الرئيسية » نصوص » رواية متسلسلة » صالح البياتي : رواية نزف المسافات
الفصل الثامن (ح / 2) تتمة الحلقة السابقة

صالح البياتي : رواية نزف المسافات
الفصل الثامن (ح / 2) تتمة الحلقة السابقة

رواية نزف المسافات
صالح البياتي
الفصل الثامن ح / 2
تتمة الحلقة السابقة
استقبل نوح اصدقاءه في بيته، حضر للمواساة، كل من الشيخ كاظم، القاضي عبد الهادي وإبنه المحامي حسن، الدكتور هلال، وشخص آخر ملثم، جلس متنحيا عند الباب، أثار الشك والريبة في النفوس.
راعى نوح الطريقة الصحية في تقديم القهوة لضيوفه، وعندما وصل للملثم، اومأ الرجل بيده دلالة الرفض.
رثى نوح أمه، تكلم عن صبرها الذي لم ينفد، صلابتها على تحمل اوجاع السرطان الفظيعة، حكمتها الفطرية، ذكريات طفولته معها، الحب الذي اكتنزه قلبها الكبير، حتى فاض على كل من كان حولها، تمنى لو كان شاعرا لرثاها، كما ترثى مثيلاتها من النساء الطيبات، كان الشيخ يستمع مسترخيا ومستمتعا بصوت خرزات مسبحته السوداء، فجأة اعتدل في جلسته، وإستأذن نوح ان يقول شيئا عن المرحومة، قال نوح تفضل، تنحنح الشيخ قبل أن يبدا بالكلام، فترحم عليها، ثم قال سمعتها تقول” لا ابو الكثير مَلَكْ ولا ابو القليل هَلَكْ” تأملوا اخواني هذه الحكمة، فمن يملك الكثير يتساوى في النهاية مع من لا يملك إلا القليل، لذا امرنا المولى سبحانه وتعاله ان نتزود بالتقوى لآخرتنا، فهي خير زاد لذاك اليوم الذي لا بيع فيه ولا شراء، قرأ الآية واستطرد يتكلم عن الزهد والزاهدين في الدنيا.
رفع نوح نظاترته الطبية، مسح دموعه، قرأ بخشوع وصوت مسموع، الآيات الأربعة الأخيرة من سورة الفجر*، مد يده لصورتها التي كانت على منضدة بجانبه، نزع الشريط الأسود، قال ايها الأخوة ان روحها الآن في عالم الهدوء والإطمنان، ليس هناك الم ولا حزن، فجأة أنتحب الرجل الملثم وتعالى نشيجه، خيم صمت حزين حتى هدأ نشيجه، قطعه الدكتور هلال، اخبر نوح انه سيلتحق بالخدمات الطبية، خلف الخطوط الأمامية بالقاطع الجنوبي.
عاد الصمت يحبس الأنفاس مجددا، خرقه نوح بسؤال عن العراف، فإستغرب الدكتور السؤال عنه في ظروف حزينة كهذه، تساءل ماذا تريد ان تعرف عنه، رد؛ اريد ان أقرأ قصيدته التي تنبأ بها عن الحرب، وعده الدكتور ان يسأل والده عنها، اتفقا على اللقاء غدا، في مكان معين على ضفة النهر، كما اعتادا قديما.
ودعه وخرج، وبعده قام القاضي وابنه حسن، ودعهما عند الباب، لم يبق سوى الشيخ والملثم، قام نوح، قدم له القهوة، اخذها وبحركة سريعة أماط لثامه، فإذا به وجها لوجه امام سعيد.. الرجل الذي توجسوا منه، فظنوه مدسوس بينهم، راح سعيد يرتشف قهوته، قام الشيخ عانق ابن عمته بحرارة، وصب لنفسه فنجان قهوة، وقال سأبقى صاحيا الليلة.
انتهى المأتم البسيط وذلك بطي الشيخ طرف السجادة عند الباب، علامة على خاتمة الأحزان، وعاد لمكانه، شعر سعيد بالأمان عندما انصرف الجميع، وراح يتحدث عن معاناته اثناء البحث عن ملاذ آمن طوال فترة مطاردته..
سأله نوح ماذا ستفعل:
” سأقتل سليم الخماش انتقاما لأخي وزوجته..”
لم يقل نوحا شيئا، عرض عليه المبيت عنده الليلة، شكره وقام لينصرف، تعانقا عند الباب، قال سعيد، كانت المرحومة امي ايضا، لن انسى ابدا مواقفها النبيلة معنا، دس في يد نوح ورقة وذهب.
استقبلت ام سعيد الأستاذ نوح في بيتها، بالبكاء والعويل، قبلته، بللت دموعها وجهه. أدهشته حين قالت اعلم ان سعيد حضر العزاء في بيتك، ولما سألها كيف عرفت، قالت قلبها هو الذي اعلمها، ترجته ان يأخذها لتزور قبر المرحومة، وان يجد لها وسيلة للذهاب الى ايران للبحث عن هيلا وامها، وعدها أن يتدبرالأمر، سألته أن كانت لديه اخبارعن ابنها مقبل، قال انه سيحاول معرفة مكانه، عن طريق اصدقاءه في بغداد.
شعر نوح أن هذه المرأة التي عرفها قوية الشخصية، وتعادل مئة رجل، لم تعد كذلك، وأنها لن تقوى على سفر شاق، محفوف بالمخاطر الى ايران.
قالت ستنام هذه الليلة في بيتي ، سينام الشيخ في الصالة، وانت في غرفة سعيد، واثناء توزيع اماكن النوم، قُرع الباب، ذهبت اليه فتحته، فرأت ام بدور وزوجها امامها، وبعد الترحيب وكلمات المواساة، كان على نوح ان يشارك الضيف غرفة النوم، وام سعيد تشارك الضيفة غرفتها، تأخر نوح عن النوم، يتحدث مع الشيخ كاظم، حتى ساعة متأخرة من الليل، وعندما ذهب لينام وجد الضيف يغط في النوم، يشخر بصوت عال ومتقطع، جلس على حافة السرير، قرا رسالة سعيد:
استبق التوديون الأحداث، للإستيلاء على الحكم في الأول من ايار، لكنهم فشلوا للأسف، فصعد التيار الديني، ونكل بهم اشد التنكيل، واستفرد بالسلطة، ولو انهم نجحوا لما كانت هناك حرب، الحرب كانت نتيجة لصعود التيار الديني في ايران من جهة، وانقلاب القصر وتبديل القيادة في بغداد، من الجهة الأخرى، لذلك لم أستطع الهروب الى الاتحاد السوفيتي من دون مساعدتهم، عدت لأقتل الخماش، ثأرا لأخي وزوجته، ثم اتسلل للأهوار، ستكون ملاذا للهاربين من المحرقة..
بلغ تحياتي لأمي.. وفي نهاية الرسالة، طلب من نوح ان يرافق امه للوصول الى كردستان، ذكراسم شخص يثق به، يستطيع تهريبها الى ايران، لكي تبحث عن هيلا وامها.
لم يستطع نوح النوم بعد قراءة الرسالة، أثارت مخاوفه وقلقه، خاصة وان المخبر المدعو زوج عمته يشاركة حجرة النوم.
كان شخيره مزعجا جدا لا يطاق، شعر نوح ان هذه الكتلة اللحمية المتورمة، تشفط هواء الغرفة بطريقة جشعة، هذا المخلوق البائس، المسخ، الذي يغدر بالناس، يكتب تقارير ضدهم، ولا يتورع أن يشي حتى بأقربائه، لذا كان نوح يتحاشاه دائما، ولا يحبه، حتى قبل ان يعرف ان المدعوة عمته ام بدور، لا تمته بصلة.
ذهب للمطبخ يبحث عن علبة كبريت، ليحرق رسالة سعيد، تفاجأ بالشيخ جالسا في الظلام.. سأله لماذا انت صاحيا الى الآن، جالسا وحدك في الظلام! إجابه انه في خلوة مع الله، يناجيه، يقرا الأدعية، يتضرع اليه لكشف الغمة عن هذه الأمة.
جلس نوح يستمع لأدعيته، فتح الشيخ كتاب صغير الحجم، غلافه سميك اسود، قرأ فيه عدة ادعية، حتى أشرف الوقت على طلوع الفجر، فقام توضى وصلى، ثم رفع كفيه بعد انتهاءه، داعيا “اللهم إنّا نعوذ بك من شر سلطان سوء، وقرين سوء، ويوم سوء، وساعة سوء”
دخلت ام سعيد، ارخى كفيه على ركبتيه، اخبرتهما ان الجماعة يريدون العودة مبكرا الى بغداد، وقالت سأعد طعام الإفطار، تعالوا نفطر سوية ونودعهم، همس نوح في أذن الشيخ، يحذره من ابو بدور، فهو مخبر، فقال الشيخ عرفته، ثم تمتم،
” قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله علينا.”
جلسوا للإفطار، حاول المخبراستدراج الشيخ بالحديث عن الحرب، واصفا اياها بالكارثة، حمل الرئيس المسؤلية، وقال السيد الرئيس هو الذي بدأها خوفا على كرسيه، حاول الإيقاع بالشيخ، لكن بسبب زلة لسانه، وإعتذار الشيخ عن البقاء، حيث ودعهم ومضى، عند ذلك قام ابو بدور، بعد ان باءت محاولته بالفشل. يستأذن كي يحزم حقيبتهما استعددا للسفر.
أبدت زوجته رغبتها بزيارة قبر المرحومة، عند حلول اربعينيتها، لم يقل نوح شيئا.
شكرتهم ام سعيد على تكبدهم مشاق السفر، ودعتهما عندما خرجوا للسيارة التي كانت تنتظرهم امام البيت، تحركت بهم واختفت من الزقاق.
بقى نوح يواجه قرارا صعبا، ولكنه حزم أمره أخيرا، وقرر ان يساعد ام سعيد في البحث عن هيلا، أكد لها أنه لن يتركها لوحدها مهما كلف الأمر، فهي بحاجة ماسة لرجل يقف بجانبها، وهو يحتاج لإمراة بمثل حكمتها وشجاعتها.
عانقته وقبلته، شعربدموعها الحارة تبلل وجهه، شرح لها خطة الهروب، عن طريق الشمال، هناك صديق لسعيد يثق به جداً، سيسهل لك الهروب الى إيران، الفرصة مواتية الآن، فالقتال لم يحتدم بعد في الجبهة الشمالية، وبإمكانك عبور الحدود من إحدى الثغرات التي ينشط فيها المهربون..
لم تقل شيئا، دلفت لغرفتها، وبعد دقائق خرجت وبيدها صرة، دستها في يده.
“ما هذا ياخاله؟”
“هذه النقود وفرتها هيلا للمولود.. تنهدت.. آه لو تركوها هنا حتى تلد، لكان عمر طفلها الآن ثلاثة أشهر.. وهذه أقراط ذهبية هدية لزوجتك.. لم تقل لي ما اسمها؟
خنقته العبرات.
“احتفظي يا خالتي بالنقود لحفيدك..”
ابتسمت قبل ان يذكر اسم زوجته، سالته عنها مرة اخرى:
” نوح أهي جميله، وبنت من؟”
” جميلة.. اسمها سيناء بنت الحاج سبتي تاجر الأقمشة الرجالية”
“كانت امنية المرحومة ان تعيش حتى ترى زفافك.”
” الحمد لله تحققت امنيتها، وقريبا جدا سنتزوج ”
فكر بما قالته قبل قليل عن هيلا، لو أنهم تركوها ( هنا )، كم كانت هذه اللو، امنية، لكنها وئدت قبل ان تولد، وهل (هناك) إلا الغربة والخوف والموت..
لكن الوطن.. الذي هو مكان العيش والفرح، أنقلب الى مسلخ وقبو تعذيب مظلم.. تداخل الوطن بالمنفى، والموت بالحياة، ولم يعد التفريق بينهما ممكنا..
أخبره سعيد عندما كان في بيته، أن هيلا ولدت صبيا، في مخيم اللاجئين بمدينة جهرم محافظة عيلام، كان وقع الخبر مؤلما في نفسه، فمجيء صبي لمقبل، كان سيفرح ام سعيد كثيرا، لو حدث ذلك في ظروف عادية، فكر ان اخبارها سيضاعف حزنها، سيعذبها ويقتلها، لقد أحبت هيلا حباً صادقا وعفويا..
كتم الخبر، اخبره سعيد ايضا ان الطفل وأمه وجدته، يعيشون في بيت قديم بقم، قرب ضريح السيدة معصومة، هذا كل ما عرفه من سعيد، وسيبوح به لها،عندما يشرعان بالرحلة المحفوفة بالمخاطرلشمال العراق. شكرها على الضيافة والمبيت، قائلا إن شاء الله البيت عامر، قاطعته:
” لم يعد عامرا كما كان.. البيت بدونهم قبر يا نوح.”
” فوضي امرك الى الله، وسوف لن يتخلى عنك ابدا.”
” نم هذه الليلة ايضا في غرفة مقبل وهيلا فهي مريحة أكثر.”
قضى نوح نهار ذاك اليوم هائما على وجهه، يبحث عن شيء مفقود، عن آثار أقدامه التي طمستها السنين.. فأينما كان يولي وجهه، فثمة أكف أنهار مبسوطة بالخير، ندية بالمياه والعطاء..
• سورة الفجر، مكية رقمها 89 ، الجزء 30 في القرآن الكريم.
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *