الرئيسية » ملفات » د. حسين سرمك حسن : الانبهار المميت .. تحليل رواية (زنقة بن بركة) للروائي العراقي محمود سعيد (ملف/14)

د. حسين سرمك حسن : الانبهار المميت .. تحليل رواية (زنقة بن بركة) للروائي العراقي محمود سعيد (ملف/14)

إشارة :
منذ مجموعته القصصية الأولى “بورسعيد وقصص أخرى” عام 1957، وروايته الأولى “ضجة في سوق راكد” (1959)، أخلص الروائي الكبير محمود سعيد لهموم الإنسان العراقي والعربي. ولولا إصدار الراحل الكبير غائب طعمة فرمان لروايته النخلة والجيران عام 1967 لاستطعما القول إن وراية “زنقة بن بركة” (1970) لمحمود هي التي دشّنت العهد الفني الناضج للرواية العراقية. عام 2008 اعتبرت روايته “أنا الذي رأى” إحدى أفضل إثنتين وخمسين رواية في العالم. تدعو أسرة موقع الناقد العراقي الكتّاب والقرّأء إلى إثراء ملفها عنه بالمقالات والصور والوثائق.

الانبهار المميت .. تحليل رواية (زنقة بن بركة) للروائي العراقي محمود سعيد
د. حسين سرمك حسن

عندما تنهي قراءة رواية (زنقة بن بركة)(1) للروائي العراقي المبدع (محمود سعيد)، وهي الرواية الفائزة بجائزة أفضل رواية عراقية لعام 1994، ستشعر أولا وكأن أحداث هذه الرواية قد جرت في يوم واحد أو في زمن قصير جدا، وذلك بسبب إيقاعها اللاهث وتلاحق أحداثها وتسارع توتّراتها الدرامية. يتكفل بتأسيس هذا الشعور في نفس المتلقي عدم تقسيم الرواية إلى فصول كما جرت عليه الرواية تقليديا ووجود وقفات هي فرصة لاسترداد الأنفاس إذا جاز الوصف حيث قصّ الروائي أحداثها (قطعة واحدة) من ناحية، وانطبق المبنى على المعنى باتساق أخّاذ مبهر حيث لا توجد استطالات سردية ولا إفاضات وصفية ولا حشو لغوي زائد ولا إيغال مفرط في معاينة الحوادث من ناحية أخرى. وهذه الرشاقة السردية تجعلك تقرأ الرواية – إن توفرت لك فرصة طويلة كافية في هذا الزمن الأغبر- بصورة متواصلة وتحملها معك أينما حللت(وقد سبقني في الإشارة إلى هذا الأمر الزميل(عواد ناصر)الذي تحدّث في عموده الأسبوعي (قراءات) في ألف ياء الزمان عن انشداده المشوق لوقائع رواية (نات يعقوب) آخر نتاجات الروائي محمود سعيد الذي عدّه بعض النقاد العراقيين من أصحاب الواحدة وذلك لأننا لا نلاحق نتاج المبدع العراقي في حين نعرف آخر قصّة لأصغر قاص في كولومبيا).وقد تحدّث الروائي الإنجليزي (سومرست موم) في كتابه النقدي المهم (عشر روايات خالدة) الذي حلّل فيه عشر روايات عدهن أمهات الرواية العالمية عن عامل مهم يحدّد وفقه -مع عوامل أخرى طبعا-أهمية أي رواية وهو عدد الصفحات التي يقفزها القاريء منها بسب الملل والضجر،وعلى هذا الأساس اعتبر رواية (دون كيخوتة) لسرفانتس رواية مضجرة ولم يضمها إلى العشر روايات الخالدة التي حلّلها لأنه كان يقفز عشرات الصفحات منها ليرى إين سيكون مآل مصائر الحوادث التي كانت ثقيلة التفاصيل. ورواية زنقة بن بركة تحمل هذه الميزة المهمة ؛ الرشاقة السردية التي تتجسد في بنائها منذ لحظة الاستهلال الذي يقول فيه الراوي – والرواية تسرد بضمير المتكلم / الأنا كاملة – :

(تحدّدت العطلة عندي من خلال حدث يبدو، في الأقل، أكثر أهمية من المعتاد، ولقد نسجت الصدفة ما جعلني أحس، أيام ذلك الصيف المتوتّر الذي قضيته في المحمدية ” فضالة ” عام 1965، أني أباشر تجربة العمر المثيرة التي تزوّق أحلام كلّ شاب – ص 5)، ثم، وبعد أن ألقى لنا هذا الطُعم النفسي، يتركنا متسائلين مع عوالق إيحاءات الحدث المقصود الذي لم نعرف كنهه ويرتد راجعا ليتحدث عن الكيفية التي حصل فيها على شقة في عمارة (الصيني) الرابضة على رأس شارع الزهور كما يسمّيه سي صابر أو(زنقة بن بركة) – وهو العنوان الذي اختاره المؤلف لروايته التي تجري وقائعها في المغرب – كما يسمّيه القادري.وفي هذا (الزنقة كما يسمونه هناك – الزقاق – العطفة – الشارع الضيق من الحي) ستقع حوادث الرواية الرئيسية،حوادث تعصف بحياة بطلنا(سي الشرقي) سلبا وإيجابا.والشرقي ترك بلاده وجاء ليمارس التدريس معلما في إحدى مدارس (المحمدية) أو(فضالة) كما يشير اسمها القديم التي وصلها بعد خمس وعشرين سنة من الحرمان والاضطهاد والقسوة والصراع السياسي والسجن والفصل والعطالة كما يقول . ومنذ السطر الأول الذي يلي الاستهلال سنمسك بواحدة من أهم سمات شخصية الشرقي وسلوكه التي ستسم مسار الرواية بميسمهاالفاصل وتتراكب على ركيزتها الحوادث؛ألا وهي سمة (الانبهار) السريع والمفرط، تلك السمة البارزة التي سنجد كم كانت مسؤولة عن عنفوان حياته الرغائبي وصخبها اللذّي الجميل من جانب مثلما كانت مسؤولة عن فخاخ ومصائد مؤلمة محكمة نصبها له لاشعوره – ولاشعور الشخصيات الأخرى التي ارتبط بها – وكادت توصله إلى الخراب الشامل من جانب آخر. يتحدث عن الشقة التي عثر عليها قائلا أنها (كانت أكثر من ملائمة وجميلة ولذيذة، تباركها الشمس بأشعتها الدافئة حوالي الثانية عشرة – ص 5)، ويكشف استخدام وصف (لذيذة) لشقة سكنية عنف انسحاره بهذه الُلقية التي أربكت بصيرته اللغوية.هذا الارتباك الذي يصبح آسرا في مواضع أخرى حين ينظر الشرقي إلى الناس والموجودات بعين طفلية وبروح الالتحام العارم بالطبيعة، إلتحام الفطرة المتحرّرة من قيود العقلانية المعطّلة والحساب النفعي الفج الذي يسيطر على حيوات البشر في علاقتهم بالآخرين وبالأشياء. إنه لا ينظر إلى أي شيء مرّتين مكرّرتين بعين بليدة ؛ بل نجده في كل مرّة تكون نظرته متجدّدة ومنفعلة بدفعات رعشة الاستجابة العذرية الأولى :

– (من اللحظات الأولى وقعت في هيام الشقة الفريدة التي كانت أرضيتها صبّة واحدة من الموزاييك الرمادي والأصفر الناعم – ص 6)

– (ماذا كنت أطلب أكثر من هذا ؟ أيحلم الغريب بأكثر من أن يجد كلّ من يحتاجه على بعد لا يتجاوز عشر خطوات من البار إلى الجزار(…) أحسست أني سقطت في جنّة يحسدني آدم عليها ؟ – ص 7)

– (أراح قلبي أكثر من أي شيء آخر، وجود مقهى عامر حيث تنفرط حبّات الوقت ضائعة في متاهات متعة فريدة، مذابة في نكهة القهوة الفاخرة السوداء وخيال الماضي والآتي – ص 6)

(في الفجر تغرق المدينة في ضباب هلامي هائل،لا يلبث أن يتفتت مرعوبا أمام أشعة الشمس التي تحيله إلى قطرات حنونة تبلّل كل شيء،لكنها تترك على أوراق الشجر دموعا كالدر اللّامع، يتوهج تحت أشعة الشمس الحنون – ص 10)

-(المغادر إلى الرباط لابد أن ينسى بعد ثوان قليلة حيث تأخذ الروح متعتها الدائمة في عناق البحر والغابة الثرة المجاورة عن طريق يتكسر على أمواج البحر، متموجا بحنان دامع من شوق الساحل الشبحي – ص34) .

– (كانت الشمس تترع الأشجار الباسقة بعصيرها ذي الزبد الاصفر – ص35) .

وقد يرى القاريء أن هذه الإندفاعة في الوصف والانفعال في الإستجابة لمؤثرات بسيطة هو جزء مما تتطلبه شعرية الرواية الحديثة وهو اعتراض لا غبار عليه إلّا أنّ ردود أفعال الشرقي هذه هي جزء من مسار سلوكي ثابت وليس موقفا عفويا عابرا أولا وهو، ثانيا، حين يتمادى في التعبير عن الهزّة الوجدانية التي تعتريه تنسرب في طيات تعبيراته وتحت أغطيتها مفردات تشكّل، حين توضع ضمن إطار شخصيته الكلية، مؤشرات على بنية لاشعورية راسخة وحاكمة تحرّك تفصيلات حياته كلّها من وراء ستار. يتحدّث الشرقي عن العوامل المشتركة التي جذبته، هو والحمام، إلى هذه البقعة الجميلة – المحمدية، فيرى أنها تتمثل في(هدوئها وجمالها وتاريخها) موغلا في بناء دوافع معرفية ونفسية مشتركة بينه وبين الحمام . ويلتقط في نهاية وصفه لحركة الطيور ممارساتها الجنسية التي قد تغيب عن أذهان الكثيرين :

(إذا كان ما جذبني إلى هذه البقعة هدوؤها وجمالها وتاريخها، فلعله كان العامل المشترك الذي جذب الحمام المتجمع على شكل زرافات، يتمشى متهاديا، أمينا … مرفرفا فوق بعضه، نازلا بهدوء، صاعدا بصخب، يمنح المراقب بين الحين والحين التمتع بلذّة من لذائذ الجنس البدائية الدائمة – ص 7).

ويأتي المقطع اللاحق مباشرة ليشي بـ (كشف) لغوي يبدو بسيطا في الظاهر لكنه، وحين يوضع من جديد في سياق الموقف الانبهاري الشامل الذي يطبع حياة بطلنا سيشكّل مؤشرا لا يمكن التقليل من أهميته في تشخيص دوافعه اللاشعورية اللائبة :

(حين أنظر عصرا إلى حيث (تنتحر) الشمس بهدوء غريب فوق البحر الذي لا أراه، أشعر بحنين شديد لشيء أحلم به ولم أنله، مغلّف بلذة خمريّة آسرة، تسري في بدني، مخدرة أوصالي، فلا أكاد أحس بشيء مما يحيطني – ص 7) .

إننا نستطيع التعامل مع الكلام – الإبداعي خصوصا – كما نتعامل مع الحلم من حيث امتلاكه لمضمونين: الأول هو المضمون الظاهر – manifest content وهو المعنى المباشر – الذي قد يكون بلا دلالة مباشرة ومفككا أحيانا – لحوادث الحلم التي يراها الشخص الحالم في نومه، والثاني هو المضمون الكامن–latent content وهو المعنى (الخفي) والمستتر المرتبط بالرغبة اللاشعورية الدفينة التي يكون المضمون الظاهر تعبيرا مشوها عنها لغرض تمريرها من سيطرة الرقابة وإشباعها وذلك عبر عمل الحلم –dream work الذي يقوم بتنكير الرغبة الممنوعة غالبا من خلال آلياته المعروفة (الترميز،الإزاحة، التكثيف، التصوير والقلب والإنضاج الثانوي).وإذا كانت لغة الحلم الوحيدة هي الصورة فإن لغة النص الإبداعي هي المفردة المحكومة بسياقها الأفقي اللغوي من ناحية وسياقها العمودي – نختلف هنا عن أطروحة دي سوسير – المتمثل في جذورها الغائرة في تربة اللاشعور حيث تسهم دوافع الأخير في انتقائها وتشكيل قدرتها التعبيرية وفي – وهذا مهم جدا- تسريب مفردات قد تبدو متناشزة في الظاهر إلّا أنها تتفق مع المعنى الكامن من ناحية أخرى . حصل هذا في انتباهة الشرقي للمنفعة الجنسية من فعل الحمام المتهادي،وفي اختيار مفردة (تنتحر) الحادة والمفرطة التشاؤم لوصف الكيفية التي تغطس فيها الشمس غائبة في المحيط وسط مشاعر ارتخاء وحنين تجتاح كيانه كمشاهد نتوقع منه انفعالات سلبية لمرأى عملية الانتحارهذه . في الحالة الأولى تتكشف أولا دفعات الإنهمام الجنسي الطاغية حيث يحتل الفعل الجنسي – بمفهوميه: النفسي الواسع والتناسلي الضيق – موقعا مركزيا ليس في سلوك بطلنا فقط بل في سلوك أغلب شخصيات الرواية (لا يُستثنى من ذلك رجل أو امرأة ..الرجال مثل سي صابر وسي القادري والبقالي وسي إدريس وسي إبراهيم.. وحتى المناضل العصامي (سي الحبيب)ولكن من وجهة نظر أخرى.. والنساء مثل رقية وزينة والشهبا فاطمة، وكذلك الطالبات والفتيات الصغيرات مثل زينب اللعوب والشقرا وعائشة وخديجة ورحيمة ومريم والزهرة برحو،وهو ما سنراه لاحقا). كما تكشف تلك الانتباهة النزعة (التبصصية) التي تطبع الكثير من سلوكاته،هذه النزعة التي تشكّل عاملا جوهريا في الخلق الإبداعي الذي هو عملية (استراقية) خلّاقة :

– (ملأت الباحة بثوب أخضر مشجّر، مشدود على جسد ممتلىء، كان صدرها الناهد يظهر فتحة واسعة ينحسر عنها الثوب – ص 25)

– (فكرت بأني لو كنت واقفا، لرأيت الجدول المغري بين الثديين الناصعين – ص 25)

– (وضعت قدما فوق إبهام قدم أخرى، كانت توازن شيئا مخفيا، انحسر الثوب الأخضر عن ساق ناصعة البياض، ذات بطّة ممتلئة،وأخذت تحرك قدمها كبندول الساعة – ص 28)

– (وإذ تركت وحيدا لاحظت مفاتن جسدها تتراقص حينما تسير، وأبطها يدفع بعض الشعيرات إلى الظهر، وإليتاها منضغطتان تحت مثلث صغير أخضر – ص 99)

– (عندما جلست مالت ياقة الثوب المغربية العريضة نحو الجانبين ففتحت حيزا أكبر من الصدر بحيث بدا تكوّر النهدين واضحا فيما شعت الحلمتان الكستنائيتان ببريق مذهل – ص 100)

-(بالرغم من أنني كنت أنجذب من دون وعي مني نحو فتحة الفستان النازلة على جسد صاحبته الصغيرة، حيث كانت سرتها البيضاء المدعوجة تجذبني كقطعة من المغناطيس – ص 101) .

وهذه النزعة التبصصية لا يمكن أن تتعايش بقوة مع اندفاعة جنسية عارمة فهي علامة على اعتقال تلك الاندفاعة التي لجمت بصورة شبه كاملة بعد دخول (رقيّة) الاقتحامي في حياة الشرقي حيث عافت نفسه كل النساء والفتيات اللائي توفرت له فرصة لمواقعتهن مثلما حصل مع ريم البيضاوية في الحفلة التي ضمته مع البيضاويات الثلاث المراهقات والمراكشي والبقالي في شقة الأخير، وكذلك مع الشقرا طالبته في المدرسة والتي حاولت إغواءه كثيرا، وفتيات بيت سي إدريس اللائي ظننه شاذا بسبب برودته تجاههن، وزينة في شقة الأخيرة التي دخلها برفقة رقية،وفتاة بيت البغاء الذي دعاه إليه سي الميلودي كتعبير عن امتنان الأخير لمساعدة الشرقي في نجاح إبنه الصغير رغم أنه لم يكن له أي دور، لقد عافتها نفسه في البداية حتى ظنت أيضا أنه شاذ .

أمّا في الحالة الثانية – وصف (انتحار) الشمس باسترخاء ونفس مستريحة غارقة في الحنين إلى (شيء)ما- فهي مؤشر على تزاوج دوافع الموت بدوافع الحياة في أعماق الراوي،هذا التزاوج الخلّاق الكفيل بتقديم أعظم (المركبات) في ميادين الإبداع . إن المفردات التي (تنفلت) في لحظة الخلق لا تنبثق عفوا ومن الفراغ بل تفرضها بنية لاشعورية تقوم بتشكيلها وفق الدوافع الضاغطة الخفية وليس وفق العلاقات الواعية التي يرسمها الشعور.وإذا كان الشعور هو المسؤول عن عملية الخلق البهية فإنه سيحكمها بعلاقاته المنطقية الباردة وسيكون منكرا أن يوصف غياب الشمس بالانتحار،ومن المستهجن تعايش هذا الانتحار(الهاديء)الذي هو عنيف -عنف الموت – بطبيعته، مع استرخاء المراقب الذي يغمره الحنين . يقول الشرقي وهو يصف انبثاق الفجر في ” فضالة ” :

(في الفجر تغرق المدينة في ضباب هلامي هائل،لا يلبث أن يتفتت مرعوبا أمام أشعة الشمس التي تحيله إلى قطرات حنونة تبلّل كل شيء،لكنها تترك على أوراق الشجر دموعا كالدر اللّامع، يتوهج تحت أشعة الشمس الحنون – ص 10)

إن هذه المزاوجة هي نتاج فعل اللاشعور الذي أسقط إحتداماته الصاخبة في صور تشكيلات إستعارية محببة رغم كونها متناقضة ولا صلة لها بمشاعر كيانات جامدة : رعب الضباب وحنان القطرة ودموع الشجر..إلخ.ولكن الوظيفة (النفسية النقدية) الأساسية التي نستثمرها لهذه التعبيرات الجمالية الإستعارية هو كشف التصارع الذي يعيشه بطلنا الشرقي وكونه خاضعا لاشتباك دوافع الحب والنماء بحفزات تدمير الذات والخراب . وكان مفتاح شخصيته الرئيس في إطلاق فعل هذا المركّب المدمّر هو الانبهار المفرط . والرواية بأكملها تتأسس على هذه (العقدة) التي امسك بها الروائي (محمود سعيد) بصورة مقتدرة ووظفها في عمل متفرّد يكشف أعماقنا من خلال بطله الشرقي . وهنا تتجلى أهمية الأعمال الأدبية الكبيرة ؛ في تلك القدرة الباذخة على جعل مكنونات نفوسنا التي حاولت دوافعنا المنافقة التكتم عليها طويلا، تتمظهر أمامنا بلا رياء من خلال أنموذج جزئي محدّد نتماهى معه رغم كل عثراته ورغم مصيره الذي وقف فيه قريبا من حافة (بعد فوات الأوان). وهذا الانبهار السريع حصل أولا بين الشرقي و(سي الحبيب) منذ لقائهما الأول ثم تحول إلى إنسحار بينه وبين (رقيّة) ومنذ لقائهما الأول أيضا والتي غزته بجسارة وبروح تعرّضية عزوم لا نظير لها .لكن لعبة الانبهار أو(الإنسحار) هذه كانت عبارة عن مثلث علاقات مدمّرة اكتملت أضلاعه بانسحار رقيّة بسي الحبيب الذي لم تره من قبل أبدا.(وهناك علاقات انجذاب ثانوية لكنها مهمة وقوية مثل انجذاب سي إدريس لسي الحبيب ثم نقمته عليه وانجذاب الأول للشرقي بعد لحظة التعارف الأولى والترفيه عنه بسيارته وعرضه فرصة عمل نادرة وبراتب مغر رفضه الأخير، وانجذاب الشقرا للشرقي وتعلق (قب) بسي الحبيب وولاؤه الأعمى له .. وغيرها).

لقد أجبر سي الحبيب على الإقامة في المحمدية في إثر الأحداث العاصفة التي طحنت المغرب أوائل الستينات.وكان النضال الشاق ضد الفرنسيين(المتحضرين الآن والذين كانوا سابقا يحرقون أي مغربي حيّا إذا وجدوه يتجول في شوارع أي مدينة مغربية بعد الغروب) قبل الاستقلال وضد الجمود والخصوم المتناحرين بعده قد حنكه وأوصله إلى مرتبة من المجد لم يصل إليها بجهده إلّا القليل من الشخصيات المرموقة في قليل من البلدان.لقد أجبر على الابتعاد عن السياسة وحددت إقامته قسرا.ومن الطبيعي أن صاحبنا الشرقي يسعى إلى التعرّف إلى مثل هذه الشخصية المناضلة التي(تأسطرت) في وجدان الجماهير المغربية رغم أنه يعلن بأنه ترك السياسة في بلاده، لكن هذا التعرّف كان عاصفا من جانب الشرقي ومزحوما بزخم عاطفي شديد وغريب في الوقت الذي كان فيه سي الحبيب يحاول، من جانبه لجم هذه الإندفاعة وجعل الموقف العقلاني يطغى عليها . يتحدث الشرقي عن عيني الحبيب فيرى فيهما بريق ونظرة طفولية عذبة، لم تدنس براءتها الحياة السياسية – ص 11- :

(ولم يكن هناك من شك كبير أنهما تخدعان الناظر ببساطة متناهية،تجعله يتساءل مع نفسه : أهو يكحل عينيه أم ذاك سحر طبيعي – ص 11) .

ومن جديد تتصاعد فورة لاشعوره حين يقارن عمره بعمر سي الحبيب فيصغرّه بصورة غير منطقية أولا إلى الأربعين أو الثمانية والثلاثين من العمر(وهو يعلم أن الحبيب زار فضالة قبل خمسين عاما) إلى الحد الذي يتساءل فيه هو نفسه عن سرّ مصدر هذا النزوع إلى التصغير.. وحين يستقدم صورته ويضعها مقابل سي الحبيب يرى أنه وهو ذو الخامسة والعشرين أكبر سنا منه (هنا لابد أن نشير إلى أن الشرقي كان قد أشار في الصفحة السابعة من الرواية إلى أنه قد أمضى خمسة وعشرين سنة من الحرمان والاضطهاد والصراع السياسي والسجن والفصل والعطالة،وقد ظهر هنا أن عمره الكامل خمسة وعشرين عاما وهو يشتغل معلما في المغرب، وهذا شكل آخر من أشكال الإفراط في تجسيم حجم المعاناة الذاتية والذي يقع في ظل القدرة المغيبة للاشعور التي تضعف سطوة الشعور ببطء وهدوء مسمومين). ولو راجعنا وصف الشرقي لعيني ونظرات سي الحبيب في موضع آخر سنجد أن من غير المنطقي أن يلتصق أي ناقد-حتى لو كان ما بعد حداثويا – بأطروحاته اللغوية والشكلانية متجاوزا الصورة الأبوية الأنموذجية الفذة التي يرسمها الشرقي لسي الحبيب :

(أمّا نظراته فلم أر أجمل أو أصفى أو أكثر تفهما منها في حياتي. لقد رسمت دائرة حبيبة مفعمة بالصدق والوداد،كنت أنا في وسطها – ص14) وهذه الكيفية المسيطرة التي منح نفسه وفقها الحضور المركزي تنم عن رغبة أوديبية ملتهبة للظفر بحظوة الابن المفضل لدى الأب عزيز المنعة والمهيب،الابن الذي لا يمكن لنا أن نتشوش ونحتار في تحديد مغازي ولائه النفسي الحارق لـ (معبوده) بعد أن جعل يوم تعرّفه إلى سي الحبيب لحظة فاصلة في عمره.. فقبل هذه اللحظة المباركة كان الضباب يلف كل شيء من حياته.لقد أصبح يوم تعرفه بالحبيب المناضل هو يوم ولادته المحدّد أما السنوات التي سبقتها فهي هلام لا يستطيع حتى ضبط انتمائه إليها أو انتمائها إليه (ولاحظ أنه يعلن في موضع آخر أنه لم يبك على أبيه عند وفاته) . إن تلك اللحظة التي ارتبط فيها بسي الحبيب هي لحظة عصية عن التفسير إن لم نضع في حسابنا أحكام الصراع الأوديبي الذي تخفت جمرته تحت ظروف كثيرة، لكنها تعود لتتأجج بفعل عوامل كثيرة من بينها عامل قد يغفله، بل أغفله الباحثون عموما وهي الكيفية التي تسهم فيها الغربة والاغتراب-الهجرة واللجوء- في تأجيج جمرة ذلك الصراع الذي هو مصدر حركة التاريخ وجوهر الفن والدين والأخلاق .فالهجرة تمثل انخلاع الجذور من التربة (الأم) وسعي المهاجر-الذي أصبح عاريا الآن ومن دون غطاء حمايوي أمومي أو أبوي -إلى ملأ فراغ ساحة الصراع التي خوت الآن . إن العقدة الأوديبية تركن بعد مدة إلى المهادنة – عند نضوج الولد والبنت وارتباطهما أو زواجهما من نماذج تمثل في كثير من الأحوال نظائر أو مناقضات للأنموذج الأبوي أو الأمومي الأصلي – لكنها تبقى تعتمل حسب الوصف التقليدي مثل النار تحت الرماد، وتبقى تشتغل كضرورة للحياة والتفوّق والإبداع كلما دخل في حياة الفرد ظرف ضاغط يؤجج الحاجة لموضوع الحب المشترك والأثير على النفس والذي أثار الصراع، أو أن هذا الموضوع يعاود اقتحام علاقات الشخص النفسية ليكون متقاسما مع منافس يحيي صورة الغريم الأزلي وانفعالات النفس الآثمة التي تترتب على الرغبة في إزاحته (قتله تخيّلا)، وليس أكثر من ظرف الإنخلاع والهجران وتهديداته فرصة لنمو الحاجة للعون الأمومي والأبوي (حتى انتحار قسم من المهاجرين يفسر كعودة إلى الرحم الأم أحيانا) . ونتلمس سخونة انجذاب – والأصح اندفاع – الشرقي نحو سي الحبيب وتعبيراته الملتهبة فنشعر أنها انطلاقة من أعماق غائرة يقابلها حكم موضوعي من جانب الأخير يرى أن العواطف لا تصلح وحدها لتشييد أسس علاقة راسخة ومديدة :

(لكني من دون أن أشعر(2)، أصبحت كالقدر المغلقة التي تمنع البخار الساخن من الإنطلاق . كتمت تودّدا حقيقيا سيطر على مشاعري . لم أستطع القضاء عليه . وفي لحظة توهج باندفاع إلى سي الحبيب، قلت : كم كنت مشتاقا للتعرف إليك .

ضحك . شعت من جديد ابتسامته الطفولية . هذا موطن الجذب .

– هكذا مرة واحدة ؟

بدا من خلال ابتسامته عدم تصديق غير محسوم

– نعم وأكثر ..

(……)

بكثير من الحيرة أضاف :

– أخشى أن يكون الأمر الذي جذبك إليّ شعورك إننا كلينا في المعسكر الخاسر

– أيهم هذا ؟

هزّ رأسه :

– نعم .. لا تصلح المشاعر وحدها أن تبنى عليها علاقة ذات أساس متين .. ص 11و12).

2 تعليقان

  1. جمعة عبدالله

    تحليل نقدي توغل الى الاعماق , بهذه القدرة النقدية الفذة , في التحليل النقدي في كشف الظاهر والمبطن في النص الروائي , لرواية الاديب محود سعيد ( زنقة بن بركة )
    ودمت بخير وعافية

  2. شكرا جزيلا أخي الناقد البارع الأستاذ جمعة عبد الله على تقييمك الوافر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *