبها يمنة ويسرة ، بين الذهاب في هذا العبث إلى آخر المدى ، وبين القول بوضع حدٍ معقول لهوس العبث ، ورسم خطوط حمراء لمدارات محرّمة لا يجوز انتهاكها في مسارات الشعرية وإبداعاتها .
وظل الإجماع النقدي بعد تنظيرات سوزان برنار لقصيدة النثر سارياً على (الشعرية اللغوية المضاعفة) القائمة على التوهج والمجانية ، والقصد الذاتي ، فطار الإيقاع على جناح الدلالة ، وصار جزءاً من أسرارها البعيدة ؛ وركناً خبيئاً في عمارتها اللغوية الباذخة .
إن التنويعات التي اعترت تنظيرات النقد ومنهجياته الدؤوب بعامة انصبت في الشعر على الحمولة اللغوية منذ أن صار النقد (لسانياً) عند المحطة الشكلانية ، ومن ثم البنائية وما بعدها ، فبدأ التركيز على تفكيك شفرة اللغة إلى كودات متباينة يصل بعضها حد اللامتناهي والطوبائي ، فامتلك الناقد بذلك سطوة اللغة المقابلة أو الرديفة ليعيد إنتاج النص مراتٍ ومرات بما تمنحه النصوص من حيوات لغوية مقابلة تنهض بها حركة الموار والثورة على المعروف والمستقر .
ومع قصيدة النثر امتلكت اللغة الشعرية قصداً ديناميكياً مضاعفاً ؛ فاللغة فيها قصد وغاية أو قصد مضاعف إذا ما عددنا اللغة الشعرية بعامة هي لغة مقصودة لذاتها تمييزاً لها عن اللغة السردية المقصودة لغاية التمثيل على تكوينات السرد وفواعله ، وإن كانت الحدود بينهما قد آلت إلى الإندثار .
ولعل النظرة المتأنية إلى قصائد النثر المكتوبة بهاجس اللغة أو العبث الجميل بجسدها أنتجت الكثير من النصوص المتفاوتة في قيمتها ، وما تحمله من ثقل إبداعي أو أسلوبي ، وهذا من طبيعة الأشياء إلا أن ما ينبغي العناية به ، والإنتباه إلى حقيقة وجوده إنما يتمثل في اجتماع تجارب الشعراء في قصيدة النثر على تجريب حظوظهم في العبث باللغة ، ضمن تقنية المفارقة ، أو التضاد ، أو صناعة الإدهاش بالضربة الشعرية بمفارقة أفق التوقع ، ومعابثة المألوف .
ولكن هذا الجسد الأثيري للغة لم يكن ليمنح نفسه إلا لمن يجيد الحوار معه وإغواءه بوسائل رفيعة من العبث العارف بأسراره ، وطرائق مراضاته ، ومناغمته ليستجيب برقة ، ودعة ولين ، وليس بقسوة وعنت وتعسف ، وبين هذين الحدين تشعبت خطوط قصائد النثر ، وتناثرت على ضفاف ذلك الجسد ، أو غرقت في مياهه .
سأختار ضمن قصائد العبث الرفيع العارف ديوان (ازدهارات المفعول به) للشاعر سلمان داود محمد ، وهو الديوان الثالث للشاعر بعد أن سبقه ديوانان هما : (غيوم أرضية) 1995 ، و(علامتي الفارقة) 1996 .
يضم ديوان ازدهارات المفعول به ثماني قصائد ينحصر زمن كتابتها كما ذيلها الشاعر بين عامي 1996- 2000 ، وتوحي عنوانات القصائد بمقصدية اللعب العارف بأسرار صناعة السخرية الحاذقة .
ولعل ما يلازمني في قراءة دواوين الشعراء أن لا أختار أبياتاً أو أسطراً مخلوعة من سياقها الكلي للتدليل على ما أريد الكلام عنه ، كما هو شائع لدى كثير من النقاد لأنني أجد هذا المنزع لا يوافق رؤيتي النقدية الأسلوبية القائمة على الإستغراق في النص ، وبالحياة ولو لزمن بين أرجائه ، ولإعتقادي بأن ممارسة سياسة التقطيع ، والقطف لثمار النصوص قد يميت النصوص ، ويترك أشجارها يابسة ، ولكن مع قصائد هذا الديوان أجدني بإزاء قصيدة ممتدة أو نص مستمر ، فلا يميز بين القصائد سوى عنواناتها ، ولا أريد هنا أن أنال من شعريتها بهذا التوصيف بل ما أريد توكيده هو ما يبدو متغلغلاً في الديوان من أسلوب (المفارقة الممتدة) البعيدة عن تقنية ضربة المفارقة الواحدة ، أو الوحيدة ، المألوفة في قصائد النثر .
سأبدأ من الأغلفة ، وأمارس العبث ذاته ، في أن أغادر القصائد الأولى لأختار القصيدة الأخيرة ، وقد أطلقت عليها مصطلح قصيدة تجوزاً ، لأن قصد الشاعر فيها تقديم هوامش أو حواشٍ للمفردات الغريبة في قصائده ، ولكن سياق المفارقة الشعرية الممتدة حاضر فيها ويبدو موجهاً قرائياً لدلالاتها الشعرية ، أما عنوان هذه الهوامش التي عددتها نصاً فهو (دليل غير سياحي لقارئ عابر).
يقوم الدليل على ثلاث وعشرين مفردة كتبها الشاعر بنظام نثري يقوم على الترقيم ، والتعريف ، أما مفتاح اللعبة الأسلوبية في هذا الدليل فيبدأ منذ العنوان (دليل غير سياحي لقارئ عابر) في مفارقة ساخرة نسجتها كلمة (غير) الإستثنائية، فهذا الدليل موجه بغائية مراوغة مقصودة ليفصح عن مفردات الحياة العراقية (غير السياحية) المستقرة واللابثة التي تأتي كلمات الدليل كاشفة عنها ، مما يلغي الدلالة السياحية لمفردة الدليل وما تختزنه من بعد علامي يشير إلى المتعة والراحة و(الإستجمام) التي يصطدم بها القارئ العابر .
أما مفردات الدليل فتغلب عليها الصفة المكانية العراقية : شارع النهر ، سوق الصدرية ، ساحة الأندلس ، الرصافة ، ساحة النصر ، دائرة الأحوال ، الميدان ، فضلاً عن بعض المفردات ذات الصبغة العراقية الخالصة مثل : ماكو ، الحصة ، كيشوانوس (كيشواني) ، زعاطيط ، تاتات وغيرها .
ولعل نظرة (غير عابرة) لهذه المفردات تفصح عن أن الشاعر قد افتتح التعريف بكل مفردة بدلالتها الحقيقية وشرح المقصود التداولي لها ، ثم أودع الشرح بعد ذلك بالإفاضة العبثية التي تكشف عن رؤية الشاعر الخاصة لهذه الثيمات أو الموضوعات المعبأة بالسخرية ، والمفارقة ، وهي تترجم نمطاً من أنماط الرثاء الحضاري أو الثقافي لمرجعياتها وحقائقها .
يدوّن الشاعر مثلاً عن شارع النهر : (من أسواق بغداد القديمة يتوسط شارع الرشيد ، ونهر دجلة ، ويكتظ عادة بمتاجر الحلي الذهبية ، والإكسسوارات، والعطور ، والتحف المزيفة ، و سواها من الكماليات ، ثم يبدأ سياق المفارقة بهذا الإستطراد : (يرتاده الأغنياء لممارسة الاقتناء ، والفقراء لمزاولة الفقدان ، وما بينهما الباعة المتجولون الذين غالباً ما يتوحدون في صيحة واحدة مفادها : (الله يديمك (يا رخص) وهكذا).
ومن الواضح أن الشاعر لم يرد حقاً التعريف بشارع النهر هذا الشارع البغدادي المعروف ، تعريفاً عابراً لقارئ عابر، بل أراد أن يزج في كلامه ضروباً من النقد أو الرثاء الإجتماعي والإقتصادي التي رمزت إليها مفردات (الأغنياء والفقراء) ، وما يقابلها من حالتي الإقتناء والفقدان ، وضياع الباعة المتجولين بينهما ، لتوحدهم عبارة ماكرة هي (الله يديمك يا رخص .(
وفي حديقة الأمة يكتب الدليل : متنزه عام يربض بين جدارية فائق حسن ، ونصب الحرية (لجواد سليم) ، وبعدها يصنع الشاعر الفجوة مع سياق الدليل ليقرر: أن حديقة الأمة أصبحت مرتعاً للمدمنين ، وباعة الدراجات الهوائية ، ورجال التصوير الفوري .
وتبدو المفارقة صانعة لمقصديتها الساخرة بإعلان ساخر حيث يقرر الشاعر تحول مفردات الحضارة العراقية ، ويختار هنا واحداً من أعلى رموزها وهو الفن التشكيلي ، إلى تحويلة يومية معيشية أفرزتها مآلات الحياة العراقية بعد الحروب الطاحنة ، عبر اختيار متجاورات لاذعة : المدمنين ، باعة الدراجات الهوائية ، رجال التصوير الفوري ، ولكن لماذا (رجال) التصوير ولم يقل المصورين ، هذه النسبة الترميزية لما لم يفصح عنه الشاعر في هذه الساحة العراقية المهمة ثم لماذا الفوري إذا ما تركنا القصد المباشر ؟! .
وحين نواجه عنوانات القصائد برغبة التأويل ، واكتشاف القصد الآخر البعيد عن رتابة العنوان نجد أن الإنزياحات الساخرة تفعل فعلها فيها ، ومن هذه العنوانات : (ماراثون انفرادي) فإذا كان الماراثون يعني الجري الجماعي ضمن المألوف التداولي جاء الوصف (انفرادي) ليحد من المألوفية والمعهود لتتحول واو الجماعة إلى الفرد ، أو ليصير الفرد هو المجموع في كرنفال الجري في الحال العراقية .
وكذلك مع نص (خروف العلة) ليوحي الشاعر بما تفعله (النقطة) الخاء بدل الحاء أو (خروف) بدل (حروف) من تحول شعري دلالي ، وإن كانت مثل ندفة الثلج كما يفرق الندفة بماء شعري غزير عبر قصد شعري واعٍ وعارف يجعل مفردات اللغة أحجاراً شطرنجية تتحرك على رقعة النص مقترحاً ستراتيجية لعب جديدة لم يألفها الشطرنجيون .
وفي (ازدهارات المفعول به) وهي القصيدة التي اختارها الشاعر عنواناً للديوان تبدو المفارقة متحققة بشكل جديد تمثل في لعبة (الإضافة) الأسلوبية ، إضافة الإزدهارات إلى المفعول به واسنادها إليه بسخرية لاذعة ، تجعل المفعول به وهو الفاعل النصي الجديد مجنياً عليه ، ليحصي النص ازدهاراته بل انكساراته واندحاراته .
وبأشكال أسلوبية مختلفة تظهر المفارقة في عنوانات القصائد بصياغات مفتوحة غير خاضعة لأفق ما مقيد ومن هذه العنوانات : قدم في الأعالي ، طبعاً إلى الأبد ، نثرنة الصنم ، أنت بكسر العين ، التي تؤسس ضمن حدود المفارقة اللسانية الساخرة لما يمكن الإصطلاح عليه بكوميديا اللغة المختزنة لكوميديا الموقف إذا ما نظرنا إلى السخرية الكلامية على أنها ضرب من ضروب الكوميديا السوداء .
ولا يحتاج الديوان إلى قراءة انتقائية أو اختيارات مقصودة لنلتقط العبث الوعي الذي اصطلحنا عليه بكوميديا اللغة المتمثل في التلاعب بعلاقات الإسناد ، وحروف الترقيم ، أو علامات الربط ، أو الحركات الإعرابية فضلاً عن امتلاءات الصور بفوضى المفارقة وعبثها العارف .
وفي اختيارات غير مقصودة نلتقطها من النصوص يلتمع هذا القصد الساخر العبثي الذي يحاكي الواقع رؤيوياً وفكرياً لينحرف عنه تعبيرياً وأسلوبياً فهو يوظف اللغة لتمرير رؤاه بعيداً عن ترف المجاز ، وبطر المخيلة لتتكلم النصوص الواقع عبر اللغة الماكرة في صياغات مكثفة بالمفارقات المتلاحقة تبدو في مواقع كثيرة خارجة عن سيطرة المحدود .
تتحول النصوص في ازدهارات المفعول به إلى يوميات عراقية ، حربية ، وحصارية ناء بها الوطن والمواطن ، وكان وعي الشاعر عالياً بها ليحوِّلها إلى شفرات شعرية قادرة على إرسال رسائل عبثية ساخرة وساحرة ، لا فرق ، تثير الدهشة بلا تصنع بارد أو تحذلق مجاني ، أنه تحول في الذائقة الشعرية مترحل عن المجاز إلى (مفردات) الوعي الشعري المفارق الذي يجد الشعر ملاذاً (آمناً) من ملاذات الحياة والواقع ومعادلاً موضوعياً لانتهاكاتهما .
في ماراثون انفرادي :

….. فما أن تكف الكهرباء عن الثرثرة
حتى تتوهج إحداهن بإسهاب :-
– سأحوّر “سوق الصدرية” إلى برلين
وأشاغل أيامي بهناء معقوف
.
.
.
في هذا المقتطف لا تخفى آثار العبث بعلاقات الإسناد فالكهرباء (تثرثر) وهي مفارقة (عراقية) كنّى بها الشاعر عن اعتياد الناس على حالة (صمت) الكهرباء ، ولكن الضربة الشعرية تحققت حين قابل الشاعر بين صمت الكهرباء أو انطفائها و (توهج) الأحلام : (سأحوّر سوق الصدرية إلى برلين) ، هذه المناورة المكانية (المفارقة) أفاد منها الشاعر في صناعة الأحلام العراقية البديلة سوق الصدرية ـــ برلين ثم يقول النص :

…. وهم يدحرجون القمر في مياه ثقيلة
جعلوني أخفي الضياء تحت وسادتي
كي أحلم دوماً بسماوات تنقذ التصفيق من البطالة
لهم آلهة تقضي قيلولتها في باص
ومجنونات يستدرجن الشفاء من سورة البقرة
.
.
.
في هذه الصور تتراشق موجودات سماوية : القمر ، الضياء ، السماوات ، الآلهة ، سورة البقرة ، لتبوح بوجه الأسى ففي الصورة الأولى والتي تليها مأساة ساخرة بل هي ميلودراما يبدو فيها فاعل الأسى حاضراً عبر واو الجماعة في جعلوني ، فالقمر هذا الجرم السماوي المضيء تدحرج في المياه الثقيلة في إشارة عابثة وساخرة غرق فيها كل شيء مضيء في غياهب مظلمة ، ولم تقِ نون الوقاية الفعل من الكسر ، وكسرت المفعول به فاختفى الضياء تحت وسادته ، وسادت ظلمة الأحلام .
في الصورة الثانية صناعة أخرى للترميز حاكتها لعبة المفارقة أيضاً لتتحول الأحلام إلى ضالات مفقودة ، فكيف تنقذ السماوات التصفيق من البطالة ؟ وكيف الوصول إلى الحلم الضائع في أن يصفق لمن يستحق التصفيق ؟ أو أن يصفق لحلمٍ آتٍ تمنحه الآلهة ولا يمنحه البشر والمفارقة الساخرة في أن تقضي الآلهة قيلولتها في (باصٍ) ليتحول ما هو سماوي إلى أرضي ثانية .
وفي صورةً أخرى مماثلة :

خشية أن تشقى
أكره نفسك جيداً
واقترح الله
حصِّن سماءك الجوفية بالأنابيب
لتصريف الأحلام المؤحلة باللاءات

ويبدو مهماً أن نذكر ترشيح هذه الصورة (خشية أن تشقى اكره نفسك جيداً واقترح الله) عتبة نصية في صدر الديوان كما وضعها الشاعر ، ليختزل بها جملة الأسى في خطاب الواقع ، إن هذا التلاعب الأسلوبي في الفواعل الصورية وعلاقات الإسناد يبدو طاغياً على النص فقد أسند النص إلى الإنسان فعل الكراهية اكره نفسك جيداً و (أن يقترح الله) في انزياح مقصود يصح أن يؤول باقتراح الموت ، فالوصول إلى السعادة لا يكون ولا يتحقق إلا عبر الموت ، والإيمان به خلاصاً من الواقع ولكن النص استأنف رؤياه واستدركها وطرح بديلاً شعرياً في أن يكون المرء مسكوناً بثقافة الكراهية ولكن هذه المرة في صورة موازية لكراهية النفس عبر تبديد الأحلام :
الحب = شقاء
الكره = سعادة
وتبدو السخرية الموجعة عالية في استعارة مفردات يومية معيشة لصناعة أسلوبية الصورة : الأنابيب لتصريف الأحلام ، ولتحصين السماء (الجوفية) ، ولتسليك الأحلام بعد أن خنقتها (اللاءات) ويصلح الدال اللساني الأخير (اللاءات) للتمثيل عما وظفه هذا الديوان من المفارقة اللسانية واستخدام الجموع الغريبة ، أو التلاعب بالحركات الإعرابية ، وعلامات الترقيم وسائط لصناعتها كما ذكرنا من قبل .

المفارقة السردية والسرد المفارق في ازدهارات المفعول به

دخلت المفارقة بيت السرد في هذا الديوان فما عاد الشعر معتصماً بفردانيته أو غنائيته في تأسيس الشعر المفارق وأصبحنا بإزاء قصيدة (المفارقة السردية) أو (سرد المفارقة) ، فتتواتر في القصائد أركان السرد وصيغه المعروفة لتترحل إلى الديوان بقصد عارف بفاعليتها وحتمية دخولها إلى شعرية النصوص الحداثية التي لم تعد كما كانت تقوم على أحادية الغناء والصوت المنفرد ، ولكنها في قصائد النثر تحمل لوناً مغايراً يجمع بين مركزية المفارقة فيه وما تخرج إليه عبر السرد من تشكيلات إسلوبية تختلف عن قصائد التفعيلة التي تبدو المفارقة فيها خياراً إسلوبيا محدوداً لا يمتلك حجر البناء الأسلوبي المركزي فيها .
وبذلك نجد أن قصائد الديوان في نزوعها السردي تختلف أسلوبيا عن البناء السردي المطلق أو الصافي ، إن صحّ الوصف ، ليكون سرداً مفارقاً تبقى المفارقة اللسانية متسيدة على المفارقة السردية التي ترتكز على الإنزياحات في عناصر السرد وصيغه المختلفة من زمان ، ومكان ، ومنظور ، والعبث بأنظمتها البنائية ، فالمفارقة السردية – الشعرية في هذا الديوان هي مزيج من المفارقة (الممتدة) والمفارقة اللسانية – السردية اللذين يتحدان بشدة في قصائد الديوان .

طبعاً .. وإلى الأبد

ومن أمثلة هذا النمط من القصائد قصيدة (طبعاً .. وإلى الأبد) التي تعتمد على أسلوب السرد الذاتي في صياغة قصيدة يوميات أو سيرة ذاتية (يومية) يسترجعها النص بطريقة المونولوج أو كتابة الرسائل الصامتة :

مثل أب لطفلين
أقبل الخريطة من جهة الشمال
وافلّي النخلة من دبيب الشظايا
احترم الله وقصيدة النثر وأنتِ

يقدم مفتتح النص تكثيفاً دلالياً لأفعال سارد النص المعبر عنه بـ (أبٍ لطفلين) أما الأفعال فيعبر عنها السارد بطريقةٍ كنائية مفارقة ففعل التمسك بالوطن يُعبر عنه بفعل الحب (أقبل) (تقبيل الخارطة من جهة الشمال) ، ولا شك في أن الدال (الخارطة) يرشح هذه الدلالة ثم تعيين المكان السردي (جهة الشمال) ليقابله فعل آخر من أفعال الحب وهو (أفلّي) : (افلّي النخلة من دبيب الشظايا) ويبدو الدال (النخلة) دالاً مختاراً بعناية لتعيين المكان السردي المقابل للشمال وهو الجنوب مكنّى به (بالنخلة) ، وعبر هذا التكثيف السردي المفارق تبدو علاقة الحب الأبوية الإمتلاكية متحققة في حب الشمال وحب الجنوب أو حب الوطن بأكمله عبر علاقة استعاضية تكاملية.
ويستطرد السارد برسالته التي هي أقرب إلى المونولوج المروي ، أما المروي له فيختار النص للتعبير عنه الضمير أنتِ التي يوجه إليها فواعل النص ، عبر لغة الحب التي جعل عنوان النص أو عتبته ترميزاً عنها (طبعاً ثم نثيث منقوط .. تليها شبه الجملة وإلى الأبد) بما يصلح أن نرأب صدع الحذف أو الفجوة بفعل الحب (طبعاً أحبك وإلى الأبد .(
ويزاوج السارد بين العبث المفارق والآخر السردي :
لم يبق مني … سوى علاك
أتسلق ظلك المستنير
صائحاً من ذروة في منارة :-
الـ (آه) اكبر
الـ (آه) اكبر
الـ آه أكبر مما تدركه رزم الإغاثات ….

فاختزل السارد اناه في الآخر أو في علا الحب ورفعته لم يبق مني .. سوى علاك وحوّر النص تكبيرة الصلاة (الله اكبر) ، عبر أسلوبية المفارقة اللسانية الساردة ووظفها لأداء فعل الألم والإستغاثة المضاعفة التي هي أكبر من رزم اغاثات اليونسيف الـ آه أكبر مما تدركه (رزم الإغاثات) أو الأخرى الواقعية: حديقة الأمة
لا أرث لي غير “حديقة الأمة”
وصغار مقذوفين من شرفة “اليونسيف” ….
ثم يكثّف السارد فعل الحرب (القاتل) بضربة ساردة مفارقة يرويها عبر ضمير المخاطبة في قوله :

ثم أتعرفين لماذا يموت الجنود :-
لأن الحروب – عليها السلام – لا ترد السلام …

ففي جملة (عليها السلام) منح السارد الحرب فضاءً قدسياً مخادعاً عبر سخرية عابثة بالمفارقة اللسانية لأن الحرب نقيض (السلام) ، وهي لا تسلم على من (يسلّم) عليها أو يدخل أرضها . وربط فعل الموت بفعل السلام على الحرب .
ثم استعار النص أسلوب الوصايا التي يوجهها السارد إلى ضمير المخاطبة التي رشحنا كونها حبيبته :

لذا إنصحي الخطى أن تكون لامعة حين تلمس التراب (إشارة معرية)
كما إنصحي الخطى أن تكون لامعة حين تلمس التراب (توكيد للإشارة)
ستعرفين عند ذاك
كم كنت مشتبكاً مع الطريق
استوقف العابرين إلى الربايا
إلى الوظيفة
إلى الجريدة
إلى حبيب
كآخر طفل في أول اليأس ، …

وفي هذه الإفاضات تتمثل أسلوبية الربط المنطقي المفارق (لذا انصحي) المكررة في جملتين نصيتين ثم في مجموعة من الأفعال المرتبطة بالحرب، الإشتباك مع الطريق استيقاف العابرين إلى الربايا ، ومرادفاتها الحربية القائمة على الترميز المفارق الوظيفة ، الجريدة ، الحبيب في كونها جميعاً تسبح في بحر اليأس العدمي الذي فاضت به يوميات الإنسان العراقي كآخر طفل في أول اليأس ، وانتحار الطفولة يأساً .
وعبر تواز أسلوبي مفارق وسارد في آن يتشكل من الحرف (قد) التي تفيد التقليل باقترانها بالفعل المضارع عدد من الصور المفارقة يدوّن السارد فيها أفعالاً تقوم على علاقات المفارقة اللسانية الساردة نختار بعضاً منها للتمثيل :

قد اصطاد رؤوس الفجل بربطة عنق …
قد أضحك من صلة الغباء السمين بالياسمين
قد أعري كتبي في وضح النقود
.
.
.
قد أتسلسل “أولاً” في بلاط الضحايا وأغيب عن البيت
لكنني بريء من فردوس يلمع في مدفن الغرباء
وآمين لأصدقائي المشتعلين هناك
في
العامرية ….

وتبدو هذه الأفعال أقرب إلى رثاء النفس التي يختار لها الشاعر أسلوب السيرة الذاتية أو كتابة اليوميات الحربية المعيشة فهي رسائل هازئة ، أقرب إلى أن تكون نشيداً مأساوياً أو نشيجاً شعرياً ، نجح فيه الشاعر في الربط بين المفردات العراقية اليومية عن طريق بعثرتها ، وخلخلة نظامها الإسنادي : رؤوس الفجل وربطة العنق ، الغباء السمين بالياسمين ، أعري كتبي في وضح النقود (النهار) ، ولعل هذه الأمثلة وغيرها في الرقعة الأخيرة من النص عمد الشاعر عبر تراكمها تقديم معادل موضوعي سردي في نسيج المفارقات المكتظة؛ للإيحاء بالتماهي في الوطن موتاً وشهادة ، بديلاً عن الفراديس المشتعلة في مدافن الغربة:

قد أتسلسل (أولاً) في بلاط الضحايا وأغيب عن البيت
لكنني بريء من فردوس يلمع في مدفن الغرباء

ويستخدم النص الدال اللساني (أولاً) الذي يخرج عن دلالته الرقمية المباشرة إلى تأكيد نزوع السبق في حب الوطن موتاً ثم ما شفع به (أولاً) من فعل الأمر (آمين) الذي يفيد الإستجابة ولكن لمن لأصدقائه (المشتعلين) هناك في العامرية ، فاستخدم النص وصف الإشتعال لتكثيف فعل الشهادة عبر الموت حرقاً في مدافن الوطن (ملجأ العامرية(.

قدم في الأعالي

ومن أمثلة المفارقة الساردة أو السرد المفارق في الديوان قصيدة (قدم في الأعالي) التي تزاوج بين المفارقة اللسانية ، والأخرى السردية الممتدة عبر أفانين العبث السارد بأفعال الرواة وعلاقات الإسناد اللسانية المنسوبة إليهم .
يبدأ النص بنسج شبكة المفارقات اللسانية – الساردة منذ عتبته الأولى أو عنوانه ، فمزج بعبث مفارق بين (القدم) وهو دال أرضي و (الأعالي) وهو دال سماوي عبر الحرف (في) الحرف الفوري الذي يستغور الدلالة ويماهي بين أطرافها .
تقوم القصيدة على السرد الذاتي الذي ينهض به الراوي ذاته ولا وجود لسارد عليم أو خارج عن رقعة المسرود فهو سارد – ذاتي – ممسرح على الرغم من حركة السرد الخارجية الظاهرة يبدأ بسرد حكاياته أو حكايات المفعول به الذي يتشذر إلى مفعولات بهم أنجبتهم دساتير النص :

أنجبت زيجات المتعة أولاداً مؤقتين
وكذلك الدساتير المؤقتة – أنجبتنا …
هذا ما قاله الضياء للطريق ..

في هذا الإستهلال السردي أختار النص المفارقة الساردة وهو يسرد حكاية شرعية الوجود أو الإنتماء الاجتماعي (زيجات) و(أولاد) ، ولكنه خلخل زمنية النص المرتبطة بهما الخاضعة لشرط الدوام أو الإستمرار ؛ فأضاف الزيجات إلى المتعة (زيجات المتعة) ، ووصف الدال (الأولاد) بـ (المؤقتين) في عبث مفارق دال جعله السارد معبراً عن المنظور المركزي للنص ، فقد زاوج بين زيجات المتعة والدساتير المؤقتة، وأولاد المتعة وأولاد الدساتير ، بوصفها معادلات كنائية عن الحال العراقية التي أنتجتها الحروب فصار الإنسان العراقي (ناتجاً مؤقتاً) بفعل الغياب الذي يحققه فعل الحرب وهذا الإستهلال وما سيأتي من إفضاءات سردية يرتبط بالقدم والأعالي فالأرضي ممثل بالقدم يرمز إلى الإنسان العراقي والتصاقه بالحياة والوطن ، والآخر السماوي ممثل بـ (الأعالي) يرمز إلى الشهادة والغياب السماوي وتمزق العراقي بين حدّيهما الذي أفضت اليه الحروب ونواتجها النصية أولاد المتعة ، والدساتير المؤقتة، وأسلوبياً اختار النص فعل الأهمية المنفي (لا يهم) ليثبت المنفي ، وينفي المثبت ، وجعله أشبه باللازمة يقفل به مقاطع النص :

بتهمة الشجن
تأرجحت من العمود جثة المصباح
فرّت الحقول نحو المدخنة
واختبأ الظلام في الرغيف وانتهى
فهل عرفت الآن تأريخ الزنوج ….؟
لا يهم ….

فالأفعال التي يسردها راوي السرد يجملها بقتل الأهمية (لا يهم) ، وتختبئ المفارقة في صياغاتها الإستعارية ؛ جثة المصباح تأرجحت ظلام ، والحقول فرّت نحو المدخنة احتراق ، واختبأ الظلام في الرغيف سواد ، ثم اجمال الظلام، والإحتراق ، والسواد، في استعارة (ثقيلة) يعبر عنها النص بـ (تأريخ الزنوج) الذي هو ظلام + سواد + ضياع + تشتت + احتراق في أصقاع الأرض في معادل كنائي كنّى به النص عن الحال العراقية الحديثة الذي ترجم الراوي موقفه منها عبر اللازمة الساخرة (لا يهم) .
ويحافظ النص على المزاوجة بين السرد والمفارقة أو بين الصور الإستعارية المفارقة للمألوف وصيغ السرد :

على مبعدة من كلبٍ وأناس يعرجون
يقيم هناك طبيب الخطى
سيعرض ساقين – واشتري
الأولى تشبه التي نسيتها في ديزافول
والأخرى مما تساقط من نصب تذكارية
.
.
.
لايهم ..

ومن الواضح أن الإفضاءات السردية (على مبعدة من كلب) و (طبيب الخطى) و (ديزافول) و (النصب التذكارية) وغيرها في النص كثير لم ترد بقصد السرد الخالص مع إمكانية إرادته، ولم ترد أيضاً بقصد السخرية أو المفارقة الإستعارية اللاذعة مع إمكانية إرادتها بل جمعت بين الغايتين للإفضاء بغاية لسانية تؤكد غياب مرجعية لغة الحياة ، وتكويناتها الواقعية فناورت كينونتها القديمة ، فأصبح للخطى طبيب ، والسيقان تباع وتتمزق أشلاء وازدهرت صناعة الخفاش في المدينة من خلال حيل السرد القائمة على البناء المشهدي .
ويصعِّد النص من وتيرة المفارقة الساردة التي يكثفها السارد الذاتي – الجمعي تارة بطريقة المونولوج وأخرى بطريقة الدايالوج المنشق من الذات الساردة إلى الأخرى المفترضة لتوصيل المنظور الكنائي المجاور كما حدده تأويلنا، أما اللعبة فهي لعبة الحرب ورصيدها المعيش :
– شروط اللعبة في اقتناء البصل = اللعبة = الحرب ، الرصيد = اقتناء البصل = (تبديد ومخادعة) .
– أن يسبح الكوسج في عرق الجبين = شرط اللعبة = سباحة الكوسج = سباحة الساسة = (ظلم وقهر) .
– ورصيدي من الأمطار نهبته خزائن المياه الثقيلة/مونولوج ساخر المطر = الثروة والخير = خزائن المياه الثقيلة (الماء هنا زائدة)=(تبديد ومخادعة)
– أعرف أن الأسود مرآة الليل والأبيض أمنية الضرير/مونولوج يقوم على تجاهل العارف عبر العبث المفارق القائم على الطباق بين الأسود والأبيض = (الم وضياع .(
– أعرف أن روحي توجعكِ فابتلعي قرص الـ (دش)وطيري/ دايالوج ساخر عبر أسلوبية المخاطبة يرسم خط أو شرط الخروج من اللعبة وهو ابتلاع قرص الدش = قرص التهدئة الوهمي (أحلام الصحون الطائرة والسفر على عباءة السندباد .(
ويصعِّد النص من خطاب المفارقة في صياغات (حادة) تفضح أرصدة الحرب الدائبة :

الورائيون لاذوا بالجوائز
والبلدة علّقت خريطتها في وجهي – أعني رصاصتها

ويختار السارد الوطن القاتل – القتيل عوضاً عن الرحيل ، وكنّى عن موجوداته بـ : الأم ، والصديق ، والخضرة في آخر المطاف (أقصى الجراد) :

فلست ملزماً بمقايضة الأم بامستردام
ولا أنهي قرابتي بدموع تتراوح بين صديقين
ربما أتعمد الخضرة في أقصى الجراد
واكتظ كالأسلاك باليمام …

ويبقى المونولوج المروي بلغة المفارقة وأسلوبها ممتداً على بساط الأفعال العبثية والفواعل النصية الساخرة وافاضاتها الماكرة .

السلحفاة أنا في ماراثونات الصكوك
أفضل جبنة الغبار علامة العاصفة
واطحن لؤلؤ العطايا بانقلاب الصدف …

إن كل مفردة من هذا المقتطف النصي أو صورة ساخرة – عابثة تختزن الدلالة الواقعية المعيشة والأخرى الشعرية – المفارقة عبر علاقات الإسناد المنزاحة عن مألوفيتها وتداوليتها ، ولكن الملاحظ أن النص ، بل نصوص الديوان جميعاً – استعاضت عن بطر المجاز وشعريته بمفردات واقعية – يومية ، بما يزاوج بين إرادة الواقع من جهة عبر مفرداته ، والنيل منه عبر التعبير المفارق عنه فهو قران بين الدوال المألوفة والسياق غير المألوف القائم على التضاد
السلحفاة ———–> ماراثون + الصكوك
جبنة علامة ———–> الغبار + العاصفة
لؤلؤ العطايا ————-> انقلاب + الصدف
وعلى الرغم من تلمسه في هذا النص وفي أغلب نصوص الديوان من طاقة خاصة وعالية في صناعة المفارقة لتصبح هي القاعدة ، وسواها هو من سقط الكلام ، إلا إننا نشعر أحياناً أن النص يبالغ في تكريس صور المفارقة ليصل بنا إلى حد الإشباع ، فنصير بإزاء ما يمكننا تسميته بـ (اللهاث الأسلوبي المفارق) ، وهذا الأمر أفضى بالنص إلى التفريط بالمناخ السردي الذي بشّر به وصرنا بإزاء (مفتتحات سردية بمتن مفارقات لسانية ساردة تصل بالنص أحياناً إلى منصة خطابية عالية :

المسدس أوفر حلماً في مساءات الجميع
أعرف هذا …
فالضحايا طرقة تؤجج في الترسانة قهقهات
هذا صحيح ..
لتلد السماء محاقاً يعبده اللصوص
ولِتَسْعَ النبوءات كملقط لجمع الأضاحي ..

وتبدو نهاية النص أكثر هدوءاً وصخباً مما تقدمها من صياغات حادة فهي أكثر تخلياً عن الصيغ الأمرية ، وأكثر اقتراباً من الصور المتأنية التي يصوغها النص بطريقة السرد الذاتي ، وبصيغ الإستشراف الإستباقية :

آن لإخلاصي أن يفرط بالخلاص
.
.
.
فالجوازات حيلة قنصلية
تمأزق الراحلين بفتنة الموز
وتحتسي الذكريات …

ولعل هذا التكثيف الشعري التصويري ، وإن كان ينحو نحواً مفارقاً سارداً إلا أنه يمثل صيغ المفارقة العليا المطلوبة ، فالضربة الشعرية التي تحققها المفارقة تظل تنزع إلى أن تكون لمسات ماكرة حادة أحياناً ، وهادئة أخرى ، ساخرة أحياناً وخبيئة أخرى ، وضمن تنويعات أسلوبية المفارقة الساردة اختار النص في خاتمته صياغات سردية مفارقة واعية بضرورة مغادرة أسلوب المفارقة الضاربة أو الطارقة (ضربة المفارقة) العالية الصوت فقد عبر النص عن خيار البقاء على قيد الوطن بالسرد المفارق في ثلاثة أفعال سردية هي الإحتيال والإغواء والإسترجاع:

الجوازات = حيلة قنصلية (1)
تمأزق الراحلين بفتنة الموز (2)
تحتسي الذكريات (3)

ثم يختار بعضاً من الصور الكثيفة للرد على إغواء الرحيل فحين تلهث المفاتن ، وتنهال طرود المزايا بقراءة الذهب يكون الرد :

عندئذ
سأطيل الأظافر
بما يعرقل انتزاعي من “شارع الرشيد”
وانحت موتاً جيداً للحقائب
بالإمتناع عن الـ “هناك”
وأحبكِ …

ومن الواضح أن أفعال السارد المقاومة للرحيل (إطالة الأظافر) و (نحت موت للحقائب) تقع في سياق ما ذكرناه من صور المفارقة الساردة العابثة بالمألوف .. ولكن النص نجح أيضاً في الإدلاء بتمكنه من التكثيف المفارق ، واختزال المفارقة أيضاً في كلمة مجردة من الخيوط التصويرية ممثلة بمفردة الـ (هناك) للتعبير عن الغربة ، و(أحبكِ) للتعبير عن الحبيبة في تكنية ممتلئة مفارقة للإيحاء بحب الوطن والتمسك بأرضه فاختزل الدال اللساني (هناك) السرد المكاني بتكثيفٍ عالٍ كما اختزل سرد أفعال البقاء على قيد الوطن بفعل الحب (أحبكِ) .
…………………………………………………………………………………
– ازدهارات المفعول به – سلمان داود محمد ،
دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد ، ط1، 2007 .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *