خالد السلطان : الاحمدي: المـوت في الوطـن هـو مـا ارغـب فيـه
الاحمـدي وفرقـة ابراهيـم جـلال المسـرحية (ملف/6)

المبدع الراحل كاظم الأحمدي

الاحمدي: المـوت في الوطـن هـو مـا ارغـب فيـه

الاحمـدي وفرقـة ابراهيـم جـلال المسـرحية
خالد السلطان

-1-
في عام 2000 ارتأت فرقة ابراهيم جلال المسرحية تحويل رواية المرحوم كاظم الاحمدي (امس كان غدا) إلى عرض مسرحي، ولتنفيذ المشروع كان لا بد من اللقاء بدءاً بالأحمدي وطرح الفكرة عليه. وبالفعل ذهبنا الاستاذ كارين أرشبير وأنا إلى مقهى في العشار، يتواجد فيه الأحمدي على نحو شبه يومي. طرحنا فكرة المشروع، بخطوطه العامة، مع التوكيد على مفارقة العرض المسرحي لمرجعيته الروائية. وبالضد من توقعنا، أو بمعنى أدق بالضد مما قاله بعض الأصدقاء، بأن الأحمدي لن يوافق على المشروع إلا على وفق شروط سيمليها علينا، استجاب الأحمدي لفكرة المشروع بتلقائية لا تخلو من حماس. وعندما قلت له بأن تحويل الخطاب الروائي إلى خطاب مسرحي معناه أننا بصدد خطاب يؤكد مرجعيته بدلالة مفارقتها. أجاب الأحمدي بما معناه، لك الحرية في الاشتغال على الرواية على وفق ما تريد إنجازه مسرحياً. منذ ذلك اليوم بدأت العلاقة الصميمة بيننا، أقصد أعضاء فرقة ابراهيم جلال المسرحية، والمرحوم الأحمدي. فكان يحضر، وعلى نحو شبه يومي “ البروفات” الأولى التي كانت تجريها الفرقة على نص صموئيل بيكيت “ في انتظار غودو”. وأذكر أنني سألته بعد الانتهاء من “بروفة” ثلاثة مشاهد من المسرحية عن ملاحظاته حول سلامة أداء الممثلين لغوياً. فأجاب ، رحمه الله، لقد شدني تمثيل الاستاذ كارين والدكتور مجيد الجبوري. ولم انتبه إلى السلامة اللغوية. بعد يومين على عرض المسرحية، في مهرجان الوفاء المسرحي الثالث، عام 2001، سلمني الاخ بهاء حسن جودي رسالة من الأحمدي ضمنها رأيه في عرض مسرحية “في انتظار غودو” واطراء الأحمدي بالعرض المسرحي يمنعني من الحديث عما تضمنته تلك الرسالة، التي كتبها بخطه الجميل وفي ثلاث صفحات.
خلال اشتغالي على رواية “أمس كان غداً” مسرحياً ، كان الاحمدي – وبعد نقاش موضوعي هادئ- يوافق على قناعة تامة بالاضافات والحذوفات، بل كان- رحمه الله- يطلعني ودون تحفظ على الشخصيات “الواقعية” التي صيّرها – وبانزياح كبير- شخصيات روائية. وأذكر أنني أوضحت له، بعد سؤاله طبعاً، بإن إقفال المشهد الأخير في العرض المسرحي سيتضمن ، من حيث الفكرة، مغادرة العائلة الانكليزية بالتزامن مع صوت العقيد الركن عبد السلام محمد عارف وهو يقرأ نص البيان الأول لانقلاب 14 تموز، وفي خلفية المسرح تتواتر حركة هرولة أرجل تحتذي “البساطيل” العسكرية، وعلى ايقاع النشيد المصري الشهير “ الله أكبر”. وبعد سقوط النظام الصدامي، وخلال حديثنا حول الوضع العراقي، قال الأحمدي مسترجعاً فكرة ذلك المشهد بما معناه: إن التزامن بين رحيل العائلة الانكليزية ودخول الجزم العسكرية، هو استشراف لاحتلال القوات البريطانية للبصرة اليوم. لقد أسقط الأحمدي ، الذي كان منفعلاً جداً، رفضه للاحتلال على فكرة ذلك المشهد، فأجبته صادقاً بإنني كنت أقصد بأن الاعلان عن سقوط النظام الملكي – وبصوت العسكري عبد السلام عارف- هو اعلان أيضاً عن بدء حقبة هيمنة العسكر على الدولة العراقية.

-2-
شرفني المرحوم كاظم الأحمدي بالاطلاع على مخطوطات رواياته، نجيمات الظهيرة، وباتجاه القلب، والازلزماني، وعدد من قصصه القصيرة ومقالاته النقدية وتقويمه لعدد من الأدباء. فقد كان يطلق على الأديب محمود عبد الوهاب ، وباعتزاز كبير، اسم “الاستاذ أو استاذنا” وللأديب محمد خضير مكانة خاصة لديه. وكان رحمه الله شديد الاعجاب بمسرحيات المرحوم يعرب طلال ابراهيم، وكان معجباً بكتابات الاستاذ يعرب السعيدي النقدية، وللاستاذ إحسان السامرائي منزلة لدى الأحمدي غير عادية. وكان معجباً بشعر طالب عبد العزيز، وكتابات محمد جبير، وراغباً في الاطلاع على قصص الاستاذ وحيد غانم، غير المنشورة. وأذكر أنه قال لي منفعلاً، في ختام حوار خلافي بيننا حول كتاب سامي مهدي عن السياب، لو حظى كاظم الحجاج “بربع” الاهتمام النقدي الذي حظى به السياب لكان للحجاج منزلة أخرى اليوم. قال ذلك برغم “زعله” – وقتذاك- على الحجاج بسبب تقويمه للبعد السياسي لرواية نجيمات الظهيرة. وبرغم مشاكسات الدكتور رياض الأسدي للأحمدي، بيد أنه كان يهمس لي مبتسماً “إنه من تلاميذي”. وكان ، رحمه الله، يكن حباً أبوياً عميقاً لحفيده ، الذي اطلق عليه تسمية “الملك”، وكان يعني بها معتذراً عن الحضور للمقهى لأنه بصدد الذهاب لزيارة الملك أو بانتظار استقبال “الملك”.
الحديث عن المرحوم كاظم الأحمدي يطول ولا تتسمع له هذه العجالة التي اختمها ببعض ما دار بيننا في آخر لقاء، حيث سألني عن إمكانية اصدار جريدة سرية مقاومة لثقافة الاحتلال. اختلفنا حول تعيين مدركي “المقاومة” و”ثقافة الاحتلال” وأخيرا اتفقنا على أن جريدة “الأخبار” ستنشر أي مقالة يروم كتابتها لمقاومة الاحتلال سياسياً أو ثقافياً. لكن عمله في جريدة أخرى، توقفت عن الصدور بعد اعداد قليلة، وسع من شقة خلافنا حول موضوعة “المقاومة”. وفي أخر مهاتفة بيننا قال الأحمدي رحمه الله ان الاعتزال هو الموقف الأمثل إزاء المشكلات العراقية الراهنة. واعتقد – وهذا رأي شخصي- أن الاحمدي وضع أصبعه على الجرح، فما زال المثقف العراقي يهرول لاستجداء الصعود في قاطرة السياسي وإن كان الاخير أمياً.

*عن صحيفة بصرياثا

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *