الرئيسية » نصوص » رواية متسلسلة » صالح البياتي : رواية نزف المسافات
الفصل التاسع (ح 1) موت المجنون

صالح البياتي : رواية نزف المسافات
الفصل التاسع (ح 1) موت المجنون

رواية نزف المسافات
صالح البياتي
الفصل التاسع ح 1
موت المجنون

أحدثت العيارات النارية عند ارتطامها بجدران البيت، صوتا مكتوما، فتح نوح الباب قليلا، ليرى ما يحدث، رأى أم سعيد تخرج من غرفتها، تتوسل بهم أن يكفوا عن إطلاق النار، صرخ ضابط الشرطة فاخر خريبط ، تنحي جانبا أخرج الينا وارفع يديك عاليا، هرب سعيد من نافذة الغرفة، وتسلق الى السطح، أخذ يطلق النار عليهم، ردوا عليه، صرخ فاخر خريبط، لقد جرحَ واحدا من رفاقنا، سنقتل الكلب حالا، فاجأهم ثانية من داخل المنزل، حاول الهرب عندما نفدت ذخيرته، حاصروه، فهبت امه لنجدته، وقفت أمامه لتحميه، حاول دفعها، لوح بمسدسه، أطلق أحد عناصر الأمن النار فقتلها، وقبضوا عليه جريحا.. سحلوه من رجليه خارج البيت وهم يضربونه ويركلونه حتى أثخنوه، فراح يصرخ:
قتلتم أمي الدهلة..
كانت ستائرغرفة النوم غير مسدله، شمس تغمر الغرفة، يحجب سرير النوم الكبير ضؤهاعن عينيه، صحا مشوشا، نظر حوله، لم يصدق انه كان يختنق تحت كابوس مرعب، اشبه بالواقع الذي يعيشه الناس، بكل تفاصيلة وظلاله القاتمة، خرج عندما أسترد وعيه، لم يجد أحدا، كان وحده في بيت اشباح..
عثر على رسالة سعيد القصيرة: أعفيك من تهريب والدتي الى إيران، سأقوم انا بهذه المهمة الصعبة.
كان عازما على مساعدتها، كآخر شئ يقوم به، قبل ان يرحل عن مدينته ولا يعود اليها، لكن السومرية أم سعيد ستعود، كما تعود الطيور المهاجرة لموطنها الأصلي، رغم خوفها من الوقوع في شباك الصيد المنصوبة لها على أسطح مياه الهور الساكنة..
بعد تلك الليلة المروعة التي رأى مصرعها، كأنه حقيقة، رغبت نفسه عن الإفطار، خرج يحث الخطى لبيته القريب، كان مسرعا كالمطارد من اشباح الليلة الماضية، يروم أعداد حقيبتة للسفر غدا..
رأى قبل وصوله شاحنة عسكرية تدخل الزقاق، توقفت امام بيت أحد المهجرين، ترجل السائق ومرافقه، انزلا نعشا ملفوفا بالعلم العراقي، تركاه امام الباب المغلق، وعادا للشاحنة التي انطلقت بسرعة، تحلق البعض حول النعش، وصل اليه، انحنى عليه، رفع رأسه للذين احاطوا بالتابوت..
علينا ان نشيعه لجامع النجارين.
رفعوه عن الأرض، وساروا به للجامع، أسجوه في باحته، ارسل نوح من يخبر الشيخ كاظم ليأتي للصلاة عليه، لكنه اعتذر، كان سبب الإعتذار كما فهمه نوح؛ الخوف من تهمة التعاطف مع المسفرين، دار نقاش سريع بين الحاضرين، اتفقوا على دفنه بمقبرة المدينة، وإقامة مراسم التأبين على روحه مساء نفس اليوم.
كان من عائلة محترمة ، ميسورة الحال، لم يحقق الأبن حلم ابيه بدراسة الطب، امتهن بعد تخرجه من الثانوية بيع الساعات اليدوية، فكان يشتري بضاعته من تجار جملة بالكويت، ويبيعها على زبائن، يرغبون إقتناء الساعات السويسرية من الماركات العالمية..
كان يولي عناية خاصة بأناقته، وعلامة ذلك احذيته النظيفة اللامعة دوما، رغم غبار الصيف الكثيف، وأوحال الشتاء، يسرح شعره الاسود يرسله للوراء، وسيم ومؤدب، يتحدث بلهجة مزيجة بين الميسانية الحضرية والبغدادية.
كان كريم النفس، يبادرلمساعدة المحتاج عن طيب خاطر، يغض نظره عندما يلتقي في الطريق بإحدى فتيات المحلة، أحبه الناس الذين عرفوه عن قرب..
عرض مرة على نوح ساعة ثمينة، اثناء تواجده في المصرف، اشترها دون مساومة، كان بارعا في ترويج بضاعته، ونزيها في التعامل مع زبائنه.. ساله نوح يوما في احدى المرات الذي زاره في مكتبه:
“عدنان انت شاب ناجح في عملك رغم صغر سنك، اتوقع لك مستقبلا باهرا في التجارة. ولكن كأي شاب في مثل عمرك، أكان لك حلم آخر لم تستطع تحقيقة ؟”
” كان حلمي يا أستاذ نوح.. ولكن لا داعي لنبش الماضي..”
أستدعى نوح لذاكرته ذاك الحوار القديم، بكل تفاصيلة الدقيقة..
ظل عدنان صامتا، ارتسم حزن طارئ على وجهه الأسمر الحليق، تنهد بعمق:
” كان حلمي ان اكون ضابطا في الجيش، وقدمنا أنا وصديقي حنون اوراقنا، في نفس السنة، ولو اتيحت لي فرصة عادلة في المقابلة، لنجحت واجتزت اختبار اللياقة البدنية. لكنهم رفضوني.”
” لماذا؟”
“لأني لست عراقيا كما قالوا..”
“كيف!”
حكى لنوح.. ان عضوا في لجنة المقابلة قال عنه انه ايرانيا، وقال عضو اخر مستهزئا، انت نزيل وتدبك على السطح.
ادرك عدنان انه غير مرغوب به، ولما سأله نوح إذا كان الموضوع كذلك، فلماذا لم يثنك والدك عن التقديم، أما كان يعرف انهم سيرفضونك، أكد لنوح انه كان يعرف ذلك سلفا، لكنه اراد ان انصدم، فيغتنم الفرصة لتحقيق حلمه العتيد، بإقناعي لتقديم أوراقي الى الكلية الطبية، لأن معدلي كان يؤهلني للقبول، ولما قال نوح وماذا بعد؟ تأوه عدنان وتنهد قائلا، لا شئ يا استاذ نوح.. لا شئ.. هم لا يقولون لنا انتم أجانب، او مواطنون من الدرجة الثانية، ولكن افعالهم تدل على ذلك.
كان هذا الحديث قد دار بينهما قبل سنة تقريبا، عندما اشترى نوح منه الساعة اليدوية، وقد ذكره بشيء اخر.. ذات يوم تشاجر حنون وعدنان، كانا آنذاك صبيان، عيرَ أحدهما الآخر هكذا:
” يا ابن الخبازة ”
” يا ابن العجمي.”
صالحهما نوح، ومنذ ذاك الوقت صارا صديقين حميمين..
كان يحبهما جدا، وكما توقع للمرحوم عدنان مستقبلا ناجحا كرجل اعمال، تمنى ايضا للمرحوم حنون، مستقبلا مهنيا مرموقا في الجيش العراقي، شاب عصامي بمعنى الكلمة، كان يحبه ويعطف عليه كأب، لأنه نشأ يتيما منذ طفولته المبكرة، وعندما كان يلتقيه في اجازاته، قبل تخرجه من الكلية العسكرية، كان ينصحه الا يورط نفسه في أي انقلاب عسكري، وان يضع نصب عينيه دوما، وقبل كل شيء الدفاع عن الوطن، والا يتحزب لأي اتجاه سياسي يتصارع على الحكم.. كان المرحوم حنون يؤكد لنوح انه سوف لن يخالف نصيحته..
تذكره وهو صبي حافي القدمين، يحمل طبقا على رأسه، مليئا بأرغفة الخبز الحار، ليبيعه في السوق بعد عودته من المدرسة مباشرة..
وكما انه حضر مأتمه قبل اربعة ايام، ها هو يحضر مأتم صديقه عدنان، اثنان فُجع بهما، من شبان محلته الصغيرة، في اقل من أسبوع.. وعندما خرج من المأتم، ولم يجد من يواسيه بالفقيد، اغرورقت عيناه بالدموع، رأى رجلا عجوزا اعمى، يقف في الظلام، عند باب الجامع، تصدق عليه، وما أن لمس الأعمى النقود بأصابع كفه المرتعشة، حتى رفع صوته بالدعاء:
“عظم الله اجوركم ”
عندما ابتعد نوح عن الجامع، ولفته عتمة الزقاق، انتحب، واسرع في مشيه حتى وصل لبيته.
في صباح اليوم التالي ذهب لمحل عمه الحاج سبتي، كي ينقل رسالة شفاهية لشريكه، وقبل أن يصل المكان، حدث شيء غريب، أذهله عن هدفه، كان بطله المجنون عاشور، الذي طرد سليم الخماش أهله الى إيران، في حملة تهجير الربيع الكبيرة، رأى المجنون يطاف به في الشوارع، مرتديا الزي الديني، يعتمرعمامة سوداء، تكاد تسقط عند كل حركة عن رأسه الصغير، قاده اربعة من رجال سليم الخماش، حتى اوصلوه الى السوق الكبير، كانوا يضربونه بالتناوب، ضربا خفيفا، بقصد الإهانة، ويرددون ضاحكين باستهزاء:
“هذا المجوسي الدجال”
هناك تركوه، واعطوه طعاما..
بقى المسكين واقفا في مكانه بلا حراك، يلتفت حائرا يمينا ويسارا..
وفي اليوم التالي، كان عاشور يرتدي هذه المرة بدلة الرئيس العسكرية، ذات الرتبة والانواط والنياشين، ويعتمر قبعته، يقف في نفس المكان، ابتعد عنه الناس، وهم يخفون ابتساماتهم الماكرة، جاء الذين اقتادوه بالأمس على جناح السرعة، سحبوه بعنف، فسقطت القبعة عن رأسه، بان رأسه الصغير كجوزة الهند، اقتادوه بهدوء، وساروا به بين الناس، لكنهم لم يرفعوا أيديهم عليه، ولم يمسوا شعرة واحدة من رأسه الحليق.
اختفى عاشور عن الانظار لبضعة أيام، ثم شوهد جثة هامدة، عارية، مرمية عند مدخل السوق الكبير، عند تقاطعه مع سوقي العرب (العجم سابقا) والصفارين، مغطاة بقطعة من ورق المقوى، لم تكن كافيه لتغطي الجثة بأكملها، فمرة يأتي أحدهم فيسحبها ناحية قدميه المتسختين الحافيتين ليواري عورته، ويأتي آخر يسحبها ليغطي رأسه الصغير.
تساءل أحدهم متبرما:
” لماذا ابقوه وحيدا، ولم يسفروه مع اهله!”
وعلق آخر جوبا على هذا التساؤل بتهكم ولكن بنبرة حزينة:
” لكي نتسلى به وننسى الحرب..”
اسرع نوح الى جامع النجارين، مع أحد المتحلقين حول الجثة، وجلبا تابوتا وقفا للجامع، كان يشاهد هذه التوابيت قديما على جانبي ورش النجارة اليدوية، مصنوعة من من خشب رديء، معروضة في الخارج ليلا، وهي في النهاية مجرد وسيلة نقل، وتنتفي الحاجة اليها مباشرة بعد الدفن، ولم يكن عليها طلب كثير في تلك الايام.
قال نوح في نفسه.. ها قد جاء اليوم الذي ازدهرت فيه هذه التجارة، التي كانت بائرة من قبل.
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *