الرئيسية » نصوص » ادب الطفل » طلال حسن : أجمل شجرة في العالم (قصص للأطفال) (8)

طلال حسن : أجمل شجرة في العالم (قصص للأطفال) (8)

المبدع الكبير الأستاذ طلال حسن

” 36 “

ثم بزغ القمر

قبل الموعد المحدد ، أقبل الجندب الفتيّ ، واتخذ مكانه فوق شجرة الزيزفون ، هنا ستوافيه الجندبة الفتية ، مع بزوغ القمر ، وسيغني لها حتى الصباح .
ومرّ الوقت ، وكاد الليل ينتصف ، لكن الجندبة الفتية لم تأت ِ ، وكيف تأتي والقمر لم يبزغ بعد ؟
وأخيراً بزغ القمر ، ونشر ضوءه الفضي على الغابة ، وما إن رأى الجندب الفتيّ يقف حزيناً فوق شجرة الزيزفون ، حتى هتف به : إنني آسف يا عزيزي لتأخري بعض الشيء عليك .
فتطلع الجندب الفتيّ إليه ، وقال : لن ينفعني أسفك ، ما دمت لم تبزغ في الوقت المحدد .
ردّّ القمر : الذنب ليس ذنبي ، إنها الأرض ، لقد بزغت كالعادة في موعدي ، لكن الأرض مرت بيني وبين الشمس ، فحجبتني عنك .
تنهد الجندب الفتيّ ، وقال : مهما كان الأمر ، فإن الأوان قد فات .
عندئذ جاءه صوت يعرفه جيداً ، يهتف بمرح : لا يا عزيزي ، إن الأوان لم يفت .
وفي تلك الليلة ، ظل الجندب الفتيّ ، يغني للجندبة الفتية ، حتى غاب القمر .

” 37 “

العش القديم

قبيل المساء ، لاح لها عشها ، ودمعت عيناها ، هذا العام ستكون وحيدو فيه ، وربما ستبقى وحيدة حتى النهاية .
ومن بعيد ، لمحت لقلقاً يجثم في عشها ، انتفض قلبها ، وانطلقت مسرعة ، أيمكن أن يكون .. ، آه .. وانقبض قلبها ، حين رأت لقلقاً عجوزاً يرقد في العش .
هبطت قرب اللقلق العجوز ، وقالت : عفواً ، أخشى أنك أخطأت العش .
تململ اللقلق العجوز ، وقال : لا ، لم أخطىء ، لقد خرب الصبيان عشي .
ردت قائلة : هذا ليس ذنبي .
تطلع اللقلق العجوز إليها ، وقال : إنه عش قديم ، أنت شابة ، ويمكنك أن تبني عشاً أفضل منه .
قالت : لن أستبدل هذا العش بأعشاش الدنيا كلها ، إنه عشي ، وعش زوجي ، و ..
قال اللقلق العجوز : لكن زوجك ..
قاطعته بانفعال : سيعود ، نعم سيعود ، وسأنتظره حتى النهاية .
نهض اللقلق العجوز ، وهمّ أن يغادر العش ، فتطلعت إليه ، وقالت : أرجوك ، ابق َ ، أنت متعب .
ردّ اللقلق العجوز : لكنه عشك .
قالت : لا عليك ، ابق َ فيه ، حتى أبني لك عشاً قرب عشي .
ولم تمض ِ أيام ، حتى كان للقلق العجوز عش جديدة ، ورقدت في عشها وحيدة ، وقد دمعت عيناها ، ومن خلال دموعها ، تراءى لها لقلق ، يشق الفضاء بجناحيه القويين ، سيعود لقلقها ، نعم سيعود ، لا يمكن أن يهجرها ، مهما كا السبب ، فهي تعرف أنه يحبها مثلما تحبه .

” 38 ”

أنا ونجمتي

تقدم الليل ، ونامت الغابة ، ولم يبق َمستيقظاً غير اثنين ، أنا ونجمتي . وعلى عادتها ، حين ينتابني ما يقلقها ، أغفت أمي إغفاءة متقطعة ، وكلما أفاقت ، وجدتني أتطلع إلى السماء ، فتتململ بضيق ، وتتمتم : نم ، يا صغيري ، نم .
آه ما أحوجني إلى النوم ، إنني متعب ، متعب جداً ، لقد أتعبني الطيران ، إن جناحيّ مازالا صغيرين ، ولابد أن النوم سيريحني ، لكن نجمتي التي لم تنم ، لا تدعني أنام ، إنها تغمز لي ، كأنها تكلمني ، ربما مثلما تكلمني عينا أمي ، بل ربما عينا رفيقتي .. العصفورة الصغيرة ، نعم .. أكيد .. إنهما عيناها ال .. ، وأفاقت أمي ، ورمقتني بضيق ، وقالت : إنك لم تنم بعد .
أجبتها وعيناي معلقتان بنجمتي : لا أريد أن أنام ، إن الليل جميل .
احتجت أمي قائلة : لكن الليل وجد للنوم ، يا بنيّ .
قلتُ لأمي ، دون أن أحول عينيّ عن نجمتي : أنظري إلى تلك النجمة .
وربما تذكرت ماما شيئاً ، فقد تنهدت ، وقالت : ستذهب تلك النجمة بعقلك ، يا بنيّ ، إذا لم تنم .
لذت بالصمت ، ولم أجبها ، فلفتني بجناحها الدافىء ، وقالت بصوت يغشاه النعاس : دعنا ننم ، يا عزيزي ، لقد انتصف الليل .
أغمضت عينيّ ، وسرعان ما استغرقت في النوم ، لكن نجمتي لم تفارقني ، وظلت تغمز في داخلي ، وتوشوشني بكلام غامض ، ربما أفهمه حين أكبر .

” 39 “

إلى الأبد

” 1 ”
ـــــــــــ
جلست العصفورة والعصفور في العش ، وراح صغيرهما ، العصفور الفتي ّ ، يرفرف حولهما مزقزفاً،
فهتفت به العصفورة بنبرة مزاح قائلة : هيا ، لقد كبرت، امضِ ِ عني .
فارتمى العصفور الفتيّ فوق صدرها ، وقال : لن أمضي ، سأبقى معك ، يا ماما ، إلى الأبد .
وهز العصفور رأسه مازحاً ، وقال : هذا ما قلته لأمي مراراً .
وضحكت العصفورة مؤيدة ما قاله العصفور ، فضمها العصفور الفتيّ بين جناحيه ، وقال : أنا سأبقى ، يا بابا ، وسترى .

” 2 ”
ــــــــــ
لم يمض ِ شهر على ” أبد ” العصفور الفتيّ ، فقد خرج من العش ، ذات صباح ، ولم يعد .وأرقت العصفورة تلك الليلة ، وهجر النوم عينيها ، فقال لها العصفور يطمئنها : لقد كبر صغيرنا ، يا عزيزتي .
فابتسمت من بين دموعها ، وقالت : نعم كبر ، وهذا يفرحني .
ورمقها مازحاً على طريقته ، وقال : لكن أبده لم يطل كثيراً .
فضربته برفق على صدره ، وقالت : نم الآن ، لقد انتصف الليل .

” 3 ”
ـــــــــــ
أبصر العصفور والعصفورة ، ذات يوم ، صغيرهما مستغرقاً في الحديث مع عصفورة في عمره ، فابتسم العصفور ، وقال : لابد أن صغيرنا يقول لها الآن ، سأبقى معك إلى الأبد .
فالتفتت العصفورة إليه ، وقالت : وهذا ما قلته لي أنت مرة.
ورد العصفور قائلاً : وها أنا معك .
ونظرت العصفورة إلى صغيرها ، وقالت : وسيبقى في قلبي إلى الأبد .

” 40 “

يداً بيد

من غصن إلى غصن ، من أغصاني المثقلة بالجوز ، راح سنجوب كالعادة يتقافز ، آه ما أجمل قفزاته ، إنها نفس قفزات أبيه ، التي حرمت منها ، حين اختطفه القاقم .
توقف سنجوب ، وتناول جوزة ، وأخذ يقطفها ، وعيناه تجولان حوله ، وفجأة رمى الجوزة ، ونزل كالبرق ، لابد أنها سنجوبة ، فهو لا يبرق هكذا إلا إذا رآها .
هتفتُ به : سنجوب .
لم يلتفت إليّ ، فهتفتُ ثانية : سنجوب ، حذار ، القاقم .
وثانية لم يلتفت إليّ ، وتوارى كالبرق بين الأشجار ، يا إلهي ، القاقم كان هنا قبل قليل ، ولابد أنه مازال في الجوار ، كم أخشى أن تقع عيناه المتوحشتان على سنجوب ، آه ها هو سنجوب ، ومعه ستجوبة ، التاريخ يعيد نفسه ، ووقف على مقربة مني ، والفرح يشع منه ، وقال : بيتي هنا .
تطلعت سنجوبة إليّ ، وقالت : آه لابد أنه بيت جميل .
قال سنجوب : سيكون أجمل بك .
أطرقت سنجوبة ، وقد احمرت وجنتاها ، آه هذا ما قاله أبوه يوماً لسنجابة فتية في عمر سنجوبة ، حقاً إن التاريخ يعيد .. ، ومن بعيد ، أقبل القاقم ، وعيناه تبرقان توحشاً ، وكدت أهتف بهما أن حذار ، حين أخذ سنجوب بيد سنجوبة ، وقال : تعالي يا عزيزتي ، القاقم في الجوار .
وفي الحال ، تسلقاني معاً ، واتجها يداً بيد نحو البيت .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *