الرئيسية » فكر » جابر خليفة جابر : جِيم جَديد (قَص)
(23) لكنه مزركش

جابر خليفة جابر : جِيم جَديد (قَص)
(23) لكنه مزركش

إشارة :
كتاب (جيم جديد – قصّ) للمبدع جابر خليفة جابر الذي ينشره موقع الناقد العراقي في حلقات هو واحد من أهم الكتب الثقافية التي صدرت بعد الاحتلال. فبالإضافة إلى أنّه يتناول مفاهيم وأحداث وشخصيات ثقافية وفق نظرة جديدة وبعضها يُطرح لأول مرة ، فهو أيضا تشريح لمعضلاتنا الثقافية ومحاولة طرح حلول لها بدلا من النواح والتشكي. أمّا أسلوبه السردي الهادىء و “الحياتي اليومي” فقد أزال عنّا التباس وصفه على الغلاف بأنه “قص” لأول مرة. وللأسف لم يحظَ هذا الكتاب المهم بالمناقشات المطلوبة التي نتمنى أن تثيرها محاولة نشره هنا. تحية لجابر خليفة جابر.

(23) 
لكنه مزركش..

– هل تعرفه؟
– روائي مبدع. قلت
– لكنه مزركش!
– ماذا؟
يقال إن سبب انتشار الكونفوشية هو تأكيدها على الطاعة للإمبراطور ، لذا تبنتها السلطة وأقصت فلسفة لاوتسي المتحررة، فكان هذا جائزة للمثقف المتسق حسب الطلب ،وتغييب لآخر مختلف ومشاكس، والأمثلة لا تستقصى لكثرتها ،ولكن السيد جمال الدين الأفغاني روى لي عن المزركش حادثة طريفة وقعت له أيام كان تحت إقامة إجبارية غير معلنة في الاستانة بعد أن أوقد هذا المثقف الأول شعلات الوعي والثقافة في شرقنا الحديث ،وأنجب أدباء ومبدعين في كل بلد نفي إليه ، خاصة مصر، فقد جاءه رسول السلطان العثماني بفرمان يقلده وساما سلطانيا يتضمن إمتيازات باشوية تسيل اللعاب ،لكنها تسمح له أو تتطلب منه أن يرتدي طربوشا ملونا وثيابا مزينة بنياشين ومذهبات وخراخيش ، وكان واضحا للسيد إن الثمن المطلوب سكوته فقال للرسول:
: خذ معك هذا وقل لسلطانك إن جمال الدين لا يريد أن يكون كالبغل المزركش!
قصة موحية وقد منح فرانكو الأسباني عشرات الشعراء الموالين له رتبة جنرال وأوسمة ليتمتعوا بما يتمتع به ضباط جيشه من فيلات على الساحل وسيارات فارهة وأموال .كل أولئك لم يبق منهم ذكر،شُطبوا جميعا وبقي لوركا وحده حيا إلى الأبد، كأنه سمع مقالة جمال الدين ،لكن كم أعداد من لم يسمعوا أو أغلقوا أعينهم وآذانهم بالوحل وما زالوا يتقلدون الأوسمة والأردية المزركشة التي لم تعد – في عصرنا- ظاهرة للعيان ،قد تكون منصبا أو جائزة أدبية ،أو تكليفا بعمل ما لقاء صك سمين ، طبعا( لقاء أغنية تطابق الشروط) كما يؤكد البريكان..
ولاشك إنّ دزرائيلي- يهودي الأصل- رئيس وزراء بريطانيا أواخر القرن التاسع عشرقد سبق بإجراءاته العملية سياسيا وأدبيا التعديل الذي أجراه كيسنجر مستشار الأمن القومي الأمريكي على مقولة غوبلز النازي فحوّلها من ( إذا سمعت بكلمة مثقف أتحسس مسدسي) إلى ( إذا سمعت بكلمة مثقف أتحسس دفتر الصكوك) وسعى عبر رواياته وتشجيعه للكتاب الغربيين إلى رسم الشخصية اليهودية بملامح جديدة تختلف تماما عما اعتاد عليه الأدب الغربي ،وحقق نجاحا واضحا في استبدال مثال اليهودي القبيح (الإنموذج الشايلوكي) باليهودي الملائكي الذي لا تشوب سلوكياته أية رذيلة، حتى بات الأدب العالمي في أغلبه -خاصة الرواية- غني بالإشارات اليهودية والتوراتيات والأسماء والأماكن المقدسة عند اليهود ، وفي عصر الليبرالية والعولمة بات اليهودي الملاك مدخلا حصرّيا ومَجازا إلى الشهرة والجوائز الكبرى والأمتيازات التي لا تختلف إلا في

فرانسيس ستونر سوندرز

الماكياج الخارجي عن قصة البغل المزركش وشعراء فرانكو الجنرالات، ولا غرابة أن تتسرب إلى العراق هذه الدزرائيلية أو الكيسنجرية الصكوكية وتنجذب بعض الأقلام إلى الأردية المزركشة والجوائز تحت عناوين مُراوغة وذات مضامين إنسانية جميلة وأخذت شكل مؤسسات وأعطيات ومنح ودعوات سفر وبدأ بعض الأدباء العراقيين وعلى استحياء باجترار أو تقليد أدوار جرت قبل التغيير ،لكن بأداء آخر مختلف اتجه إلى ما يريده الآن من يدفع للزمارين!( من يدفع للزمار يسمع اللحن الذي يريد) هو عنوان كتاب الباحثة البريطانية فرانسيس ستونرالذي اعتمد على وثائق رسمية لا تحليلات كما أكد روائي عراقي مغترب وتطرق إلى أمثلة عراقية سياسية وثقافية استُدرجت أو قل تدرّجت بنفسها أو تدحرجت إلى ما يريدون!
يدي على قلبي – قال جمال الدين- وأنا أرى سبات مؤسساتكم الثقافية في العراق وسذاجتها وافتقارها إلى إستراتيجية وطنية للثقافة تحتضن الأبداع والمبدعين وتوفر لهم ما يليق ويقي ويحفّز ،وتوجه الثقافة من الذات العراقية الخصبة بنهريها الحضاريين ،الرافديني السومري والعربي الأسلامي وتنطلق بها الى آفاق الإنسانية، حيث لا قيد على خيال محلق، ولا استقرار لمبدع خلاق.
لكن هذا كله ،غياب مؤسساتكم ومعاناة مبدعيكم ،وما فعله غوبلز وكيسنجر و دزرائيلي على مر الزمن، لا يبرر أبدا أن يسعى روائي ما لأن يكون جنرالا، أو يتبختر أديب آخر كالزمار بما دُفع له ،فيقال عنه : لكنه مزركش!
=====

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *