ضياء حجازي*: الغضب في رؤيا جمالية وأخلاقية..

* مسرحي وباحث عراقي يقيم في السويد ويقيم مؤقتا في القاهرة

** متابعة وقراءة لأيام تصوير مسلسل “الباب الشرقي” 
ف: عبدالخالق كريم
أخراج: باسم قهار
    تألي                                   
 يقول جان جينيه في سياق إحدى لقاءاته أن في كل جمال ينتجه الفن هناك أخلاقيات. مخرج العمل باسم قهار باحث جاد في الجمال تلازمه أخلاق الفكر الذي لايهدف ابداً للعمل في منطقة رد الفعل أو ما إعتدنا على تسميته بالمرآة العاكسة للهم المجتمعي، إنما يحاكم ويفكك ويعيد خلق أسئلة حقيقية تثير وتحفز ولا تخدّر وتطمن، لحظة الفن عنده مقاومة لكل ما هو قبيح وجبان في حياة الانسان، وتجسد هذا في أعماله التي بدأها مسرحياً ثم سينمائياً والآن تلفزيونياً في عمل قيد الإنجاز يشتغل على قضية إشكالية وعرة بكل أبعادها الفكرية والثقافية والجمالية.  وبما ان الأسئلة هي محرك الفكر بكل تجسداته الإبداعية ولعلها الغاية في أحيان كثيرة ، نبدأ إذاً بطرح الاسئلة التي ستقودنا لفهم إنشغالات وإنتقاءات هذا الفنان الباحث عن الجمال والمسكون بالقلق والتحدي. فنسأل ماهي هوية الفنان المثقف في عراق القيامات المتلاحقة؟ بقراءة هذا السيل الهادر من الشرور التي أصابت المجتمع والتي يتقاطع فيها السياسي والإجتماعي والثقافي؟ ماهو النص الذي يمكن أن تنتجه هذه القراءة، وماهو الفضاء الذي يحتضن هذا النص كي يولد ويعيش ويكون مؤثراً في صلب مايحدث ولايكتفي بالضفاف الآمنة؟
أعترف أن الأسئلة كثيرة وصعبة جداً ،  لكن زمن العراق صعب بكل مافيه من قهر وخوف وجشع وجوع. وبما أن باسم قهار معني بالبحث والإجتهاد فقد إختار القراءة الأصعب والأكثر خطورة ليضع نصاً فيه بحث في أسئلة شائكة عن الهم اليومي لكل عراقي وعراقية. أحسد باسم الفنان الباحث، على شجاعته وتحديه ، فغضب باسم (العنوان المقترح للمسلسل هو غضب) هو قرين لسيل الغضب الذي يسكن كل عراقي، والغضب في نظريات علم الإجتماع وعلم نفس المجتمعات هو ثورة كامنة يردعها القمع والإرهاب اللذان تمارسهما مراكز السلطة على مجتمع ما. لو أعدنا قراءة مفردات الجملة السابقة لوجدناها تتضمن أغلب مواطن الألم وأيضا بعض نتائجها في مجتمعنا العراقي المعاصر.
النص لعبد الخالق كريم والإخراج لباسم قهار والحدث المحور هو غضب العراقيين الذي تجسد في تظاهرات ساحة التحرير في بغداد. كي أتفق مع القارىء فإن ما أكتب هو محاولة لقراءة في العمل كورشة فنية اثناء إنجازها، أي أني معني بيوميات العمل كمشروع غير منتهي، مشروع حي مستمر يسعى لتجسيد لحظة تاريخية مهمة في مصير العراقيين. زمن العمل فنياً هو أيام المظاهرات الأربعة بما سبقها من إعتصام وماتلاها من ملاحقات وإعتقالات. هذه الكثافة في الزمن وبالضرورة الكثافة في الإحداث وإيقاعها ، يشكل غواية بالنسبة لباسم قهار المسرحي أساساً وأولاً. وهي غواية فيها تحدياً لايتصدى له إلا فنان يهوى الصعب من الأسئلة. أربعة أيام متسارعة وحبلى بالمصائر والأقدار، هي بداية للخلق الذي قُمع وشُوه وعُطل في العراق. إنها لعبة خطرة جداً أن تجسد هذا السيل المتسارع وذو الأهمية الكبيرة دون ان يتراخى إيقاع العمل أو يسقط في الترهل فكرياً أو فنياً ، والأهم أن لاتتنازل عن الشرط الجمالي المتلازم بالإخلاقي في عمل غايته الأسمى  التذكير بأن المواطنة والإنتماء لوطن إنما هو أخلاق  بمعانيها الأكثر سمواً والأكبر أهمية. السؤالين هنا هما كيف يعيد باسم قهار قراءة هذا (الورق/النص المكتوب)؟ وكيف يعيد إنتاجه ليحقق مبتغاه فكرياً وجمالياً وأخلاقياً؟
 هناك خطاب ولغة تملكها وتستخدمها مراكز السلطة في المجتمعات التي تحكمها الدكتاتوريات والتوتاليتاريات، أو بمعنى أدق المجتمعات التي لاتحكمها ديمقراطية حقيقية. يجري عادة تعميم هذه اللغة بترويجها وتثبيتها في كل سياقات المجتمع وتجسدات سلوكه، أي في عموم ثقافته بكل تفاصيلها. وبتعميم لغة السلطة هذه بإعتبارها اللغة الوحيدة “الشرعية” للخطاب الفكري والثقافي والإجتماعي، يُحَوّل المواطنون الى أسرى أو على الأقل الى غرباء في أوطانهم يعيشون مقطوعي الصلة بهذه اللغة ، لأنها لغة مستعارة وفارغة ولاتنتمي للحقيقة في شيء ،  فهي لغة قمع وليست لغة حرية وإنتماء للمكان والزمان وبمعنى أوسع للوطن. آليات القمع التي تمارسها مراكزالسلطة على المجتمع، تعمل بكل ماتملك من قوة كي ترسّخ لغة الخطاب هذه على أنها “قدرمقدس”  مما يجبر المواطنين على إستعارة أقنعة يرتدونها بدلاً عن وجوههم الحقيقية، وكلما طال أمد هذا الخطاب كلما زادت لغته رسوخاً ، لتؤدي بالتالي الى طمس معالم الوجوه الحقيقية وذوبانها وتماهيها مع أقنعتها حتى تختفي تماماً تحت وطأتها التي تزداد شدة  كلما إشتد عود السلطة وأمعنت في القمع أكثر.
 
من مفارقات آليات التسلط هذه والتي تتجلى في تسييد لغة خطاب “موحد ومقدس” إنها تحمل في ثناياها وأبجديتها كل أشكال وصور التهميش ، إنها لغة فضفاضة ومتعالية وغريبة أي دخيلة لكنها متجبرة ومتسلطة، إنها أشبه بالمعتقل منها بالوطن ، أشبه بالأسر منها بالحرية. لكن المفارقة هي أن هذا الخطاب المتعجرف يحمل في رحمه أسباب الثورة عليه والإطاحة به. لايجب هنا أن نتفاءل كثيراً فيخيل لنا (وهذا ممكن جداً) أن الإطاحة بهذه اللغة مهمة سهلة ويسيرة. بل على العكس تماماً ، فقد يطول تسلط هذه اللغة وتقيم في مجتمع ما لعقود فتغيّب الوجوه وتحل محلها الأقنعة ليغيب بذلك الضمير والعقل وبذا تموت بذور التمرد عليها. يحتاج هذا التغيير الى لحظة شجاعة قد تكون نواة لثورة وطنية تعيد للفكر حريته المغتصبة. يحتاج هذا الى لحظة غضب مقرونة بالفعل أي فعل صغير قد يبدأ بصرخة. هل يصح هذا التوصيف على العراق؟ وماعلاقته بالمنجز الإبداعي عامة وبمسلسل الغضب خاصة؟
 مسلسل الباب الشرقي (وهو العنوان النهائي للمسلسل) هو قراءة للحظة التاريخية الشجاعة التي عبر فيها العراقيون عن رفضهم للأسر والتهميش، الإعتصام الذي تم في الخيمة الاولى في ساحة التحرير ومالحقه من إعتقالات هو الحدث الذي يريد المسلسل أن يعيد إنتاجه كفعل شعبي شجاع بدأ ولم ينته. إن الغاية من إنتاج هذا المسلسل وهو لقناة الشرقية ، هي التذكير بقيمة وتأثير الفعل الثوري الشعبي وقدرته في  الضغط على مراكز السلطة التي إستشرى الفساد في مؤسساتها مما أفقد الشعب الثقة بها كإدارة قادرة على تأسيس وتعميق ثقافة المواطنة والإنتماء والتي لابد منها لتشكيل الدولة أو الأمة.
إن الإقدام على إخراج هذا المسلسل وهو بعشرين حلقة ، يعد  فعلاً أخلاقياً بالنسبة لباسم قهار الذي يقوم لأول مرة بإخراج مسلسل تلفزيوني بعد إنجازه  لمجموعة من الأفلام الوثائقية للتلفزيون. حين سألته في اليوم الأول لحضوري أحد مواقع التصوير عن دافعه الأساسي لإخراج هذا المسلسل قال، ” أنا فنان عراقي أحارب القبح أينما وجد ، وأشد أشكال البشاعة هو أن يتم تغييب وقهر وإسكات الأصوات الحرة وهو ما يحدث في العراق ، هذه الأصوات هي قارب نجاة أمة كاملة ، لذا قمت شخصياً بتشجيع كل من كان معنا في الإعداد لهذا العمل كي يرى النور وهو بأهميته لايقل أبداً عن صناديق الاقتراع” سألته بعد أسابيع وفي إستراحة قصيرة بين مشهدين وفي موقع التصوير، ” والآن  كيف تفكر وتشعر تجاه هذا الجهد الذي تقوم به؟ ”  أجاب : “العمل التلفزيوني شاق جداً لأن مهام المخرج كثيرة ومتشعبة جداً، فلكل طاقم عمل مهامه ، والطواقم في الإنتاج التلفزيوني عديدة وذات مهام ومزاجات مختلفة، ولأني مسرحي في أعماقي لذا أهتم كثيراً بكل التفاصيل ليس الفنية منها فقط ، بل حتى الشخصية ، فلكل فرد في العمل أهميته ويجب أن أراعي الجميع” سألته: ” ماذا عن غضب (وكان عنوان المسلسل في البداية)؟ فكان جوابه “حين أنتهي في الفجر من التحضير لمشاهد اليوم وأحاول أن أغفو، أبتسم وافكر بأني لم أكن لأصالح نفسي لو لم أصر على إنجاز ما أقوم به الآن” .
الحوار والجدل المستمرين كان سمة مهمة من سمات هذا العمل. منذ وصولي الى مصر وأنا أتابع الحوارات المتواصلة بين باسم قهار وعبدالخالق كريم حول تعزيز وتعميق الخطوط المختلفة للمسلسل وأيضا مع الممثلين والممثلات حول شخصياتهم ومصائرها وتأثيرها في المسارات المختلفة للأحداث. أجزم وقد عملت سابقا أو كنت قريباً من أعمال تلفزيونية سابقة، بأن هذا الجو من الحيوية والتفاعل والمشاركة هو إستثنائي بكل مافيه من إتفاق وإختلاف وإحتدام لم يفسد جو الود الذي يسود عمل هذه الورشة. أذكر هنا الجهد المضني الذي يقوم به مؤلف العمل عبد الخالق كريم الذي يتابع أيام التصوير ويصغي ويشارك في الحوار الذي يفضي في أحيان كثيرة الى تغيير وتعديل وحتى  تعزيز خط ما أو شخصية في خط بإضافة مشاهد لصالح المسلسل. في حوار عام حول المسلسل أُثيرت إشكالية العلاقة بين السياسي والجمالي في مسلسل تلفزيوني خاصة وأن المحورالمحرك في “الباب الشرقي” هو الإعتصام والتظاهر وهو فعل سياسي وإجتماعي وإخلاقي.  المسلسل التلفزيوني هو مادة تعتمد في الإساس على مجموعة من الحدوتات أو الحكايا أبطالها بشر تتقاطع حكاياهم  فتجمعهم أو تفرقهم أقدارهم. هذه هي وبإختصار شديد المادة الأساسية للمشاهدة والمتابعة لأي مسلسل تلفزيوني. كنت مهتماً جداً بفهم فكر باسم قهار تجاه هذه الإشكالية وكيفية التعامل معها فنياً وجمالياً ، خاصة وأن أحداث المسلسل لاتمتد الا على أربعة أيام والإعتصام والتظاهر هو محركها الرئيسي. أدركت من خلال متابعتي لأيام التصوير السابقة لكتابة هذه المادة ، شخصياته وتأثيراتها على الخط العام للمسلسل. هناك عناية قصدية بالإنتقاء سواء بمواقع العمل كمكان، أي كبيت أو غرفة أو ممر أو مطبخ والإصرار على خلق فضاءات حية تحتضن الشخصيات ولاتتنازل أبداً عن كل عناصر الجمال في أي من تفصيلاتها. هناك إجماع كامل من طاقم العمل على  أن باسم قهار يفكر كفنان تشكيلي شديد الحساسية والدقة في إشتغاله على المشهد  أو أجزاءه أو “قطعاته”.  السرعة في التنفيذ هي في طبيعة العمل على مسلسل تلفزيوني، يتبع هذا التوتر والضغط ولربما إقصاء بعض الشروط الفنية اوالإستغناء عنها  لصالح الوقت. اما بالنسبة لقهار فأن وضوح الهدف والرؤيا هي التي تقود العمل في فكر باسم قهار وطريقة عمله وأيضا في سلوكه الشخصي في مواقع التصوير, هو يقود قارب ” الباب الشرقي” ليصل به الى ما يرقى  لنصب الحرية للكبير جواد سليم وليس فقط الى ماتحته في الساحة حيث قال العراقيون كلمتهم ولم يمضوا.
 
يستمر العمل وفيه تفاصيل فنية وتقنية كثيرة لايسع هذه المساحة الضيقة ذكرها وتحليلها، لكن لابد من التنويه بالجهود الكبيرة لقناة الشرقية الحاضنة والمنتجة للعمل، كما لايسعني ذكر اسماء كل هذا الجمع الجميل من الفنيين والممثلين والممثلات والمساعدين والعمال، لهم أرفع قبعتي عالياً لأن مشاركتهم هي فعل شجاع ، فعل مقاومة في زمن ربيع الثورات العربية الذي يجعلني أنا شخصياً أشعر بالإمتنان لكوني شاهد عليه ولعلي أكون بهذا المسلسل مشاركاً فيه. البطولة في هذا المسلسل جماعية وهي بالضبط كما البطولة الجماعية للمعتصمين والمتظاهرين في ساحة التحرير والباب الشرقي وكل ساحات التظاهر في مدن وبلدات وقرى العراق.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| نضال العزاوي : “وطنٌ يبكي بدلاً عنا… ” قراءة في جديد مصطفى غريب.

    محاكاة العقل للوضع الآني ارتباطاً مع التاريخ وتصورات حول المستقبل وطنٌ يبكي بدلاً …

| احمد عواد الخزاعي : فنتازيا خضير فليح الزيدي في رواية ” يوتيوب “.

صناعة الشخصية الديناميكية المدورة، سمة امتاز بها الروائي خضير فليح الزيدي، فمعظم شخصياته الروائية، تكون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.