الرئيسية » مقالات » مهدي شاكر العبيدي : شاعر من السِّنغال يحيي الهجرة النبوية

مهدي شاكر العبيدي : شاعر من السِّنغال يحيي الهجرة النبوية

شاعر من السِّنغال يحيي الهجرة النبوية

قبل سنواتٍ معدودة أعلنَ القسم العربي لإحدى الإذاعات الأجنبية عن مسابقة شعرية يجريها بين المستمعين يدور موضوعها حول الهجرة النبوية بمناسبة حلول سنة جديدة بعد الهجرة المباركة.

ولسنا بصدد الأغراض والمرامي من وراء هذه البغية خاصة إذا كان الإذاعيون لديها مسيرين بتوجيهات المستشرقين العاملين فيها،والمتفننين في ابتداع السبل والوسائط التي تجعلها مسموعة أبدا ً،وكان أنْ وافاها عدد من شعراء الأقطار العربية والإسلامية بقصائدهم المستوحاة من هذا الحادث الفاصل بين طورين أو مرحلتين في تاريخ الإسلام.

وممن شاركوا فيها شاعر من السنغال يدعى عبد الله ب،فازت قصيدته بالجائزة الأولى المرصودة بإجـماع المحكمين الذين هم حتما ًمن خيرة الأدباء العرب ولهم أدواتهم ومقاييسهم في تذوق الشعر والقطع باستوائه على الصحة والأداء السليم أو خلاف ذلك من الركاكة والتبذل والقصور عن أنْ يحدث تأثيرا ً نفسانيا ًملموسا ًفي وجدان قارئ.

والطريف أنـِّي اطلعت على القصيدة منشورة في عدد من مجلة الرسالة الإسلامية الصادرة ببغداد ربَّما آثرها الشاعر وخصها بنتاجه هـذا الرائع. وقد ارتأى أنْ يقتفي منوال أحمد شوقي في قصيدته (سلوا قلبي) من ناحية الوزن والقافية لعلها تضاهيها في سرعة الانتشار وكثرة التداول،بين قرَّاء الشِّعر ومستمعيه ، ولأنـَّه وجد هذا الوزن وهذه القافية أطوع لمواتاته وملتمسه ، وأكفل باحتواء النوازع والخواطر التي تعنُّ لباله أو سريرته،فكان ثمَّة عاصم له من أنْ يُطال بالتكلف والانتحال.

ومجمل مضامين أبياتها الخمسة والأربعين ينحصر في أنَّ النبِّي الأكرم(ص) حين ضاقت عليه شعاب مكة وبرم الناس بدعوته وجنفوا عن أنْ يمحضوها تأييدهم واقتناعهم بوجاهتها إثر مفارقتهم والبعاد عنهم ، هنا يستطرد الشاعر إلى المعاني المعهودة ممزجاً استطراده بالاستفسار والتساؤل: أتوجد دعوة للإرشاد والهداية في كـلِّ تاريخ الإنسانية لم تعترضها عقاب ومثبطات من خصوم يكيدون لها،ألم تعبد العزى رمز الشِّرك والخطل والضلال في رحاب مكة ؟ فلم لا يرحب صدرها لنقيض ذلك من اعتزال الصَّنم وتلمس طريق الصواب ؟.

ويبدو أنَّ الشاعر تستهويه الأقوال المأثورة والأمثال والحكم التي هي خلاصة استرساله في سرد الوقائع فيقف عندها متأملاً المفارقات والنواميس التي تجري على وفقها سنن هذا الكون أو تتكيف بموجبها طبائع الناس و سلائقهم:

صبرت وكــــل داعـيـة يلاقـي من الأهوال ما يوهي الصلابــا
سبيل العيش قـد حُـفـّـتْ بشوكٍ ولــم تـملأ عـلــى دعة رضابــا
لـــقـد آذاك أهــلٌ فــي حـماهـم وكـان أذاهــم العـجـب العجـابـا
رمـوا والله صـانك مـــن أذاهم فاخطـأ سـهـم رامـيـهـم وخـابــا
فــلا ترجُ السلامـة مـن قريـب ولا تــأمــن للأهــل انـقــلابــا
فـرب أبـاعــــــدٍ كانــوا رجـاءً ورب أقــارب كــانــوا مـصابـا

وبهذا البيان السلس الرشيق يودع شاعر السنغال معاني أبياته الرصينة وإنْ تبدت أنـَّها من المطروق وليس فيها جدَّة ٌوابتكار ، سـوى أنْ يـصـدر بها عن عاطفة ثرة يكتنه منها معاناته الشخصية من قساوة ذوي القربى ونفضه اليد مستريحا ًمن كيدهم وأذاهم. ففي اليأس إحدى الرَّاحتين:

أمـيـن الله أهـلك قـــد أســاءوا ولج لــسـانـهــم إثـمـا ًوعـابــا
وقالوا الساحـر الـكـذاب حاشا لربك لــم يقل يــومــا ًكــذابــا
وكــانـوا مـن صفائك في يقين فكيف يرون دعوتـك ارتيابــا ؟

فلم التشنيع والزِّراية والانتقاص إنْ كانوا على يقين مـن ترفعه عن الصغائر والأدناس وأنـَّه لا يبغي بجهارته أو إشهاره إسلامه غير صلاح أمرهم:

ولكـن دولـة الأغراض تعـمـي وتلقي فوق أعينهم حـجـابــا
مضوا يستكثرون عليك فضلاً من الله الذي يعطي الرغابـا
هــو الحسـد الـذي أكـل البرايا وصيرهـم عــلى أنس ٍذئابــا
هذا هو الجواب القاطع لكل استغراب من تمادي أهل مكة في محاربته وتلفيق المفتريات والأكاذيب عليه ، وذلك ما يشيع عادة ًفي الأوساط المنقادة بعامل الجهالة والتغابي عن الحقِّ وإنْ بدا أبلج واضحا ً ، وفي معارض شتى من عطاء المواهب والعبقريات ، وكأنـَّه يصوغ ما تلمسه الباحثون المجتلون وراء الأسباب الكامنة في سر عداوتهم له بهذا الـقدر وبحيث لا ترجى إزالتها البتة ، ما دامتْ صادرة عـن حسدٍ مفض ٍ إلى رجحان كفة صاحب الدَّعوة وتآلف القلوب حوله وانخفاض شأنهم:

ولمــّا أنْ قدرت عفوت عنهم ولم تفرض على الجاني عقابا
دعـوت لــهم بمغـفرة وصفح فـكان دعاؤك الـعـالـي مجابـا
ملكــتَ رقابهم عـفـوا ًفلانـوا ولـم أرَ مـثـله مــلـك الـرِّقابــا
ورُبَّ أبـاعدٍ لــك قــد أجابـوا وما سـمـع القريـب ولا أجابـا
رجوت بهـم لــدين الله نصرا ً ولـــم أرَ راجـيــا ًلله خــــابـا

وبهذا الختام من مأثور الكلام عن نكاية ذوي الأرحام ونكوصهم عن مؤازرته ونجدته يعود بالقارئ إلى ما أستهل به قصيدته الرَّنانة من تسجر وتنديد بأولاء ، وكأنه يعبر عن مثل امتحان صاحب الدَّعوة بهذا النفر الضّال متوسلاً لذلك بما توافر له من وسائل التعبير الفني المقبول المتسمة بالطراوة والعذوبة بحيث تفضي إلى إحداثها الـتأثير النفساني المنشود لدى متلقيها وفي غاية ما يمكن من الصياغة المتفننة علماً أنـَّه يعيش وسـط بيئة غالبية أهلها مسلمون يشيع بينهم اللسان الفرنسي ويغلب على ثقافتهم الوطنية.

تعليق واحد

  1. الابيات التي اختاره الأستاذ العبيدي شاهد قوي على شاعرية فائقة
    شكرا جزيلا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *