الرئيسية » نقد » ادب » أحمد الكناني : ما وراء الشعر

أحمد الكناني : ما وراء الشعر

ما وراء الشعر
أحمد الكناني

الماورائية في عناوين المقالات يقصد بها في العادة تلك الأبحاث التي تدور حول الموضوع ولا تتعرض له ، كما يقال ما وراء الفقه عند البحث عن العلوم المتعلقة بالفقه لا الفقه نفسه ، او يقال ما وراء الفن عندما يتعلق الموضوع بأمر يدور خلف كواليس الفن وليس الفن بذاته .
وليس المقصود بالماورائية المعنى الفلسفي للكلمة وهي الميتافيزيقيا وكل ما يتعلق بالأمور غير المحسوسة الماوراء الطبيعة ، والكلام هنا ليس في الشعر كمادة أدبية متسامية وإنما هو كلام في البيئة الحاوية للشعر؛ بأعتبارها ظاهرة اجتماعية نعيشها في منتدياتنا الحقيقية اوالافتراضية .
الحديث عن الوجه الآخر للشعر ، حديث لابد منه وان جحده العوام ، وسكت عنه الانام ، كلام عن الطرف المقابل للجهة المشرقة والمُشعّة للشعر والتي لا تنتمي للأدب الملتزم بحال وان عُدّت من أنواعه …
الدكتور علي الوردي في كتابه ” أسطورة الأدب الرفيع ” أعطى لنفسه الحق في نقد الشعر العربي القديم وإسداء النصح للشعراء المحدثين عندما نعت الشعراء العرب بالشحاذين الذين يمتدحون السلاطين الظلمة أملاً بالجائزة الدسمة او جارية دعجاء ، وآخرون يتفننون بوصف الخمرة والتغزل بالغلمان …هذا فيما يخص قديم الشعر .
أما حديث الشعر فقد طالب معاصريه من الشعراء اتبّاع اللغة الميسرة المفهومة ،والابتعاد عن شوارد اللغة وشواذها؛ اذ ليس من المعقول ان تقرأ شعرا وبين يديك قاموسأً لغوياً ترجع اليه بين الفينة والأخرى .
ولم ير نفسه متطفلاً عَلى الأدب او تطرق لموضوع ليس من شأنه او اختصاصه ؛ لان ناقد الشعر ليس بالضرورة شاعر والقصيدة الشعرية او المقطوعة النثرية هي لوحة فنية وظاهرة اجتماعية في الوقت ذاته .
تسجيل ملاحظة ما او حتى نقد موقف ادبي لهذا او ذاك شعراً او رواية لا يدخل في باب الفضول والتطفّل إنما هو تشخيص ظواهر قد تتفاقم محدثة مشكلة اجتماعية يصعب تداركها أحيانا كثيرة، خصوصا وأمر النشر بات مفتوحاً على مصراعيه لكل من دب ، حتى اصبح رواد الفيسبوك يلتمس العذر من المتابعين لان صفحته لم تضف موضوعا ما ليوم او يومين وكأن الناس جالسون ينتظرونه لينهلوا من فيض علمه …
لا مجال للمجاملات في المعرفة وان اختلطت الأمور على كثير من الناس اذ اعتقدوا ان الواقع المعاش وموقع التواصل اصبح واحداً فإن تفضل عليك بأعجاب او قلب احمر يتطلب الامر ان تردها اليه بمثلها او بأحسن منها وان لم يعجبك ما ينشره اذ متطلبات الالتزام الاجتماعي تقتضي ذلك …
ذات مرة عوتبت على إعجاب بَدَرَ مني لمقالة صديق نشرها على الفيسبوك يتحدث بها عن ظاهرة توزيع شهادات الدكتوراه الافتخارية هذه الأيام؛ لان الشهادة العالمية قد تفقد معناها والحال هذه ، وهذا ما اتفق معه تماما ، وقد اتفق حصول هذه الظاهرة في سالف الأيام في الدراسات الدينية اذ اصبح لقب ” أية الله ” رخيصاً يطلق على من لا حظ له من العلم فأختلط الحابل بالنابل … الصديقة المعاتبة كانت ممن استلم هذه الشهادة الافتخارية واللياقة الاجتماعية تقتضي السكوت المطلق، وعدم ابداء الإعجاب بمن يطرح رأياً مخالفا حفاظاً على قيم العلم .
الشعر الحر او قصيدة النثر ليست تصورات ذهنية مبعثرة نابعة من هلوسات سكران على قارعة الطريق يحسبها الجاهل صور بلاغية فيهلهل لها ويمجّد بها فيزيد الثمل ثمالة ..
والرواية والقصة ليست خواطر نسوان بعد منتصف الليل لتشبع صفحتها بأكاليل الورود الحمراء من متابع شرب السهر مدامعه ..
قرأت رواية لإحداهن ذات يوم كانت قد أهدتها لي ثم بدأت تغدق من على صفحتها الشكر والتقدير لفلان لقيامه بالترجمة الانگليزية وعلى آخر لترجمته الألمانية … والسؤال المضمر: كيف للقارئ الشكسبيري او ذاك الألماني فهم مضمون رواية لم اعرف من لغتها الأم رأسها من ذيلها ..
موضة حفلات توقيع الكتب بحاجة الى حفلات نقدية للكتاب للحد من الهبوط الأدبي والتصحّر الثقافي .

ومما طاله النقد في أسطورة الأدب الرفيع للوردي المديح من الشعر والتفاخر بالقبيلة والأنساب ؛ ذلك لان هذا النوع من الشعر فيه ما فيه من شحذ الهمم والتذكير بالأمجاد وبالتالي الدعوة للتناحر والاقتتال وهو عكس المرجو من الشعر من الدعوة للسلام والوئام ، ويتعدى هذا اللون من الشعر الى مديح الشعب هذه الأيام والتمجيد بالأوطان فهو تفاخر ودعوة للتناحر أيضا…
الوردي ينظر الى الشعر كقطعة فنية وظاهرة اجتماعية ، وله الحق في ان يدلو بدلوه وينتقد ما شاء له من النقد للشعر كظواهر اجتماعية اتسمت بها البيئة الشعرية العربية وأدت الى كوارث بشرية من صراعات وحروب نتيجة لذلك ..
الشعراء مجموعة من الشحاذين المنافقين بنظر الوردي .
وبناءً عليه فالشعر فتنة عرقية وعصبية بغيضة ودعوة للاقتتال . .
وللإنصاف ان شعراء المديح بل حتى الشعر المغنى الممنتج من مطربي المديح هذه الأيام حولوا الشعر الى بضاعة مسجاة تباع وتشترى من دون الالتفات الى شخص الممدوح بعدل او ظلم هو كالزبون يدفع إزاء بضاعة ولا ينظر الى شخص الزبون بل الى أمواله
الشعراء الكبار يترفعون عن الخوض في المديح والهجاء لانها وضاعة لا تناسب الافذاذ .
هذا اللون من الشعر هو احد فنون الشعر وله مبدعيه ونجومه الامعة التي أغنت الشعر وجعلته اكثر ثراءاً و من الناحية الفنية طَرَزَ الأدب العربي بأروع ما يكون من لآلئ البيان وأصفى من رحيق شقائق النعمان ، خصوصا في فترته الأموية وصراع الهجاء الذي وصل الى أوج عظمته على يد جرير والفرزدق ..
نقرأ ونستمتع بالصور البلاغية النادرة من شعر جرير وهو يهجو بني نمير ، سحر من الشعر لاحق هذه القبيلة كاللعنة الدائمة :

أَتَلتَمِسُ السِبابَ بَنو نُمَيرٍ فَقَد وَأَبيهِمُ لاقوا سِبابا
أَنا البازي المُدِلُّ عَلى نُمَير أُتِحتُ مِنَ السَماءِ لَها اِنصِبابا
إِذا عَلِقَت مَخالِبُهُ بِقَرنٍ أَصابَ القَلبَ أَو هَتَكَ الحِجابا
تَرى الطَيرَ العِتاقَ تَظَلُّ مِنهُ جَوانِحَ لِلكَلاكِلِ أَن تُصابا
فَلا صَلّى الإِلَهُ عَلى نُمَيرٍ وَلا سُقِيَت قُبورُهُمُ السَحابا

ونقرأ التفاخر بأعلى صوره هي هذا البيت :

إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتاً
دعائــــــــمهُ أعزُ وأطولُ

الالتفات الى الوجوه البلاغية الساحرة في هذا البيت من الايماء الى وجه بناء الخبر ، والتعريض لتعظيم الشأن ، وما الى ذلك من الوجوه ، التي تحاكي في بيانها وفصاحتها الآية القرآنية : “ان الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين” كما أشار اليه السعد التفتازاني ، بل أسهب في توضيحه في شرح المطول .
وأريد هنا ان اكمل ماتوصل اليه الوردي في بيان شعر المديح لكن بنسخته الفارسية ، وهي لا تقل خطورة عن اختها العربية …
وبالالتفات الى الشعر الفارسي وهم ابطال الميدان في التفاخر بعرقهم وبطوالاتهم مثلهم مثل الاخوة الأعداء من الأدباء العرب، يظهر في المقدمة الفردوسي والشاهنامة التي كتبها او في الأصح أكملها نزولاً عند رغبة الشاه الساماني ، وهي ملحمة تفاخر بالعرق الفارسي وأفضليته على بقية الاجناس والأعراق حيث أرخ فيها الفردوسي الرموز الفارسية وأشاد ببطولاتهم بطريقة أسطورية في الفترة الساسانية الى فترة السقوط المدوّي لإمبراطوريتم العتيدة على يد العرب المسلمين
نظم الفردوسي الشاهنامة بما يقرب الستين الف بيت من الشعر تفوح من بين جنبي بعض تلك الابيات رائحة نتنه تزكم النفوس
اسمع لهذه الابيات :

عرب ﺭﺍ ﺑﻪ ﺟﺎﯾﯽ ﺭﺳﯿﺪﻩ ﺍﺳﺖ ﮐﺎر
ﮐﻪ ﺗﺎﺝ ﮐﯿﺎﻧﯽ ﮐﻨﺪ ﺁﺭﺯﻭ
ﺗﻔﻮ ﺑﺮﺗﻮ ﺍﯼ ﭼﺮﺥ ﮔﺮﺩﻭﻥ ﺗﻔﻮ
ﺩﺭﯾﻎ ﺍﺳﺖ ﺍﯾﺮﺍﻥ ﮐﻪ ﻭﯾﺮﺍﻥ ﺷﻮﺩ
ﮐﻨﺎﻡ ﭘﻠﻨﮕﺎﻥ ﻭ ﺷﯿﺮﺍﻥ ﺷﻮﺩ

فهو يبصق على الزمن الذي ساد فيه العرب على الفرس ” تفو برتو چرخ گردون تفو ”

تلك القصيدة تبتدء بسموم عنصرية عرقية مقيته من شاعر يتوسط تمثاله طهران ، ويعتبر محلاً للفخر والاعتزار من قبل دعاة القومية الفارسية وغيرهم ممن يتستر وراء قوميته بلباس ديني مذهبي :

ﻋﺮﺏ ﻫﺮ ﭼﻪ ﺑﺎﺷﺪ ﻣﺮﺍ ﺩﺷﻤﻦ ﺍﺳﺖ
ﮐﺞ ﺍﻧﺪﯾﺶ ﻭ ﺑﺪ ﺧﻮﯼ ﻭ ﺍﻫﺮﯾﻤﻦ ﺍﺳﺖ
ﭼﻮ ﺑﺨﺖ ﻋﺮﺏ ﺑﺮ ﻋﺠﻢ ﭼﯿﺮﻩ ﮔﺸﺖ

هو يعتبر العرب أعداء أينما حلّوا واينما ذهبوا ، أعداء في كل الأحوال ” عرب دشمن است ”
في الضفة الآخرى نجد ذوي الهمم العالية من الشعراء تختلف نظرتهم الى شعر المديح والتفاخر

جلال الدين الرومي يفرق بين مديح السلاطين الجبابره الاشقياء والعدول المتقين منهم :

مي بلرزد عرش أز مدح شقي
بدگمان گردد ز مدحت متقي

اذن عرش الرحمان يهتز اذا مدحت شقيأ
وعكسه مدح المتقي

ناصر خسرو له رأي آخر في المديح هو الأشد وطأة وأعظم قيلا :

من آنم که در پای خوکان نریزم
مر این گوهری دُرّ لفظ دری را

هو يصور شعر المديح بنثر الجواهر تحت اقدام الخنازير فيترفّع عن ممارسة هذا اللون من الشعر، فيقول :
أنا لا انثر الجواهر و الدرر تحت ارجل الخنازير
وبالفعل لم يعرف عن هذا الشاعر الكبير قولا مادحا لمن يعتبرهم خنازير بعيدين عن الطهر والفضيلة وهو وجه الشبه بينهم وبينه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *