ريشارد رايت: كرز اسود (القسم الثاني)

* ترجمة : محمد حلمي الريشة

* تقديم : محيي الدين ابراهيم

382
وادُ القريةِ
يقعُ في قبضةِ ضَوءِ القمرِ:
كمْ هوَ وحيدٌ.

407
في ضَوءِ مطرِ الرَّبيعِ
امرأَةٌ عجوزٌ تَبصقُ

الشاعر الأميركي ريتشارد رايت

في منديلٍ.

408
فأْرٌ ميِّتٌ عائمٌ
فوقَ دلوِ قشدةٍ
في ضَوءِ فجرِ الرَّبيعِ.

412
في هذهِ الغرفةِ المستأْجَرةِ
أَكثرُ منْ شتاءٍ يقفُ خارجَ
زجاجِ نافذتِي القذرةِ.

422
تتوقَّدُ سيجارَتي
بدونِ أَن تلمسَها شفتايَ-،
نسيمُ الرَّبيعِ مضطردٌ.

423
سكونٌ على شاشةِ
دارِ السِّينما المزدحمةِ،
فراشةٌ بيضاءُ.

425
سريرُ مَرضٍ فارغٌ:
وسادةٌ بيضاءُ ممزَّقةٌ
في شمسِ الشِّتاءِ الواهنةِ.

427
بينما الغِربانُ تنعقُ،
الخَشخاشُ بإِخلاصٍ
يجعلُ احمرارَهُ قانيًا.

436
امرأَةٌ بَدينةٌ عاريةٌ
تقفُ على موقدِ المطبخِ،
تتذوَّقُ صلصةَ التُّفاحِ.

448
غاسلةُ الملابسِ
تصبغُ حوضَ المياهِ الزَّرقاءِ-،
ريحُ الرَّبيعِ المُشمسِ!

450
في صالونِ حلاقةٍ
رائحةُ الصَّابونِ والشَّعرِ النَّتِنةُ-،
يومٌ صيفيٌّ ساخنٌ!

459
أَدفعُ إِيجارًا
للقَملِ في غُرفتي الباردةِ
ولضَوءِ القمرِ أَيضًا.

461
داخلاً بلدَتي
في سُقوطِ الثَّلجِ الغَزيرِ،
أَشعرُ أَني غَريبٌ.

468
لقدْ فقدتُ طَريقي
في مدينةٍ غريبةٍ في اللَّيلِ-،
سماءُ نجومٍ باردةٍ قديمةٍ.

477
على حِربةٍ،
ووراءَ أَشواكِ السِّياجِ-،
قمرُ الرَّبيعِ عندَ الفَجرِ.

481
محبوسًا في صُندوقِ الجليدِ،
صرصارُ اللَّيل يشقشقُ ناعسًا
في شتاءٍ دخيلٍ.

482
في جَنازةٍ،
جدائلُ شِباكِ العنكبوتِ الغِشائيَّةِ
على زُهورِ النَّعشِ.

500
مدرجُ الأَلعابِ الرِّياضيَّةِ:
مُحتلٌّ كلُّ مَقعدٍ
منْ قِبَلِ رُقاقاتِ الثَّلجِ.

504
عَبْرَ غطاءِ الطَّاولةِ،
يَسحبُ النَّملُ ذُبابةً ميِّتةً
في شَمسِ المساءِ.

518
أَزهارُ البرقوقِ القشديَّةُ:
كانتْ ذاتَ مرَّةٍ
أَميرةً جميلةً …

521
ثمَّةَ مَا يكْفي منَ الثَّلجِ
لجعلِكَ تنظرُ بعنايةٍ
إِلى الشَّوارعِ المأْلُوفةِ.

526
القطارُ القادمُ
مُزيَّنٌ كلُّه بالثَّلجِ
منْ بلدةٍ أُخرى.

530
ظلِّي كانَ حزينًا
حينَ أَخذْتُهُ منْ رملِ
الشَّاطئِ اللاَّمعِ.

552
جزيرةٌ ربيعيَّةٌ صغيرةٌ
يَجري قِياسُها
بشريطِ دُخانِ السَّفينةِ.

554
عاصفةُ الصَّيفِ الممطِرةُ
تَنقعُ الدَّجاجَ في الحُقولِ،
مَا يَجعلُها أَصغرَ.

555
باردةٌ جدًّا هيَ الآنَ
لدرجةِ أَن القمرَ يتجمَّدُ سريعًا
على فرعِ شجرةِ الصَّنوبرِ.

556
كانَ الضَّوءُ الكبيرُ في الضَّبابِ
لكنَّهُ فانوسٌ صغيرٌ
عندما وَصلْنا إِليهِ.

559
في هذهِ البِركةِ الصَّغيرةِ جدًّا
أَهيَ البُحيرةُ الكبيرةُ الَّتي
سَبحتُ فيها لمَّا كنتُ صبيًّا؟

571
عَبرَ البُحيرةِ،
مَضتْ أَشجارُ الشِّتاءِ السَّوداءِ،
أَصواتَ خافتةً لِفْلُوتْ.

579
وسطَ الأُقحوانِ
حتَّى الصَّبيُّ الغبيُّ
لديهِ كرامةٌ.

580
قَدمي الباردةُ والرَّطبةُ
تشعرُ أَنَّها بعيدةٌ مثلَ القمرِ
في هذهِ اللَّيلةِ الخريفيَّةِ.

582
دُوريٌّ مترنِّحٌ
يتركُ على حافَّةِ نافذةٍ بيضاءَ
شريطَ مَساراتِ الدَّمِ.

587
في عِليَّةٍ رطبةٍ،
تُسفَكُ ذرَّاتُ نِشارةٍ،
دميةٌ من قماشٍ بالٍ جريحةٌ.

588
لستِّ سنواتٍ مُظلمَةٍ رطبةٍ،
دميةٌ بابتسامةِ عيدِ الميلادِ
في علبةِ الحذاءِ القديمِ.

591
هرَّةٌ مريضةٌ تَسعى إِلى
صفصافةٍ يابسةٍ ومُتجمِّدةٍ
لتموتَ تحتَها.

592
جالستانِ في مطرِ الرَّبيعِ،
دُميتانِ من قماشٍ بالٍ مَنسيَّتانِ،
أَقدامُهما في الماءِ.

598
يتعثَّرُ الأَعمى،
يتوقَّفُ، ثمَّ يسيرُ أَبطأَ
في اللَّيلةِ الخريفيَّةِ.

602
حلزونٌ يزحفُ ببطءٍ؛
في لحظاتٍ تاليةٍ لاَ يُمكِنني أَنْ
أَراهُ في أَيِّ مكانٍ.

611
بينما بائعُ الفشارِ
يغلقُ عربتَهُ،
يبدأُ الثَّلجُ بالسُّقوطِ.

613
بينما تُنتَفُ الإِوزَّةُ،
حلَّقتْ ريشةٌ بعنفٍ
للبحثِ عن رُقاقاتِ الثَّلجِ.

616
كرةُ الثَّلجِ الَّتي رَميتُها
وقعتْ في شبكةِ رقائقَ
وانطلقتْ بعيدًا.

618
عاليًا فوقَ السَّفينةِ
الَّتي يُبحرُ علَيْها المُهاجرونَ،
إِوزٌّ يَفترِقُ.

625
بقرةُ الغُرابِ:
على حقلِ الصَّيفِ البعيدِ
يذهبُ قطارٌ صامتٌ.

635
شاطئٌ فارغٌ:
يأْخذُ صيفًا طويلاً معهُ،
قطارٌ مغادرٌ.

638
في نَومِي في اللَّيلِ،
أَظلُّ أَطرقُ طرق أسِندانًا
استمعتُ إِليهِ خلالَ النَّهارِ.

647
تحرقُ وقتَها،
وتُوقِّتُ احتراقَها،
شمعةٌ وحيدةٌ.

658
الجبالُ العاريةُ،
تغسلُ أَنفسَها بمطرِ الرَّبيعِ
بينما حقولٌ خضراءُ تراقبُ.

667
ذلكَ الدُّوريُّ انحَنى فجرًا،
رأسهُ مَدسوسٌ تحتَ جناحَيْهِ-،
خياطةُ زرٍّ؟

669
ورقةٌ تطاردُ ريحًا
عبرَ نَهرِ الخريفِ
وتَهزُّ شجرةَ صَنوبرٍ.

673
سيلُ مطرِ الرَّبيعِ
يبحثُ في الأَعشابِ الجافَّةِ
يجدُ دميةً مفقودةً.

686
دوريٌّ مندفعٌ
يباغتُ فزَّاعةً جِلديةً
عائدًا إِلى التَّيقُّظِ.

704
الأَكمامُ الكبيرةُ للفزَّاعةِ
إِعلانٌ في الشَّمسِ:
طماطمٌ حمراءُ ضخمةٌ!

711
باحتفاليَّةٍ
طيورُ العَقْعَقِ تُشرِّحُ
جثَّةَ هرَّةٍ.

713
ظلٌّ يزحفُ
على شجرةِ بلُّوطٍ عملاقةٍ
يقفزُ من فوقِ الجدارِ.

721
بينما ينحسرُ غضبِي،
نجومُ الرَّبيعِ تنمُو ساطعةً مرَّةً أُخرى
وتعودُ الرِّيحُ.

730
منْ شجرةِ الكرزِ
إِلى سطحِ الحظيرةِ الأَحمرِ،
حلَّقتْ سحابةٌ منْ عصافيرِ الدُّوريِّ.

737
في شَمسِ الصَّيفِ،
قُربَ زُجاجةِ ويسكي فارغةٍ،
شيطانٌ نائمٌ.

738
في الشَّمسِ الحارقةِ،
لسانُ حيَّةٍ سامَّةٍ تَدفعُ
عَقبَ سيجارةٍ.

762
مطرُ الخريفِ المُتكاسلِ:
يَصفُّ الصَّبيُّ جنودَ لعبةٍ
من أَجلِ معركةٍ كبيرةٍ.

766
واقفًا في الثَّلجِ،
حصانٌ يُحوِّلُ فخذَهُ الثَّقيلةَ
ببُطءٍ إِلى اليمينِ.

774
على ساقِ سِروالي
لا يزالُ قليلٌ منْ خيوطِ الوبرِ
منذُ أَمدِ موتِ هرَّتي.

776
سماءُ الخريفِ فارغةٌ:
خيامُ السِّيركِ السَّاطعةُ ذهبتْ،
آخذةً موسيقاهُم.

782
مِن ظلامِ الصَّنوبرِ الَّذي لاَ يزالُ،
لاَ نسمةَ منْ رياحِ الخريفِ
لتُموِّجَ البُحيرةَ.

783
لاَ أَستطيعُ العثورَ علَيْها،
زهرةُ البنفسجِ الحقيقيَّةُ الأُولى تلكَ
تُرى منْ نافذتِي.

787
مساءُ الخريفِ هذا
مليءٌ بسماءٍ فارغةٍ
وطريقٍ واحدةٍ فارغةٍ.

788
حولَ جذعِ الشَّجرةِ،
كفُّ هُريرةٍ تَضربُ بسرعةٍ
فأْرًا غائبًا.

795
يُقرَعُ جرسُ الكنيسةِ:
جُرذٌ ينتصبُ على قائمتَيْهِ في ضَوءِ القَمرِ
ويُحدِّقُ في البُرجِ.

809
لماذا غابةُ الرَّبيعِ هذهِ
نَمتْ بصمتٍ شديدٍ عندما أَقبَلْتُ؟
ماذا كانَ يَحدثُ؟
(من- هايكو: هذا العالمُ الآخرُ)

* شاعر أمريكي من أصل أفريقي (1908-1960).

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| نهى عودة : بين السطور .

لم يكن هناك فارقُ توقيت أو جدارٌ عازلٌ بيننا بل غرفتان متلاصقتان بأبواب موصدة نجّارُها …

| زياد كامل السامرائي : أوانُ الآهة .

أتطهّر بما تنجبُ عيناكِ من ضياء وبموج ابتسامتكِ يغرقُ كلّي وما تنقذني سوى يد الحبّ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.