الرئيسية » ملفات » منذر عبد الحر : ( إزدهارت المفعول به ) للشاعر العراقي سلمان داود محمد
علامات فارقة في اللغة وأنسنة الأشياء (ملف/37)

منذر عبد الحر : ( إزدهارت المفعول به ) للشاعر العراقي سلمان داود محمد
علامات فارقة في اللغة وأنسنة الأشياء (ملف/37)

إشارة :
سلمان داود محمّد – وببساطة شديدة جدا ولكن معقّدة – هو “عاهة إبليس” في المشهد الشعري الراهن ؛ العراقي – وحتى العربي لو هيّأ له الأخوة النقّاد “الأعدقاء” فرص الانتشار. وكمحاولة في إشاعة فهم بصمة روحه الشعرية المُميزة الفذّة التي طبعها على خارطة الشعر ، ارتأت أسرة موقع الناقد العراقي الاحتفاء به عبر هذا الملف الذي تدعو الأحبة الكتاب والقرّاء إلى إغنائه بالدراسات والمقالات والصور والوثائق.. تحية لسلمان داود محمد.

( إزدهارت المفعول به ) للشاعر العراقي سلمان داود محمد
علامات فارقة في اللغة وأنسنة الأشياء

منذر عبد الحر

للشاعر سلمان داود محمد ميزتان تميّزانه عن أقرانه من الشعراء, الأولى أنه متطابقٌ في الفعل والبوح الشعري, وهذا التطابق من النادر أن يتحقق لدى شاعر ما, والثانية, أنه ظلّ مخلصاً لسياق تجربته , ونسق خطابه , ولم يحد عن هذا الإخلاص رغم تقلّبات الظروف , وتكسّرات الزمن وتغيّراته التي عصفت بالكثيرين غيره , لذلك تأتي الكتابة عن هذا الشاعر المتواصل بعطائه الإبداعي المتفرّد بهدوء وتواضع, وتجدد باذخ , ذات خصوصيّةٍ يستحقها, واحتفاء يليق بمكانته الشعرية بين أقرانه من أبناء جيله, ولعلّ مجموعته الأخيرة “إزدهارات المفعول به” تقدّم الدليل الأوفر على مشروعه الشعري الأصيل, من خلال (العلامات الفارقة) التي ميزته عن غيره من الشعراء, لذلك لم تأتِ التسميّة التي حملتها ثاني مجموعاته الشعرية (علامتي الفارقة), إلا عن قصدٍ عميق, ذهب إليه الشاعر ليعطي تجربته الملامح التي يريدها لها, هو وحده. مجموعة (ازدهارات المفعول به), تحقق شعريتها المتفرّدة ابتداءً من عنوانها , الذي يوفر انحرافا لغوياً في شكله الظاهر, كما أنه ينطوي على بعدٍ دلاليّ عميق , يشير إلي الأزمة , أو المعاناة التي يعيشها الفرد في العالم الراهن , ورغم ذلك فأن له ازدهاراتٍ , يحتفل بها, ليحقق مفارقة وجوده المتحدي , للكثير من عوامل النكوص والأسى والألم , فهو (مفعول به) , وقع عليه فعل الفاعل عبر رحلةٍ قدريّةٍ في غاية العسر , وصور التحمّل الذي فرضته أعباء الحياة ومتطلباتها , وجديرٌ بدارس وقارئ , سلمان داود أن يصغي لعزف من مفردات حياته , ووضعه الإجتماعي , الذي تأثّر بحلكة الظروف , وتفاصيل الحياة التي يعيشها , وبالتالي تأثيرها الواضح علي مسارات شعره, الذي يعتمد علي مفاصل فنيّة , ينشئها الشاعر, ويجعلها كمثاباتٍ ينطلق منها إلي عالم قصيدته, الغنيّ الواسع , ومن هذه المفاصل الفنيّة , الإشتغال على المفارقة اللغوية, وحرفها عن دلالتها التقليدية , لتخرج دالة. على مفارقة الصياغة , وعلى الألم الناضح بسخرية سوداء من الثوابت العقيمة لبعض الصياغات اللغوية والمفردات الجامدة, ولعلّ العنوان هو الدليل الأول على هذا المفصل الفني الهام في تجربة سلمان , ومنها أيضاً: (أطرد الأهزوجة بانسكاب النقطة فوق الصراط) ص 17, و (لتصريف الأحلام الموحلة باللاءات) ص 18 أو (الأول: يسمّي الناس أخطاء شائعة) ص 19 أو (خروف العلّة) عنوان قصيدة ص 21 أو (عاد المنصوص عليه إلي وحشته نادماً) ص 23 , وهذه العبارة تنطوي على صياغة عسكرية ذات قسوة دلالية محكمة , سنتحدث عنها لاحقاً في تجربة الشاعر الغنية بحرارة مفردة الحرب , أو (لبلوغ الذمة ميتتها الخالدة والتسعين) ص 27 أو (وتخلّص من وعكته الوطنية) ص 30 أو (لا أفرق بين بيوت آيلة للسقوط وأخرى تفطر بالأيائل) ص 39 أو (النعجة مقياسي في جرد الأنا – ناس) ص 41 أو (ما كو) ص 43 أو (مولع كسواي بإزالة النقاط من الشذا) ص 45 أو (غريب يرطن بال.. بس.. كويت)ص 53 أو( لمن يزداد بياضاً بسقوط الهمزة من لفظة الأسود) ص 54 أو (لا يهم… أو… لا…. يهم) ص 66 أو (صائحاً من ذروة في منارة : الـ (آه) أكبر من رزم مما تدركه الإغاثات) ص 76 أو (تتمزبل) ص 95 أو (يتثعلب) ص 96 أو( واسترق السمعة من حرف الجر) ص 97 أو (وتحمي اللفظة من بذخ النقرس) ص 98 أو (أنت.. بكسر العين) عنوان قصيدة ص 103 أو (استطرد.. سب.. حا.. لك) ص 107 أو التشبيه الدلالي الجميل في (أشباهي – حزمة صبيان – في مقتبل الفاو) ص 107 أو (تنرجس) ص 109 (لي بلبل ممنوع من الصرف.. لي باطلٌ يؤنث الحجر… لي وتدٌ في مخرج الكلام ولك المدائح) ص 114 أو (أسعدت كراجاً…. و خذوووووووووووووووووووووك ) ص 115 , هذه الإشارات التي تشتغل فنياً علي عصب اللغة هي من المثابات الذكيّة التي يعطي فيها الشاعر سلمان داود محمد فيضاً من الإفصاح الشعري , والبناء الإشاري الدقيق , لتوصيف الحالة ورسم الرؤية , والإفصاح عن الصورة المبنية بقصدية ووعي عالٍ بغابة العملية الشعرية, التي يتقنها الشاعر بمهارة عالية.

(الضياء تحت الوسادة )

لعل المفصل الفني الثاني الذي يشتغل عليه الشاعر سلمان داود محمد هو أنسنة الأشياء , واختزال الصورة الشعريّة اختزالاً معرفيّا يحقق الهدف المزدوج من أداء الشعر , كفكرة إنسانية, وصيغة جمالية محلقة , (وأنا أجفف الشظايا علي حبل الوريد) ص 9 , تري أية قسوة تحملها هذه الصورة المفزعة , وأية فكرة تؤديها ملامسة الحرب من أكثر مناطقها توتراً ؟ وعليه فأن الشاعر يبني قصيدته كلها على جمل حادّة لا تسترخي , أو تترهل , ولا تسقط في فخ ومطب سرد التفاصيل , التي قد تهبط بالشعر من مستواه التعبيري العالي, لذلك تحافظ قصيدة سلمان داود على فتنة جمالياتها , وهي تعبّر دائماً عن أزمة إنسانيّة مركبة , تستنطق الواقع وتحتال عليه فنياً, من أجل سرّ الشعر الذي يدرك الشاعر سحره جيداً, كما يتوفر الشاعر على قدرة التوليد اللغوي , والإنسياب من خلال أدوات فتح النوافذ للإطلالة على علاقاتٍ جديدة في السؤال الشعري مثل : (بقايا قنبلة تتظاهر بمزهرية) ص 11 , كذلك يلجأ الشاعر الى كسر الجمل الواقعيّة المباشرة وكسر نتائجها المتوقعة لتغدو جملاً بعيدة عن الرؤية التقريرية , جملاً جامحة متمردة خلاّقة تحدث انحرافاً دلالياً يستدلّ به الشاعر على فنارات إنسانية وتعبيرية موفقة (أديتُ كلّ البحار التي كانت عليّ… فأين الغريق الذي خصصته لي ؟ ) ص 12 ,. ولعلّ أجمل ما في شعر سلمان داود محمد , هو قدرته على ليّ عنق اللغة وصناعة صوره الواخزة من فتح الثغرات في جدران الثوابت والعلاقات الجاهزة المستلّة من نسيج الحياة اليوميّة , مع المحافظة على أرضية التجربة وأصالتها وقوة أدائها: (وهم يدحرجون القمر في مياه ثقيلة / جعلوني أخفي الضياء تحت وسادتي / كي أحلم دوماً بسماوات ٍ تنقذ التصفيق من البطالة) ص 13

(محض زهور )

أو لنأخذ مثالاً للإشارة الى حالة معروفة بين الوسط الأدبي , وهي رؤية تنطوي على شهادة حال جيل كامل من (الشعراء) الذي تمثّل بأخلاقيات معينة وطبائع خاصة وعادات معروفة للجميع , قد تقتضي في بعض الأحيان شرحاً لها , للخصوصيّة التي يتمتع بها رمز الإشارة إليها , وبذلك يؤسس , الشاعر لهذه الرؤية – الموقف , جمالياً ومعرفياً , وتاريخياً أيضاً ‘ للتعبير عن حالة , عصفت بالأدباء جميعا , وهي العوز والركون الى تلقي المساعدات القادمة من الآخر والتي رصدها الشاعر ببراعة ورصد موقف , لا جدال فيه: (آبائي / محض زهور تزج اللاقطات في العبير/ كلما وخزتهم ملكة إسبانيا بالنقود هرعوا إلي ساحة الأندلس / تتقدمهم/ أكياس) ص 14 وإشارته الخاصة في: (السلحفاة أنا في ماراثون الصكوك) ص 68 ولنتأمل الثراء الفكري, الذي قد يستدعي تأويلاً أو أجوبة , يطلق الشاعر طيور أسئلتها , ليكون القارئ , طرفاً في الإجابة والإستنتاج والتأويل , هذا المقطع الذي يستند على محسنات جمالية يتقنها الشاعر مستنبطة من تشبيهات واستعارات وأقنعة , ومعلومات ترصد ظاهرة فلسفية أو أسئلة كونية , وهي بالتالي تعبر عن نقد عميق للواقع اليومي المعاش: (فتوكّل عليك إذن/ واستعن بأشباه الجملة على النظريات/ فمن أجل الإطاحة بالأرانب/ وهي تتلصص من ثغرة في رأسك/ دجج رؤاك بداء الثعلب/ واهتف بالعفونة: آمين/ فلم تعد النظافة صالحة للزواج/ لتزرع أطفالاً في مقبرة الحلوي/ ولا من مزارات شفيت من أقفاصها/ كي تتفوه بالطيور/ لاشيء.. لا شيء/ لا شيء سوى فقهاء/ ينثرون المنائر أمثلة لفحولتهم/ وأشجار تذرف الريش على مصيدة) ص 15 و 16. أو لنأخذ هذه الجمل مجزأة, وهي لا تحتاج الى تعليق أو جهد في التأويل العميق والإشارة الحذقة , والرسم الجمالي للصورة المدهشة (كن ما يشبه المطر حين تسحله السبخة من غيمته) ( انثى تقشّر المفاتن في مخزن الحبوب) (ضع صلواتك تحت ألسنة الممحاة) (خشية أن تشقي , اكره نفسك جيداً) أو لنتأمل هذه الصورة الجميلة: سترى من فوقك ليلاً/ يحتسي المناعة ضد القمر/ ومن تحتك شمساً/ تنظف أسنان المدافع بالجنود وهكذا نستطيع الإشارة والحديث عن ثراء تجربة الشاعر في الكثير من الصور, والتعبيرات الشعرية الخلاقة , فمجموعته زاخرةٌ بالثراء الشعري, والحديث التفصيلي عنها يتطلب وقفة أطول وأكثر تأنياً, فالنصوص الستة التي ضمتها مجموعته , إضافة الى (الدليل غير السياحي لقارئ عابر) المدهش في أدائه , الذي جعله نصاً آخر ضمن نسق المجموعة الرائعة , كانت هذه النصوص زاخرة بالمعطيات الإبداعيّة التي تميزت بها التجربة الشعرية لصوت مهم من أصوات الشعر العراقي الراهن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *