عيال الظالمي: قراءة في قصيدة الشاعرة زهور العربي: تحترق لتسيل أسلاك الأمل

رؤيةُ العَازِفِ وهو يُحَرّكُ أنامِلا ًعلى أوْتار ِمَشْدودةٍ صَلِبةٍ تُحرّكُ كثيراً عواطفَنا ،يُرى من
 خلالِها صوتَ روحٍ ،خريرَ دَمْع ٍ. صوتٌ يَعيدُ صُورَ جِراحِ ِ.ففي (احتراقُ البقاء)توافقَ
التضادُ بينَ المَعْنى المُتنافرُ،والحَقيقة ُلبقايا الاحتراق ِوهو رمادٌ يُذرّى.
    فالحرقُ لا يَترِكُ شيئا يُستفادُ مِنـْهُ ،تُرى ماذا خلّف؟؟أَغيرَ سُخام وهلْ لنا الحَق ُّ أنْ نسأل زهور العربي (أيّ مرفأ كانَ في العاصِفة؟)  لتتهجَّ عيونُنا مفرداتَها حولَ سنديانة الشّموخ ِوكيفَ تَحمّلتْ كلَّ هذا اللّهب المُضْني عبر سنواتٍ ،كانتْ أشجارُها تنمو وتتسَلقُ أكتافَ  الغُيوم ِ،وتنهمرُ أعْشابُها على صهواتِ الصّخورِ ،حتّى أمستْ قِبلةُ النباتاتِ المُقدّسةِ . وكَيفَ اسْتغَلت ْجيوشُ الظّلام ِسُحابة َالنّهار لتُنصّبَ شبَحَها الكبيرَ لكي يَتمَطـّى على صدرها  إيابا وذهابا ،مُستغلا ًصَمتَ الحُروفِ بَعدَ إغلاق ِموانئ ِالشّفاه،وصمت َالطيور وصَمتَ الحَجَر ليُنبتَ مناسرَه ُالوَحشية َبمختلفِ طـُرق ِالدّهاء ِالمَاكِرةِ لألاّ تقوم لكن لـ(زهور) رؤيا معاكسة:-

كسنديانة شامخة لا تشتكي
يجثو على صدرها شبح
الصمت
راسية كجبل الشعباتي
كناب برّي
شيطانية الجذور،عنيدة
لا  تلين

ثقوبُ ستر ِالرّوح مُعضِلة ٌ، لا تُغلقُ لتكوّنها نتيجةَ قِصََر في موضع ٍما من بِناءِ التكوّين الابتدائي في شَخْصيةِ الفَردِ،ولا تـُرَتقُ مهما خُصّفتْ بلـِحاء الكماليات ،أو أ ُطـّرَتْ بالقَصْد
الغير مُتعمّد.هكذا هُم روئساءُنا!!! فمعجونُ الأسْنان يُزيلُ العالق َلتبرَََقَ لكنه لا يُقوّمُ  ما إعوجَّ  أو ترميمَ التـّالف لذلك يعشقونَ الشاّشات ِ، ويهجرونَ الغاباتِ التي تتوالدُ بصَبرٍ.
تُعاني شِحّة أمْطار المسؤولية ِوتشذيبَ الغث ِّ،لان عواصفهم حينما أتتْ أسكتتْ تنفسَ الأشجار بالكبْتِ حدَّ التُخمةِ لمنع ِالضّوءِ، والماءِ، ومعانقةِ الفَضاءِ:-
 
 تولد من رحمها غابات الصبر الكثيفة
 تكبر الغابات في حضنها الخصيب
الفسيح
ترضع نبرات صوتها المكبوت
الريح
يثقلها ترسله مع نسمات الصبح
صرخةً
العتمة ُالمُصْطنعة ُلا تَدومُ فأوراقُ( نبات الخِرْوعْ) مهما كبرَت ْلنْ تحجبَ ضوءَ الصُّبح أو صوتَ صرخةٍ ،لان الحُجُبَ لا تحِدُّ الرّيحَ. تنقلـُنا شاعرتُنا بروحِها لركـامِ الأيـّام المُهَشـّم ، إلى القـَيضِ بصَيْهودِهِ الـّذي يَلفحُ وجُوهَ شعب ِالسّنديانةِ الشـّامخة ِ،  فلكُل ِّهمسة ٍجميلةٍ يَلتحفـُها حتى تلتهِبُ الشـّفاهُ والوَجناتُ ، لانَّ القـَهْرَ ارتَدى مُويجاتِ تِلكَ الهَمَساتِ الخائفةِ ِِالمُرْتبكةِ  الـّتي  تَـَحط ُّعليها العُيون ُ،عُيونُ الرّقيبِ. وأيُّ رَقيب ٍيُقصي ويُقْصِر الأشْكالِ ويُغيرُ خارطة َالأحْلام ِوتُضيّقُ مساحاتِ الأقلام ِ، ولمْ يَترك ْالبَرْقَ حتـّى المَكبوتِ في الصّدور مِنْ أنْ تشـْرَأبَ أجفانُهُ لمُعانقة ِفضاءَ الحريةِ:-
همسة بطعم الجمر
مشحونة بأنفاس القهر المقيت
يشتد القيض
يصهد وجه الحق
تصبح الغيوم عقيمة
وتتلبد سماء غربتها
يومض البرق في صدرها
ترْسِمُ(العربي) صُورَها الانطباعية َبحُسن ِالثـّقـَة ِ، لا تَحتاجُُ لعُمْق ِحروفِها ، ولا لتراكيبِ غوصٍ في لـُغة ِالصّورِ .لانَّ الصّورَ الطبيعية َتمتلكُ نفسَها .لذا نقلتنا وإيّاها بصَوت ِالحَبيْبةِ
صوتُ الأمِّ وعينُها حيْثُ تتذاوى أشْجارُ غاباتِها ،إلى أنْ تعَافتْ ، ولمْلمَتْ جذورها لتصْمدُ . وكيفَ كبرَتْ صَرختـُها وتنامتْ ،كما تنامى جذرُ كلِّ شجرة ٍفي طِباق ِأرْضِها الخَضراء. وتسَامتْ أقلامُ أبْنائِها وتقدَمتْ خُطاها كسَعيرٍ بَدا بخطوةٍ عِنْدَ أولِ إضاءة ٍلهلالِها،حتـّى تكابَرَ ليُصْبح َبدراً وينشُرُ الـّنورَ بالأرجاء :-
تتفرج ظلمتها،
تنطلق أخيرا من الأعماق صرختها
سعيرا كما الزحف الهلالي
يمتدُّ
ترتوي كلُّ أوراقها العطش
لنبيذ نور

تـَنْتفضُ الحياة ُبِنورِها ،ويَهدلُ الحَمَامُ في وجدانِها الجّدْبِ، وتكْسُرُ أطوادَ المَنْع ِ، وتـَـنـْفكُّ زُرَدُ القيودِ ،تُفرِدُ الأجْنِحَة ُفي الأفِق ِهكذا ،وعندما نـُفِخ َفي الصُّور وابْتدأ النشورُ حَسَبَ ما تـرى، فقدْ حاكَمَ الشّعبُ سَجّانـَهُ ، وقامتْ السّاعة ُفليَتحَمّلَ مَنْ عَمَلَ عملٍ وزْرَه ُووزْرَ مَنْ عَمَلَ بهِ لتلك السّاعَةِ. وَهـَبَّتْ الّسنديانة ُتنْشُرُ شَعْرَها وتـُنشِدُ القادمين َ:-
اتركوني أرتمي في النار بإرادتي
 أُغرد بإرادتي
وأرفع على رؤوس الأشهاد رايتي
أيتها النجوم تلألئي
أكتبي على وجه السماء رسالتي
((أكون أو لا أكون))
هذه ِهيَ المَحَطَة ُالتي تنْظُرُها (زهور العربي) حيناً مَد َّالشعبُ يَديهِ ليَتماسَكَ، ويَحْتضنُ الفَجرَ الجَديدَ ليَبْني قاعِدَة َالأُسُس ِالصّحيْحة َوفـْقَ مَعاييرٍ سَماويةٍ حَقـّةٍ ، وتكاتفٌ وَطنيٍّ صادِق ٍتحْتضِنُ القِوى المُختلفة ُ، ليُصْبِحَ  المُجتمَعُ طوفانا ًيُرْسِلُ سُيولَه في شتّى الأماكن يرْدِمُ المَوبوءَة َمِنْها ، ويُخْرج ُالنـَّّبْتَ في الأراضي الصّالحةِ . وسَتشرقُ الشـّمسُ وتـُورقُ
أشجارُ السنديانة ِالجّميلة ِ،لتنسجَ من خيوطِ الأملِ جلابيبَها البَهيّة َ. وتأتزِرُ بِقوة َالصّمودِ  والتحدي تـَشد َّالعَزْمَ وبناءَ المُسْتقبلَ ،وهُنا تـَضعُ حلـّة ًجديدة ً:-
مُدّي ذراعيك يا سنديانة القهر
احضنني
شامخة أنت كأمي أنا
ساجدة تتلو الرجاء

حتـّى صارتْ(زهور العربي)إحْدى تِلك َالزّهَرات ِاليانِعَةِ الـّتي تُغامِرُ بِعطرِها وتـَنشرُ أوراقَـَها على جفونِ ِالرّاعفين َأكاليلَ غار ٍ:-
أنا أوراقك يا سنديانة القهر
 احترقُ
لتنسجي من أسلاك الأمل
حلـّـتك…………

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

| طالب عمران المعموري : بنية الاهداء في المجاميع الشعرية  للشاعر مهند عبد الجبار آل ابراهيم.

لمنتجي النّص الابداعي  في عموم نتاجاتهم الأدبية أسلوبهم   فيما يكتبون  وإن كثيراً لهم بصمةٍ مميزةٍ  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.