الرئيسية » ملفات » سلام حميد رشيد : جمالية التكوين الفني في رسوم رافع الناصري (3/2) (ملف/24)

سلام حميد رشيد : جمالية التكوين الفني في رسوم رافع الناصري (3/2) (ملف/24)

إشارة :
رحل المبدع الكبير “رافع الناصري” بعد عذاب ومعاناة تاركاً تراثاً فنّيًاً تجديدياً هائلاً على المثقفين العراقيين الجادّين الإخلاص له ونشره وتحليله ونقله إلى الجيل الحالي والأجيال القادمة. تواصل أسرة موقع الناقد العراقي نشر حلقات ملفها عنه والذي بدأت بنشره قبل رحيله وهو في محنته، وتدعو القرّاء والكتاب إلى إغنائه بالمقالات والصور والوثائق.

(3/2)

جمالية التكوين الفني في رسوم رافع الناصري
سلام حميد رشيد

جامعة بابل/ كلية الفنون الجميلة
salamhameed72@gmail.com

يرى الباحث إن هناك ارتباط وثيق بين اختيار الفنان للخامة التي سينفذ عليها تصميمه بالملمس الذي ينشده، فملمس الرسم المائي يختلف عن ملمس الرسم بألوانالكواش، وقد يسمح الفنان (المصمم) للفرشاة بالتحرك وترك بصماتها أو قد يستخدم وسيلة أخرى .
سادساً: المساحة :هي بيان حركة الخط (في اتجاه مخالف للاتجاه الذاتي) ويشكل مساحة – والمساحة لها طول وعرض وليس لها عمق، وهي محاطة بخطوط وتحدد الحدود الخارجية لأي حجم، فالمساحة تعني عنصر مسطح أولي أكثر تركيباً من النقطة والخط .
والمساحة قد تكون مربع أو دائرة أو مثلث أو أي شكل هندسي آخر مفروداً وقد تكون نتيجة لدمج أكثر من شكل مع أجزاء بعض التجريب من حذف أو إضافة وغيرها – لإنتاج مساحة ذات طابع خاص . وقد تكون المساحة ذات شكل عضوي، أو قد تجمع بين العضوي والهندسي، وللمصمم حق اختيار وتكوين مفرداته الخاصة به، كما إن المساحة بشكل عام هي الفراغ المحصور والمحدد بين الخطوط، وهي وحدة البناء للعمل الفني وهي أكثر تعقيداً من النقطة والخط . (إسماعيل، شوقي ص164-166)
يرى الباحث إن المساحة وتوزيعها، ترتبط بطبيعة موضوع التصميم وكذلك الأسلوب الذي ينتهجه المصمم، مع مراعاة القوانين التصميمية التي تجعل من الموضوع المصمم موضوعاً ناجحاً ومؤثراً .
علاقات التكوين الفني
أولا: التباين :إذا أمعنا النظر في مفهوم التباين في مجال الفنون التشكيلية لوجدنا انه بدون التباين لا نستطيع أن ندرك بصرياً الفروق بين الأشكال والخطوط والدرجات والألوان، فالتباين يعني تلك الفروق الواضحة بين الأشياء.
والتباين عكس التوافق: فالتوافق يعني الحالة التي يرتبط فيها شيئان أو أشياء متباينة بطريقة متدرجة، فإذا كان التوافق والانتقال مثلاً بين الأبيض والأسود، فان التباين يعني استخدام التناقضات بشكل متجاور، فكلما زادت سرعة الانتقال من الأبيض إلى حالة الأسود كان ذلك اقرب إلى حالة التباين . (إسماعيل، شوقي ، ص210)
ثانياً: التضاد (Contrast): التضاد قيمة يمكن أن نكشف وجودها في الطبيعة من خلال بعض المظاهر مثل الليل والنهار– الطويل والقصير–الخير والشر، وما بين هذه المظاهر من تدرج نحصل على التوافق .(جيلام، روبرت، ،ص41)
ويرى الباحث إن التضاد ما هو إلا علاقة ثنائية المبنى تتكون من شيئين احدهما يكمل الآخر ولا غنى لأحدهما عن الآخر، وهي تجسد ثنائية الوجود فما من شيء في الوجود إلا ويوجد نقيضه الذي يضاده وفي نفس الوقت يظهر قيمته فالأسود يظهر قيمة الأبيض وهكذا .
ثالثاً: التكرار : يؤكد التكرار اتجاه العناصر وإدراك حركتها، وعادة يلجأ الفنان إلى التعامل مع عناصر قد تكون خطوطاً أو أقواساً أو مثلثات أو مربعات أو مجموعات لونية متباينة أو متدرجة . وفي أي من هذه الحالات يلجأ المصمم إلى التكرار الذي هو استثمار لا أكثر من شكل في بناء صيغ مجردة أو تمثيلية قائمة على توظيف ذلك الشكل أو تلك الأشكال خلال ترديدات دون الخروج ظاهرياً عن الأصل، بمعنى إن لا يفقد الشكل خصائصه البنائية والتكرار بهذا المعنى يشير إلى مظاهر الامتداد والاستمرارية المرتبطة بتحقيق الحركة على سطح التصميم ذي البعدين، ويرتبط مفهوم التكرار بمعنى الجاذبية والتشابه وقيمة الإنتاج في العمل الفني عموماً وفي التصميم خصوصاً . (إسماعيل، شوقي ص226)
رابعاً: التوازن :هو الحالة التي تتعادل فيها القوى المتضادة وهو أيضاً ذلك الإحساس الغريزي الذي نشأ في نفوسنا عن طبيعة الجاذبية، والتوازن من الخصائص الأساسية التي تلعب دوراً هاماً في جماليات التكوين أو التصميم إذ يحقق الإحساس بالراحة النفسية للمتلقي .والمصمم يتجه نحو تحقيق التوازن في تنظيم عناصر تصميمية، لا لأنه أساساً فنياً فحسب ولكن لأنه من أسس الحياة . (جيلام، روبرت، ص64)
يرى الباحث إن مسألة تحقيق التوازن في التصميم قد لا تأتي من تطبيق مجموعة من القوانين، فقد يحققها المصمم من خلال انتهاجه لأسلوب أو تنظيمه لمجموعة علاقات تؤكد وحدة الأسلوب لديه وبعبارة أخرى أي انه يضع بصماته وشخصيته وأسلوبه في التصميم.
خامساً: الوحدة : إن تحقيق الوحدة من المتطلبات الرئيسية لأي عمل تصميمي، بل وتعد من أهم المبادئ لإنجاحه من الناحية الجمالية ويعني مبدأ الوحدة في التصميم أن ترتبط أجزاءه فيما بينها لتكون كلاً واحداً فمنها بلغت دقة الأجزاء في حد ذاتها، فالتصميم لا يكتسب قيمته الجمالية من غير الوحدة التي تربط بين الأجزاء بعضها بالبعض الآخر ربطاً عضوياً وتجعله متماسكاً . إن الوحدة تأتي نتيجة الإحساس بالكمال، ويأتي ذلك من اتساق بين الأشياء، فالمقصود بالوحدة في التصميم، انه يحتوي على نظام خاص من العلاقات وتترابط أجزاءه حتى يمكن إدراكه من خلال وحدته في نظام مشتق متآلف تخضع معه كل التفاصيل لمنهج واحد يمكن الاستنتاج مما تقدم إن تحقيق الوحدة في التصميم ينتج من (وجود علاقة وثيقة بين عناصر التصميم ووجود عنصر رئيسي تخضع له كل العناصر والأجزاء ووجود وحدة عضوية تربط التصميم ككل) .
سادساً: التناسب : مصطلح يتضمن دلالة استخدام الأعداد الرياضية والنظم الهندسية في اكتشاف أو وصف طبيعة العلاقات بين خواص عدة أشياء من نفس النوع . إن لغة التناسب هي لغة تحليلية وتظهر نتائج سريعة وواضحة ودقيقة حول قيمة الأجزاء بالنسبة لبعضها البعض، وبالنسبة إلى الكل الذي تكونه . وتطبيقات التناسب في التصميم تكون بعدة أشكال : (استثمار التوالي العددي، النسبة الذهبية البسيطة، المستطيل ذو النسبة الذهبية، تطوير المربع الذهبي إلى المربع الدائم الدوار، مستطيل الجذر الخامس، تطوير مستطيل الجذر الخامس) (جيلام، روبرت، ص65)
سابعاً: السيادة:هو مبدأ من المبادئ التصميمية التي يجعل فيها شكل ما أو عنصراً ما متسيدا على باقي العناصر، مثلاً بالاتجاه – باللون – بالملمس- بالحجم .
ثامناً: التناظر:وان كانت تعد من العلاقات التي ليست لها استقلالية العلاقات الأخرى، لكنها قد تنبثق من التكرار، فالتكرار يحقق التوازن ومن ثم (التناظر) .
تاسعاً: التطابق:نوع من أنواع العلاقات، ويقصد بها التماثل التام بين شيئين على الأقل مثلاً اللون والشكل والحجم والاتجاه والملمس، وهو يعني التكرار وعندما يكون بين أكثر من اثنين يكون تأكيدا على التكرار .(داوود، عبدالرضا بهية ،ص3)
ومما تقدم من استعراض للعناصر والأسس التكوينية للعمل الفني ارتئ الباحث انتقاء بعض النماذج من الرسم العراقي لتوضيح ماهية الاشتغال الجمالي والتوظيف البنائي للعناصر والأسس التصميمية التي اعتمدها الرسامون العراقيون عبر مراحل مختلفة من الفن العراقي الحديث.
وأولى هذه الرموز تجربة الفنان جواد سليم (1920-1961) وهو أول من وظف اشتغال العناصر والأسس التكوينية المتعارف عليها في رسوماته التي امتازت بكونها أنتجت أولى ثمار الحداثة في تاريخ الرسم العراقي المعاصر، ذلك إن جواد سليم كان قد أفاد من تجارب الفن الأوربي وأساليبه المتنوعة مضافاً إليها استلهامه لوحدات ومفردات التراث القديم، والذي يعود إلى سومر وأكد وبابل وآشور، وكذلك من الفنون الإسلامية (رسومات يحيى بن محمود الواسطي وفن الزخارف) والفنون الشعبية والمحلية. ولقد كان جواد سليم اقتصادياً بارعاً في اللون والخط المعبرين عن مضمون شرقي بإخراج حديث يحمل بعض ملامح (الواسطي) من حيث تحقيق المنظورين البعدي والجوي ومن حيث النظرة اللونية وصراحتها. (الربيعي،شوكت ص23)
استغل الفنان جواد سليم الرموز الإسلامية والشعبية في تكويناته وأضاف إلى أعماله الزخرفة والكتابة العربية وخاصة في (بغدادياته) واستلهم الهلال في جميع أعماله من رسوم أو نحوت حتى بات الهلال لازمة أساسية في تكوين تلك الأعمال وتركيبها، فالهلال إن لم يبرز بصورة مباشرة فهو مومى به كتركيب وهمي يبرز من خلال الموضوع. (نزار سليم، ص106).وكان يبلور رؤيته للقيم والمفردات وللوحدات الزخرفية الإسلامية وكان يجد في الأقواس شيئاً من النظام الكلي للكون في شكل الدائرة وكان يختزل الكثير من الملامح في الوجوه والأشخاص وفي الأشياء الطبيعية. (الربيعي،شوكت ص54)
إن أسلوب الفنان جواد سليم يتسم بالشمولية التي تمثل حالة التجانس بين مضامين أعماله الفنية (شرقية محلية)وتحقيق تلك المضامين (بتقنيات وأساليب حديثة). (القرغولي،محمد علي، ص46)
فخلاصة تجربته كانت من البيئة العراقية ولكن بحس غربي هذا وان اغلب الأجيال اللاحقة استفادت من التكوينات الفنية للفنان (جواد سليم) ويؤكد فاروق يوسف على إن (الفنان جواد سليم فناناً أصيلا وموهوباً، تميزت أفكاره من مسار الرسم واتجاهاته في العراق وأثرت في الرسامين وأساليبهم). (يوسف، فاروق ، ص19)
أما الفنان فائق حسن (1914-1989) فقد امتازت تكويناته بالواقعية حيث بنيت على أشكال واقعية استلهمها الفنان من البيئة المحلية والشعبية والقروية وحياة البادية، وقد بلغ من شغفه للواقع أن رسم أعمالا كثيرة للأعراب والقرويين والخيول التي هام بها، وأصبحت سمة واضحة تطبع أعماله الواقعية . لقد مر فنه بالعديد من المراحل فمن (الانطباعية إلى التكعيبية، ثم إلى التجريد وبعدها إلى التعبيرية، وأخيرا إلى ضرب من الواقعية يحاول الفنان من خلال تصوير نواحي معينة من حياة لقرويين أو البدو في العراق ، ببراعة أستاذ كبير.
ورغم المراحل التي مر بها الفنان (فائق حسن) في فنه إلا إن المرحلة الأخيرة من تكويناته الواقعية شكلت وحدة المضمون والشكل، واستطاعت أن تستوعب جميع الأشكال الظاهرة في الواقع ضمن المفردات التي تناولها في رسمه للبيئة المحلية والشعبية والقروية، حيث انصب اهتمام الفنان في رسم المواضيع التي تكون ذاته. وفي فترة الخمسينات امتازت تكويناته بأسلوب تكعيبي، كان مزيجاً من أشكال عربية مستقاة في الكثير منها من يحيى الواسطي وأشكال أوربية. (جبرا، إبراهيم جبرا ، ص14). أما فترة الستينات امتازت تكويناته بأسلوب تجريدي (مستثمراً مهاراته في إدارة مقتضيات السطح التصويري وطبيعة المواد الداخلة فيها …من الكولاج إلى البناء المباشر في اللون إلى السطوح الهندسية وتفكيك الفضاء، ومع إن حبال الوصال مع التجريد بدأت تضعف رويدا حتى إنها انقطعت ولم تترك عنده حتى ولو بقايا أسف، هذا ما جعله يدير ظهره عن التجريد والى الأبد. (عبد الأمير، عاصم ص10)
الفنان فائق حسن في كل مراحله الفنية السابقة وما رافقتها من تحولات في تكويناته الشكلية ظل يفتش عن لحظات ارتباطه بأرضه دائماً، فهو يوازن بين متطلبات تكوين اللوحة في مرحلة معينة وبين رغبة للكشف عن عناصر جديدة خلال اللون وبين حبه لبيئته وبين حساسيته بالنسبة للعالم الخارجي المتمثل بالتطورات المذهلة للفن التشكيلي في العالم.

رافع الناصري – ضياء العزاوي – اسماعيل فتاح الترك

أما الفنان شاكر حسن آل سعيد (1925م) اعتمد على اللامركزية وموضوعه البعد الواحد، اشتغال النقطة والخط وعنصر الملمس كان متسيداً على بقية العناصر، امتازت تكويناته الأولى باستخدام الألوان الحارة الفطرية المستقاة من البسط العراقية البدائية واستلهم في تكويناته مواضيع مستقاة من الأساطير الدينية وأقاصيص ألف ليلة وليلة والرسوم الشعبية. فكان يعبر عن أفكاره بخلق تكوينات تتسم بأسلوب واقعي ومن جهة أخرى يسعى إلى أسلوب يتجاوز المفاهيم السائدة وإعطاء العمل الفني سمة معاصرة. (كامل، عادل،ص117)
وقد تحول من ممارسة تكوينية إلى أخرى وخاصة في بحثه عن أشكال جديدة باستلهامه الحرف العربي خلال دراسة الخط لوحده تارة ودراسة اللون لوحده تارة أخرى ثم البحث في مشكلتهما سوياً على سطح اللوحة، كذلك بحث مسالة الزمان والمكان والحجمية (الكثافة) ومسالة المنظور غير العياني. (الربيعي، شوكت ص85). لم يكن الخط لديه بالطبع، ما يمارسه الخطاطون التقليديون، بل كان تحليلا للكتابة إلى ابسط أشكال الحرف وأكثرها حرية وأبعدها عن أي قاعدة معروفة. فقد جعل الفنان (شاكر) من الحروف والأعداد وسيلة لا غاية لغوية. فاستلهمها استلهاما فلسفياً اقرب إلى الصوفية. وقد أطلق شاكر حسن على الأشكال والكلمات (المشخوطة)على حائط عتيق أضيف إليها تجريح النسيان وتراكم الزمن معاني لم تكن في الخاطر لتصبح وسيلة لإثارة حالة ذهنية، لذلك أنتج تكوينات مختلفة امتاز بها الفنان دون غيره. (جبرا، إبراهيم جبرا، ص26)
أما الفنان نوري الراوي فتكويناته رمزية، اشتغل على رمزية المكان واحتلت قرية راوة مسقط رأسه الموضوع الرئيسي في تكويناته، حيث رسم بيوتها وقبابها وأزقتها ونواعيرها، ومن يشاهد لوحاته يتصور إنها جزء من أحلام إنسان يود العودة الى طفولته. وتأخذ القبة مكاناً مهماً في تكوينات الفنان، فهي عنده كشفاً رائعاً من كشوف الطفولة الحالمة بالملائكة والجنان وهي رمز لحالة كونية.(الراوي، نوري ص74) التكرار في تكوينات نوري الراوي يخدم عناصر اللوحة وبنيتها الخاصة أولا كما انه يعب عن فكرة ترسيخ المعنى ثانياً ومن خلال التكرار يبرز الموضوع متجدداً أو متواصلاً بإعمال الفنان عامة لان التكرار هو جزء من طبيعة الأسلوب أو الاتجاه العام للفنان. (كامل، عادل ص326)
أما الفنان إسماعيل فتاح الترك (1943) فهو كرسام يبحث في لوحاته عن قيم لونية بنظرة اقتصادية ، فهو لا يتقيد بنموذج تركيبي واحد، بل يتعداه لمعرفة قيم تركيبية أخرى، مقتصرة على اللون ودراسته، فيعالج مواضيعه بلون واحد تحيطه أرضية مضيئة (اللون الأبيض وتدرجاته) لقد عشق اللون الأبيض بحساسية غريبة وذلك بتكوين عدة درجات لونية منه والانشغال في بنائها بحرية متفاوتة بين النوع الجيد والنوع المتصنع.. وإجمالا فان لوحاته التجريدية نمط حيوي وجواب معين يستطيع أن يواجه به الرسائل التشكيلية المعاصرة والمتعددة. (الربيعي، شوكت ، ص77) حاول الفنان إسماعيل فتاح الترك تحطيم القواعد الفنية التي شاعت في بغداد بفعل جواد سليم وفائق حسن، فبعد أن استفاد من فنون أوربا قدم أعمال لم يألفها الوسط الفني، لائحة أعمال بيضاء وأخرى وردية أو زرقاء قد تحولت فيها الأشكال إلى تجريدات أو إلى مزيد من الاختزال ولكنها عامة كانت تعبر عن كشوفات لما تزل غير مألوفة. (كامل، عادل ، ص69)
أما الفنان (ضياء العزاوي) فتنطلق أولى أعماله من تجربة مدرسة بغداد للفن الحديث التي أسس لها الفنان جواد سليم رائد الفن الحديث في العراق وكانت هذه المدرسة ترتكز على العودة إلى العناصر البصرية المحلية واستلهام مفردات الفلكلور في سياقات شكلية معاصرة .
فتأثر العزاوي في بداية بحثه عن أسلوبه المتميز ببغداديات جواد سليم واستعماله للرموز الشعبية والأهلة والعيون السومرية، واتخذها كتكوينات رئيسة في أعماله بالإضافة إلى استعماله الحرف، ومزج كل هذه المفردات الأولية بذكاء، كما استغل في أعماله الفراغات الواسعة بمنطق فلكلوري وبناء تاريخي شعبي خالقاً من كل ذلك الإحساس بالغموض والطاقة الداخلية المكبوتة، وهو يتحدث من خلال لوحاته بجمالية اللون والتشكيل وبحساسية تجمع بين الخوف والعشق ..بين الفرح والألم. ومن خلال تأثر الفنان ضياء العزاوي بالفنان جواد سليم يقول جبرا إبراهيم جبرا: ((رهافة الخط لدى ضياء العزاوي تذكر المشاهد برهافة الخط لدى جواد سليم، ومع إن الرسام في أول الأمر كان شديد التأثير بتشكيلات أستاذه فائق حسن، فانه بعد تعريجه على الموتيفات الإسلامية، وولعه بالأساليب السومرية التي كانت جزءاً من علم الآثار )) وقد أعجب جبرا بفن العزاوي الذي استفاد من العديد من التجارب عندما يقول ( غير إن لضياء تجربته الفذة بين الفنانين المعاصرين).( سليم، نزار، ص191-194) امتازت تجربة العزاوي الستينية بالتكوين المزدوج حيث تلتقي العيون الواسعة الخاصة بالفن الرافديني إلى جوار العناصر الشعبية إضافة إلى التأملات النظرية السابقة والمعاصرة لجيله. واهتم بالمساحات اللونية الواسعة التي تشغل في بنائها حجميه السطوح وتغنيها ثراء مادة اللون المرتبطة وفق نظام هندسي مسطح.ويعد استلهامه الأسطورة الدينية إلى حد ما رموزاً وإشارات طغت عليها الجوانب الزخرفية لكل مساحة من اللوحة –الخط المرن –الكتلة اللونية، حركة الأشكال وإيقاعاتها والبناء المعماري المطعم بأشكال حروفية .(القرغولي، محمد علي علوان ص75) تأرجحت تكوينات الفنان ضياء العزاوي بين العناصر الهندسية الحادة مثل المربع والخطوط المستقيمة والعناصر الهندسية الدائرية المتحركة وأيضا يتأرجح على مستوى آخر بين التجريد والتشخيص.( الجزائري، محمد، ص124) وبهذا امتازت تكوينات الفنان ضياء العزاوي باستخدام التقنيات المختلفة واستلهام التراث الشعبي.
المبحث الثالث/ تجربة الفنان رافع الناصري
تعتبر تجربة الفنان (رافع الناصري) تجربة رائدة، غنية وفريدة من نوعها بالنسبة لتاريخ الفن العراقي بالرغم من ارتباطها بالتغرب والغربة التي ساعدت الفنان رافع الناصري أن يكون قريبا من حركة الفنون التشكيلية وتطوراتها المعاصرة.
وعن تكوينات رافع الناصري (1959- 1963م) فقد بنيت على حس تصميمي متأثرا بثلاث جوانب (الصيني، الأوربي، العربي) ومن خلالها استطاع الوصول إلى صيغة جديدة فغي تكوين لوحاته الفنية. اتجهت رسومات (رافع الناصري) نحو التعبيرية بعد أن كانت متأثرة بالمدرسة التقليدية لفن الكرافيك الصيني في باديء الأمر ثم اتجه نحو التجريدية واستلهام الحرف، ومع انعطاف تكويناته نحو التجريد إلا انه ظل محتفظاً بروحيته الشرقية من خلال تعامله مع الحرف العربي فأصبحت تكويناته خاضعة لعملية خلق واعية وصار الحرف جزءاً من عملية تصميم اللوحة، وقد ادخل عملية الكولاج بلصق قطع أقمشة التعاويذ الدينية ليضفي على تجريداته المسحة المحلية الشعبية. (الربيعي، شوكت ص68)
ويقول رافع الناصري عن تجربته في فن الكرافيك ((إن تجربتي في فن الكرافيك مرت بمراحل عديدة، من الواقعية إلى الواقعية المبسطة ثم الرمزية إلى التجريد الطبيعي إلى التجريد المطلق…أريد تحقيق لوحة تحمل روح التراث العراقي وليس تفاصيله تحمل روح العصر ولحظة تتجمع فيها كل الأزمنة)). (كامل، عادل، ص46) فأعمال الكرافيك عنده هي حلقة صلة بين تراث قديم وبين فكرة معاصرة. رسم الفنان شكل (البراق) بأسلوب يقترب من السريالية، إذ جعل منه شكلا لمخلوق برأس أنثى ويحمل جناحين. أما شكل الناعور، ذلك القوس الدائري ذا البعد الهندسي غير المنتظم الحوافي، احد أهم الأشكال المنتقاة في تكوينات الفنان، اعتمده في الدلالة على الحركة وتنوع الإيقاع. والمرأة عنده هي موضوع التأمل وهي مراة أيضا بما إنها غاية بحد ذاتها، والفنان يصورها بنفس القدرة على تصويره للمكان: الطبيعة أو المحيط وفي حالة قريبة إلى الصوفية في علاقة الأشياء فيما بينها. ( كامل، عادل ، ص121)
وقد اعتمدت الأفكار التي تخفي ورائها لوحاته على الإيحاء الرمزي الأدبي وتبنت تفسير حلمه الدائم الحنين إلى المرأة، هي الأرض، العطاء، الحب، وخلال حركات الفرشاة المتقطعة المرتعشة رقة يعبر عن سمات الملامح التشخيصية المغيثة في تداخلات لونية تلعب دورها في الإيقاع المضمر للوحة وتساهم مفرداته التي لا يغني عن معالجتها في خلق نوع من التعاطف الداخلي مع الجمال في الحياة والطبيعة والمرأة . ((إن التنوع الحاصل في الاستفادة من الطبيعة بمرور التجارب وتكرارها وقد دفع بالفنان إلى الاتجاه الذي يقوم على اختزال الأشكال والاستفادة من الجانب الرمزي ومن التجربة الجمالية أصلاً)). (نزار سليم، الفن العراقي المعاصر، ص194)
فتكوينات الفنان (رافع الناصري) عبارة عن تصميم ((علاقات شكلية- موسيقية مجردة ومتقنة- لا من اجل التصميم ذاته وإنما لغايات ابعد … فهو جزء من بناء العمل الفني)) بمعنى إن فن التصميم لدى الناصري يرتبط بالعمل التشكيلي كأساس متين له حيث إن اللوحة ليست في الأخير إلا علاقات تشكيلية وهذه (العلاقات) لا تنفصل عن هدف الفنان العام. وهذه الرؤية الفنية تقرب أعماله إلى الصناعة منها إلى الفن، أي بمعنى الحرص على الجانب التقني في تصميم اللوحة .. فهو يصمم العمل ساعياً إلى إتقان كل العلاقات واضعاً الأجزاء في مكانها، لا الحصول على التأثير المقصود فحسب، وإنما للوصول إلى أفضل تكوين تصميمي لهذا السبب هو يختزل الأشكال فالناصري فنان جمالي المقاصد، وقد تكون تجربته برمتها تهدف إلى إن يٌقيم لها على هذا الأساس، وخلق عمل فني مصمم بشكل متكامل يكشف عن طبيعة أخرى غير تقليدية وإنما معبرة عن فكرة الموروث من خلال الرؤية المرتبطة بالأبعاد التاريخية، فهو يحاول إن يمنح نتاجه القدرة على الامتداد في الزمن. (عادل كامل، ص112-114)
وقد وقع الناصري لفترة ما تحت تأثير سحر الحرف العربي فرغم التجديد استخدم عبارات كاملة ذات طابع تراثي في الأغلب، بحث بعد ذلك عن قيم شكلانية للحروف الفردية في تنويعاته التشكيلية الجديدة احكم السيطرة على توزيع التوازن والامتداد والفراغ، فحقق خفة تناغمية وصفة بصرية، إذ حرر شكل اللوحة في الاونة الاخيرة، اصبحت عنده الكلمات والأرقام الواردة بالمصادفة، والصلبان والدوائر تشير إلى تباريح مكنونه، القرائن الشعرية الضمنية التي تضيف قيمتها إلى الاحاسيس البصرية. (جبرا ابراهيم جبرا : جذور الفن العراقي، الدار العربية للنشر، بغداد، 1986، ص41 ).
يبحث الفنان رافع الناصري دائماً عن انجاز جمالي رفيع ((فالجمال عنده تعبير عن موقف يمنح لحياة ذلك البعد الحضاري المتقدم: ذلك لان كل نضال أصيل لا بد أن يفضي إلى غايات جمالية ذات ارتباط جدي بأعماق الإنسان وتقدمه)). (4) يقول الناصري ((محنتي الحقيقية بدأت منذ بداية التفكير بإيجاد الأسلوب وتحقيق الذات في العمل الفني ..في الوقت الحاضر هناك محن متراكمة ..اللون محنة، التعبير عن الحس الإنساني محنة، الأسلوب محنة، الموضوع محنة، وربما أزيد بان الفن هو بالتالي كما هي الحياة محنة)) ان الفن هو تواصل وبدون هذا التواصل لا تتعمق اللوحة ولا يتجوهر الفن ..اللوحة الفنية وخاصة عند الفنان الحديث، هي تطور داخلي وليست تغيير في الاشكال الخارجية او المواضيع المتطرفة، بالنسبة لعملي الحالي هو بالتأكيد تكثيف لكل تجربتي منذ بداياتها بالواقعية والتعبيرية ثم الرمزية والتجريدية والان التجريدية التعبيرية ..والامتداد ضروري بمعنى ان الفنان بما يمتلك من مفردات استطاع تكوينها من رصده الحياة والبيئة والعلاقات الانسانية، هذه المفردات التي تتطور داخل اللوحة كلما تطورت تفاصيلها وهذه الحالة يتطور عنصر من عناصر الاسلوب الفني (مجلة كل العرب، ص55)
على إن لرسوم رافع أفاقها الثقافية والإنسانية المعاصرة فهو من جهة يستثمر في فنه الزخم الحسي والقصدي تقنياً كاستخدام الخطوط المستقيمة المتوازية بتأثيرات حادة رتيبة يقدم دليلاً على إنسانيته، فهو يحقق رسومه بأكثر من موقف الرسام الملون.. فهي رسوم ذات مقاصد فالشكل الفني لديه يتقدم عمقه المضموني، فرافع الناصري يطرح ثقافته في فنه معتمداً على رؤيته التصميمية في التوفيق بين المساحات والخطوط والألوان وكل الاشكال والرموز لوحاته من حزوز وأفاق وخطوط مستقيمة لإظهار ما تحتويه من مواقف إنسانية. (ال سعيد، شاكر حسن، معنى الإنسان في الفن, مجلة الرواق، ع (4)، 1978 ).
الفصل الثالث/ (إجراءات البحث)
أولاً: مجتمع البحث
يتمثل مجتمع البحث الحالي من 106 عملاً فنياً والذي استطاع الباحث إحصائها والحصول عليها كمصورات من المصادر ذات العلاقة وهي (الكتب , المجلات , والدوريات , أدلة المعارض , قاعات الفن وبعض المقتنيات الخاصة ومواقع شبكة الانترنيت التي تعنى بالفن التشكيلي العراقي ومنها الموقع الرسمي للفنان رافع الناصري .
ثانياً: عينة البحث:تم اختيار عينة البحث بصورة قصدية وبواقع (7) عينات موزعة بحسب الفترة الزمنية المحددة في حدود البحث، بعد أخذ نسبة 7%وكان للباحث مبرراته في ذلك منها:
1.إن هذه العينات شهدت تحولاً في عملية البناء التشكيلي.
2. إن هذه العينات شهدت تحولاً تقنياً من حيث استخدامات الخامة وتنوع التقنيات المختلفة.
ثالثاً: منهج البحث:اعتمد الباحث على الأسلوب الوصفي التحليلي في تحليل نماذج عينة البحث وبما يحقق هدف البحث.
رابعاً: أداة البحث :اعتمد الباحث استمارة التحليل في تحليل عينات بحثه بعد عرضها على عدد من المتخصصين وذوي الخبرة* , في مجالات التربية الفنية والفنون التشكيلية, وذلك لبيان صدقها في قياس الظاهرة التي وضعت لأجلها وكانت نسبة الاتفاق بين الخبراء هي (84%) وهي نسبة مثالية للقياس.
خامساً: الوسائل الرياضية والإحصائية:
معادلة كوبر (Cooper) ( )
Pa=Ag/(Ag+Dg) ×100
Pa =نسبة الاتفاق
Ag = عدد المتفقين
Dg =عدد غير المتفقين

تحليل العينات:
عينة (1)

اسم العمل تاريخ الإنتاج مكان الإنتاج القياس المادة العائدية
1972 بغداد – اكريلك على قماش
الوصف: عمل فني أحتوى على تفاصيل شكلية ولونية وحروفية حيث نلاحظ وجود عدة ألوان كالأصفر والسمائي والوردي والرمادي والأسود والبنفسجي، كما احتوت اللوحة على شكل آدمي في أسفل اللوحة بلون سمائي مائل للخضرة قليلاً، ومحاط بحروف كتابية بألوان رمادية وسوداء.
التحليل:
لوحة فنية احتوت على تنويعات تشكيلية وألوان مختلفة، حيث نلاحظ تفاعل الفنان وارتباطه بالواقع والتأثير السيكولوجي لهذا الواقع عليه، حيث استطاع أن يظهر أضواء أفكاره المتولدة من تفاعل أحاسيسه في تحقيق طروحاته الفكرية من خلال حروفيته المؤكدة في تحقيق التكوين العام للشكل، كما استطاع أن يحدد العلاقة من خلال اللون المرتبط بالبعد السيكولوجي المرتبط بأصالته، حيث نلاحظ إنشاء الفنان في هذه العينة لا يخلو من إشارات بسيطة دالة على إمكانية ولادة الحياة وذلك ما يتضح في اللون الأخضر كدلالة تتنامى تصاعدياً كالنبات الذي يتسلق كل شيء وصولا إلى شخصية إنسانية بكل مكوناتها النفسية والروحية.
لقد تصرف الفنان بوعي يؤكد فيه اهمية ديناميكية الخطوط ، محققاً علاقة بين شبكية العين وبين الاشكال الخطية التي تبدو في حركة متموجة لاعتمادها على وحدة اساسية تتكرر متجمعة مع وحدات اخرى متشابهة لينتج عنها بناءً معمارياً ذا ايقاعات متعددة تمنح الشكل تنوعاً يبعده عن الرتابة .
ان رافع الناصري في اعماله عموماً يسعى لتصميم العبارة شكلياً وليس الحرف (وان كان الحرف المفردة الرئيسية للعبارة) ، اذ ان الطاقات التشكيلية للحروف اكبر بكثير من الطاقات التشكيلية للكلمات فبالرغم من مدلولات الكلمة التي قد تنطوي في ثناياها معاني عديدة الا ان الحرف اوسع اطلاقاً واكثر مدى في التأويل . فالحرف عند رافع الناصري هو بنية جزئية تدعم لغوياً البناء العام للنص الذي تنتمي اليه وتسهم مع الحروف الاخرى في توصيل المعنى المحاك برؤية تشكيلية جديدة.
يؤكد الباحث ان الشكل الانساني في هذا العمل اتخذ منحى تبسيطياً يقترب من التجريد والترميز ويبتعد عن النمو المحاكاتي الى حد بعيد بغية ملائمته للبنية العامة المختزلة للسطح التصويري الذي انقسم التكوين فيه الى قسمين احدهما في الجزء العلوي والآخر في الجزء السفلي ،إن بساطة تصميم اللوحة جاء منسجماً من حيث الأسلوب مع تنوع المفردات التي أضفت جمالية لبساطة توزيعها وتفردها وهذا بالتالي اظهر الوحدة العامة التي ربطت تصميم اللوحة وبما يحقق النظرة الكلية الشاملة للتكوين العام للوحة من خط وشكل ولون وصولا إلى أوضاع العناصر الكتابية في الفضاء التصميمي للوحة مع مراعاة مبدأ التناسب، وعليه جاءت أشكال اللوحة بحيث لم تشوه التصميم وإنما أظهرته برشاقة نتيجة اتجاهية خطوطه بوضع مائل، فأضفى طولا وهميا على بنية التصميم ونوعا من الاتساع والذي لا يشكل ضخامة تعمل على الملل من التصميم العام للوحة ومع إظهار الإيقاع الشكلي واللوني بشكل متنوع هو الآخر، مما أدى إلى تحقيقه جمالية التكوين للوحة، كما إن اعتماد التباين من خلال الشكل أو الصفات المظهرية وعلاقة كل ذلك مع الفضاء التصميمي، يأتي لتأكيد موضوعية ذات سحب وشد فضائي، فالفضاء التصويري كان بمثابة خلفية للشكل (الحروف والشكل الآدمي) التي برزت من خلال التضاد والتباين اللوني بينها وبين الفضاء ، ويتخذ الفضاء وسطح العمل ككل نسقاً ملمسياً واحداً ، يغذيه الثراء اللوني الذي اسهب فيه الفنان لتحقيق غنائية لونية تستقل بالعمل جمالياً .ومن هنا كانت أدائية التصميم تحتكم إلى وحدة موضوعية تنسجم مع قيمة التباين والتجاور اللوني الموجود في البنية التصميمية للوحة، أما بالنسبة للإيقاع فقد حصل من خلال التدرج اللوني الواضح في اللوحة وكذلك التنوع الشكلي والحجمي والحركي للتشكيلات الموظفة مما أدى إلى تحقيق تنوع فضائي للاتجاهات والأشكال في الفضاء التصميمي محدثاً عمقا فضائيا ذا حيوية أبعدته عن الرتابة . وبناءاًً على ما تقدم فان ذلك كله ساعد على تحقيق وحدة التكوين العام من خلال علاقات الترابط بين الأشكال التصميمية أي من علاقة الأجزاء مع بعضها البعض ومع التصميم ككل مما أضفى على التكوين العام أبعاد جمالية .

عينة (2)

اسم العمل تاريخ الإنتاج مكان الإنتاج القياس المادة العائدية
تكوين 1986 بغداد 120×90 سم اكريلك على قماش

الوصف:يتكون عمل رافع الناصري هذا من مقطعين أساسيين احدهما شغل وسط اللوحة وأعلاها بتكوين فضائي أشبه بتكوين السماء أو ما شابه ذلك لون بألوان زرقاء وسوداء وبتدرجات مختلفة , كما يلاحظ أن ثمة ضربة فرشاة حمراء بحركة معينة في فضاء اللوحة السفلي , وهناك صخرة اشبه بالكرة وعليها طائر في الجزء السفلي الأيسر من اللوحة.
التحليل:
لوحة فنية امتازت بالخروج عن الإطار الهندسي المألوف التقليدي المتعارف عليه في اللوحة من مستطيل أو مربع ومعين، إلى تكوين تركيب يخرج فيه قسم من اللوحة خارج الإطار..وهذا الاكتشاف الجديد بالنسبة للفنان اعتمد به على بعض الأشكال البصرية المستمدة من الفن العربي الإسلامي محاولا بذلك استغلال هذه الأشكال بصيغة معاصرة لإضفاء شيء جديد على اللوحة. إن خروج أجزاء من اللوحة خارج الإطار المحدد أو الدخول إليها ساهم في إضفاء علاقة متناسقة مع البيئة المحيطة للوحة .
يعتمد رافع الناصري في توضيح فكرته الجمالية على البنية التصميمية العقلانية الصرفة ذات التقنية الآلية.
أن التجريدية الهندسية التي يتمتع بها عمل رافع الناصري ترتكز أساساً على المديات الجمالية والامكانات الكبيرة للفضاء التصميمي الذي يتآخى حيناً ويحوي حيناً الاشكال المسطحة بالغة الاختزال والتبسيط. فالفضاء التصميمي للعمل ينتظم ضمن آلية المد الفضائي: من خلال البساطة البالغة في نظام الشكل الهندسي منح الفنان فضاء العمل الفني رحابة واسعة يكثفها جمالياً القيمة المعتمة للونه والتي تنسجم وتتباين مع الاشكال.
حيث أمتازت البنية اللونية في هذا العمل بغلبة اللون الواحد على باقي الألوان وهو (الأزرق)، يظهر اللون الأزرق في عدة درجات، فهو في أعلى درجات العتمة في النصف السفلي من اللوحة وفي درجات اقل في النصف العلوي من اللوحة، كذلك استخدم اللون الأحمر وبشكل بسيط في الجزء الأيمن أسفل اللوحة. تمثل اللوحة أفق ازرق.. ونلاحظ السماء والأرض والأفق والكتلة الأرضية والتي تتمثل بصخرة ..وفوق الصخرة هناك طائر (عصفور)، هو رمز الأمل والتأمل والتفاؤل، وبين هذه المفردات تتوزع عناصر اللوحة الأخرى عند الفنان الذي لم يتخل عن حروفيته وافقه وألوانه..هناك الومضة وهي ومضة لونية فجائية، كهربائية، مثل صاعقة لونية ساحرة ممثلة باللون الأحمر. ومن وسائل التنظيم المهمة التي أسهمت في تحقيق أبعاد جمالية، هي السيادة التي لعبت دور رئيسي في قيادة العمل الفني بالاتجاه الذي يعزز من انفراد مادة العمل الفني بالاهتمام والجذب، ومن هنا كان اللون الغامق السائد في بنية العمل الفني، قد أسهم في القيمة الاظهارية، حيث جاءت السيادة هنا متحققة في عناصر البناء المهمة والتي تمثلت بالشكل وصفاته المظهرية المتمثلة بالمساحة (الحجم) والقيمة اللونية التي جاءت ناصعة في موقع فضائي واقل نصوع في موقع فضائي آخر، مما أسهم في تحقيق إيهام بالحركة وبالتالي تحقيق الجذب. أما الإيقاع فقد حصل من خلال التدرج اللوني للأزرق المتمثل بالمساحة الكبيرة التي يشغلها من اللوحة، محدثاً عمقاً فضائياً أبعدته عن الرتابة. أما أسلوب التوازن الغير متماثل هو المعتمد بين مفردات اللوحة حيث نشعر بتوازنها بشكل غير تقليدي. وبذلك فقد ظهرت وحدة التكوين العام من خلال ترابط الأشكال الجزئية مع بعضها البعض في تكوين عام موحد ومتنوع الأجزاء، كذلك يظهر الانسجام في هذه اللوحة كعلاقة تصميمية مهمة محققة جمالية للتكوين الفني العام للوحة.
يقربنا التجريد في هذا العمل من الحس الموسيقي الذي يعتمد الايقاع النغمي للجمل الموسيقية ومع فارق الاداة فإن الاثنين يشتركان في التجريد وفي الانطباع المتولد عند الفنان أثناء العمل وعند المتلقي أثناء المشاهدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *