الرئيسية » نقد » ادب » أحمد الشطري : قراءة في فنجان شاي فليحة حسن

أحمد الشطري : قراءة في فنجان شاي فليحة حسن

قراءة في فنجان شاي فليحة حسن
أحمد الشطري
تعد الشاعرة فليحة حسن من الشاعرات العراقيات اللائي استطعن ان يثبتن وجودهن ويخططن اسماءهن بحروف لامعة في سماء الادب العراقي والعربي على حد سواء، وقد تميزت فليحة حسن بنضج ادواتها الابداعية من خلال ما قدمته وتقدمه من نصوص ذات قيمة فنية وجمالية عالية.
ولعل تغرب الشاعرة اضاف لتجربتها فضاء اوسع من خلال احتكاكها المباشر مع التجارب العالمية بالإضافة الى ما يوفره التفاعل المباشر مع الثقافات الاخرى من غنى في الرؤى والأدوات، ورغم ان الشاعرة توحي لنا من خلال مجموعتها الشعرية (وانا اشرب الشاي في نيوجرسي) بتمسكها بعمقها الثقافي المتأصل سواء من خلال توظيفها للموروث التاريخي او الميثولوجي او من خلال التوظيف القصدي للهجة العامية تداخلا وتحاورا مع اللغة الام وفق ما اجترح الدكتور مسلم الطعان بتسميته بالنص المحاور كما نجده في نص (اعترافات) اذ تقول:
أتوضأ دمعا مسفوحا
وأهيل الحزن على عمر
مبيوع بالمجان
فهلا اصغيت لقافلة الاه؟؟
(هي هم دورة فلك
وآخر زماني
أحبْ وأنحبْ
واني شمعة ضيم
من كثر السـﮕم
كل ساع تثكبْ).
ان توظيف فليحة حسن للموروث الميثولوجي لم يكن توظيفا سطحيا ساذجا بل كان توظيفا تفاعليا يعطي للنص بعدا يسهم في اغنائه دلاليا وجماليا. وسواء كان توظيفها للميثولوجيا والموروث التاريخي فعلا واعيا ام غير واع فإنها تحاول كما نرى ان تشاكس ذلك الموروث وتخرجه من دائرة حدثه المتعارف الى دائرة حدث تجترحه؛ لتبتعد عن رتابة الاستخدام المألوف والمتكرر .
ولنأخذ احد نصوص هذه المجموعة كنموذج نتعرف من خلاله على طبيعة الاستخدام للموروث القصصي القرآني.
في نص اسمته (يوسف) من ديوانها (وانا اشرب الشاي في نيوجرسي) تعمد الشاعرة الى ما اسماه جيرار جينيت بـ(التناسخ النصي) مع قصة يوسف التي جاءت في القران الكريم. يقول جينيت: “انني اسمي (هذا) نصا ناسخا hypertexte كل نص مشتق من نص سابق بواسطة التحويل البسيط … او التحويل غير المباشر الذي نسميه محاكاة” شعرية النص عند جيرار جينيت- سليمه لوكام.
فهي تبدا النص بقولها:
” مجنونة
ما تفتا تذكره”
والظاهر ان الخطاب هنا موجه من (انا) الشاعرة الى الـ(هي) و المقصود فيها (زليخة) وفقا للنص القرآني وهي محاولة لإيهام المتلقي بثنائية التخاطب الى اننا ومن خلال قراءتنا للنص وتحليله سيتضح لنا ان الخطاب هو فردي او ذاتي من الشاعرة واليها. وهي هنا تجعل من العلاقة التقابلية بين الشاعرة وزليخة علاقة تضادية وليس علاقة تشابهية فالشاعرة ترفض هذا الاستسلام الذي تمثله زليخة.
كما ان العلاقة بين يوسف النبي ويوسف الشاعرة هي ايضا علاقة تضادية رغم انها تحاول ان توجد شيئا من التشابه بين فعل الاول {وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ} [يوسف : 25] وفعل الثاني ” هو الهارب بقميصه وبقايا بنطال على ظهر دراجة هوائية) ص10، فيوسف الشاعرة على النقيض من يوسف النبي” لم يكن عزيزا في مصر ولا في غيرها” وسواء كان المعنى الذي قصدته الشاعرة بكلمة (عزيزا) هو ذات المعنى القرآني ام المعنى الدلالي للكلمة قاموسيا او المعنى التداولي، فان المراد من قولها: هو التحقير ليوسفها، او التصغير لشأنه، الا ان ما يثير التساؤل او يدعو الى التعجب هو انها نفت عنه العزة مطلقا حتى قبل هروبه بدلالة قولها (لم يكن).
ورغم ان العلاقة بين مجريات وصفات شخصيتي القصة القرآنية وشخصيتي قصة القصيدة هي علاقة تنافرية، الا ان توظيف الأسمين ونفي التشابه المفترض بين صفات الشخصيتين، يوحي بعكس ما تقوله الشاعرة، فشخصيتي القصة القرآنية تنضوي على ( الجمال والعزة وشغف النساء بيوسف وشغف زليخة به، وديمومة ذكرها له وشبابه هو وتحولها هي الى عجوز ) يقابلها في شخصيتي القصيدة( رفض تذكره، هويته الشاحبة، لم يكن عزيزا، تتحاشاه النساء، انتشائها بكاس اللبن وقضم التفاح كتعبير عن تشاغلها عنه، تحليقها على جنح حسون بعيدا عنه، بينما في الجهة الأخرى للأرض يجلس هو عجوز) هذا الاصرار على سلب صفات شخصيتي القصة القرآنية من شخصيتي قصة القصيدة برأيي هو ايحاء بإثباتها بدلالة التوظيف القصدي للقصة واستعارة الاسماء الصريحة لشخوصها. وهناك ثمة اشارة الى هذا الترابط وهو ايضا ترابطا عكسيا في قولها:
(حيث الاخوة مجتمعون عند الجبّ
يحاولون لم شمل ما تبعثر من ارواحهم
فلا يفحلون).
وبالرغم من كثرة توظيف هذه القصة القرآنية في النصوص الشعرية، الا ان توظيف فليحة حسن لها بهذا الشكل، هو بمثابة اعادة تشكيل للأحداث وفق منظور عكسي، يسعى الى الانفلات من سلبية الأنثى العاشقة، وتهشيم السلطة الذكورية المعشوقة في القصة الاصل. وان جاز لي ان اعتبر هذا النص هو نص تقاطعي، بمعنى انه يتقاطع مع النص الاصلي في نقاط معينة ويبتعد عنه في نقاط اخرى، وهو يسير بمحاذاته لا يبتعد عنه كثيرا، ولكنه في ذات الوقت لا يتحد معه، بل انه يحاول مشاكسته فحسب.
وفليحة لا تستخدم هذه المشاكسة للنص الموروث فقط وانما تحاول ان تجعل ذلك سمة غالبة على نصوص هذه المجموعة على الاقل، وربما هي تحاول ان تشاكس الالم الذي في داخلها والمرارة التي تعتصر قلبها، كما نلاحظ ذلك في نص (بالوعة اسمها الحرب) تقول:
بعد حربين وأكثر
عاد ابي علماً
أمي رفرفت معه عاليا واختفيا
استحال بيتنا الى (بسطال)
كلما حاولت نفض الغبار عنهُ
سقطت منه ذكرى محترقة
ليوم ضاع في بالوعة اسمها الحرب.
تقدم فليحة حسن في مجموعتها هذه نصوصا متنوعة في مواضيعها وفي اسلوبها، نصوصا لا تخلو من الألم والمرارة والسخرية والحنين الى ذكريات الطفولة، ولكنها نصوص حافلة بالجمال والعمق مع بساطة المفردة و الاستخدام المتقن للمفردة العامية حينا، ومحاورة النصوص الشعرية العامية حينا اخر.
وهي ربما تقدم لنا صورة عن فليحة حسن بكل ادوار حياتها، صورة تملك حافزا قويا ومغريا للوقوف امامها والتمعن فيها.
*كاتب وشاعر من العراق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *