الرئيسية » ملفات » أحمد الشطري : تقنيات السرد في تسارع الخطى (ملف/48)

أحمد الشطري : تقنيات السرد في تسارع الخطى (ملف/48)

إشارة :
يسر أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر هذا الملف عن المبدع الكبير “أحمد خلف” الذي اثرى السرد العراقي والعربي بالكثير من الأعمال القصصية واالروائية المهمة. تدعو أسرة الموقع الأحبة الكتّاب والقرّاء إلى إثراء هذا الملف بما يتوفر لديهم من مقالات ودراسات وصور ووثائق. تحية للمبدع الكبير أحمد خلف وهو يواصل مسيرته السردية بثبات وتصاعد بارز.

تقنيات السرد في تسارع الخطى
أحمد الشطري
يعتمد الروائي أحمد خلف في روايته تسارع الخطى الصادرة عن دار المدى عام 2014 نمطا اساسيا في عملية السرد، هو ما اسماه (بيرسي لبوك) بنمط: الشخص العارف بكل شيء، وهو ما أتاح له ان يتكلم عن شخصياته ومن خلالها وفقا لما يراه فورستر اذ يقول:” ميزة الرواية ان الكاتب يستطيع ان يتكلم عن شخصياته ومن خلالها او ان يُؤَّمِنَ لنا الإصغاء اليها عندما تناجي نفسها. وهو مطلع على احاديث الذات النفسية. ومن هذا المستوى يستطيع ان يهبط اعمق واعمق ويرمق الحس الباطن” ورواية تسارع الخطى تتطابق مع رأي فورستر هذا بشكل كبير، اذ نرى ان الراوي مرة يدخل الى عمق الشخصية؛ لينقل لنا حواراتها الداخلية، ومرة اخرى ينتقل الى الوصف الخارجي للمشاهد والاحداث، او ان يلتزم جانب الاصغاء لما يدور من حوارات.
بيد ان الراوي عند أحمد خلف في هذه الرواية لا يلتزم في سرده للأحداث على ذلك النمط الذي اشرنا اليه فيما سبق فقط بل انه يتنقل بين نمطين من انماط السرد وفقا لشخصيات الرواية.

الاسلوب السردي للرواية:
مما يمكن ان يلاحظه القارئ ان هناك انحياز واضح للشخصيتين الرئيستين في الرواية، سواء من الروائي اذا ما تم اشراكه في فعل الحكي او من الراوي اذا ما جردنا الروائي من ذلك الفعل واعتبرناه مجرد مدون لما يحكى له، وفقا لرأي(هنري جيمس)، هذا الانحياز يكمن في تبنيه لاحاديثهما احيانا سواء مع الذات ام مع غيرها، ومعرفته بما تحمله دواخلهما وتصرفاتهما، في حين نراه يتعامل مع الشخصيات الاخرى بحذر بالغ، فهو ينأى بنفسه عن كل ما يحيط بتلك الشخصيات، وما يدور بدواخلها، وما يمكن ان يبدر منها من تصرفات، وهذا الفعل، هو ما يجعلنا ان نصنف الراوي في هذه الرواية الى صنفين وفق تصنيفات (تودوروف): فهو يتعامل مع الشخوص الرئيسة بصيغة (الرؤية مع)؛ ولذلك فهو مطلع على دواخلهم ينطق بلسانهم، او ينطقون بلسانه، بينما مع الشخصيات الأخرى يستخدم اسلوب(الرؤية من الخارج)؛ فهو يجهل كل شيء عن تصرفات تلك الشخصيات ودوافعها، و ما يدور في دواخلها. وينتظر شأنه شأن الشخص الرئيس في الرواية، او القارئ ما يبدر عنها من افعال وتصرفات.

زمن الرواية:
لاشك ان زمن الرواية عامل مهم في تبرير الافعال ومعرفة الدوافع والممكنات التي تتيح للأشخاص القيام بتلك الافعال وتجعلها قابلة للتصور والتصديق، كما ان زمن الرواية عنصرا مساهما في بناء وتنامي الحدث الدرامي ومنطقية احداثه والصراعات التي تجري فيه.
تجري احداث رواية تسارع الخطى في بغداد بعد عام 2003 وتتناول ما كانت تشهده هذه المدينة من هيمنة عصابات الخطف والقتل المختلفة اسبابه ودوافعه على شوارع هذه المدينة، فالظروف كانت مهيأة لنشوء مثل تلك العصابات بسبب انعدام القوة الرادعة، و تفشي حالة الفوضى وتخلخل النظام وضعف القانون وادوات تطبيقه.
وتتنقل احداثها بين دوائر متعددة للصراعات منها على سبيل المثال( الصراع بين عبد الله وخاطفيه، والصراع بين عبد الله واصدقائه في دائرة المسرح، وبين عبد الله ورواد الحانة، وبين هند وحبيبها) وهي صراعات تتفرع بخطوطها الى صراعات اخرى جانبية، ولعل ابرز رسائل الرواية التي تحاول ان تنقلها للقارئ هي الادانة الصارخة للواقع المأساوي الذي كان يهدد حياة الانسان في الظرف الزمكاني للأحداث.
كما اتاح استخدام تقنية (الميتافكشن) للراوي عملية الانتقال بالحدث لأزمنة مختلفة ولصراعات مختلفة ايضا، وهو اسلوب ربما يسمح للراوي للخروج من التسلسل الطبيعي لمسيرة الاحداث الدائرة في عملية السرد، كنوع من انواع التشويق او كسر النمطية والرتابة التي يمكن ان تخلف في نفسية المتلقي حالة من التذمر والملل.
ولعل من السمات التي يمكن لنا ان نستشعرها ونحن نقرأ هذه الرواية هو هذا التناسق الذكي بين الحدث ووصفه، اذ نحس بإيقاع حركة الحروف وهي تركض بنسق مواز لحركة الخطى الراكضة هربا من الموت. بينما يهدأ ايقاعها تبعا لحالة الهدوء التي تعتري احداثا اخرى.
لقد اعتمد الروائي احمد خلف عدة مسارات لبناء الحدث الروائي: فبالإضافة الى المسار الوصفي كان هناك الحوار الذي يساهم في تنامي الحدث وادارة الصراع. وكذلك الحوار الداخلي ( المونولوج) الذي يأخذ مساحة واسعة من مساحة الرواية والذي من خلاله يكشف لنا الراوي الصراع النفسي لبطلي الرواية (عبد الله وهند).

ثيمة الرواية:
تشكل عملية الاختطاف الثيمة الرئيسة والفاعلة لأحداث رواية تسارع الخطى الى جانب ثيمات اخرى جانبية، فمن خلال الصراع الداخلي للشعور بالخطر اثناء عملية الاختطاف ومابعدها، يبدأ سيل من المشاعر الضاغطة والذكريات والبحث عن المسببات التي ادت الى عملية الاختطاف تلك، بسلسلة من الاسئلة التي تتقافز مع تصاعد انفاس (عبد الله) اللاهثة، مشكلة دوائر من الشك حينا، ومن اليأس والخوف حينا آخر، بيد ان انثيال تلك المشاعر لا يمنع من خروجها الى مناطق خارج دائرة الاختطاف في عملية تذكر لأحداث دارت في بيت ( عبد الله) وفي دائرته، دائرة السينما والمسرح ليعبر من خلالها عن طموحه الذي يصطدم بعقبات كثيرة، فرغم كونه كاتبا مسرحيا وحاصلا على شهادة اكاديمية بالفنون المسرحية، الا انه بقي مهمشا، ولم يحصل على الفرصة التي تتيح له ان يثبت جدارته كممثل وكاتب مسرحي، ورغم استمرار الصراع بين الطموح الجامح الذي يتنامى في داخله وبين عوامل الاحباط المحيطة به، الا ان عوامل الاحباط والظروف الصعبة التي يعيشها لم تثير في نفسه الرغبة في للسفر واللجوء الى دولة اجنبية مثلما فعل صديقة المترجم. وبموازاة هذه الصورة التي ترسمها عملية التذكر (الميتافكشن) تبرز قصة (هند) ابنة اخته الطالبة الجامعية التي تتورط بعلاقة مع زميلها (رياض) وهو ابن احد التجار تؤدي الى فقدانها عذريتها، ثم تلجأ الى (الخال عبد الله) ليخلصها من تلك (الورطة) من خلال اللقاء بـ(رياض) وايجاد الحل المناسب لها الا ان عملية اختطافه تحول دون ذلك اللقاء.
لقد زرعت عملية الاختطاف بواعث الخوف والشك الدائم في نفس عبد الله بكل ما حوله، حتى بدأ يخسر اصدقاءه، ثم ينتقل بنا الراوي الى حانة يجري فيها صراع بين عبد الله وبين مجموعات مختلفة من الاشخاص تنتهي بتلك المجموعة التي تطلب منه تزوير التاريخ لصالح شخص وصفه بـ(الرجل الكبير). ومن خلال التمعن في احداث الحانة بالذات نستشعر ما تستبطنه تلك الاحداث من رمزية عالية ربما اراد منها أحمد خلف ان تضع في ذهن القارئ باعثا للتفكير وتحليل المعاني المستترة وراءها، ومن خلال قراءتنا للرواية يمكن لنا نضع احد المفاتيح او المقترحات المتصورة لما يمكن ان نستشفه من تلك الاحداث، هو ان تلك الحانة وفق تصورنا هي صورة مصغرة لتصارع القوى المختلفة على الساحة والتي تميل كفة الصراع فيها لهيمنة الاقوى، والذي يعمل الراوي على تجريده من أي تاريخ يمكن ان يجعله متجذرا في هذه الارض؛ ولذلك يلجا هذا (الرجل الكبير) الى البحث عن صانع ماهر، يُمَكّنَهُ من تلفيق تاريخ مزور؛ ليجعل منه واجهة شرعية يتستر بها. ومن خلال ذلك يريد الروائي ان يوحي لنا، ان هذه القوى التي تقترف الجرائم بحق الناس، هي مجرد قوى واهية، ولا تمتلك جذورا في هذه الارض، و مادامت كذلك، فهي لابد ان تتلاشى ذات يوم ويضمحل كل اثر لها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *