الرئيسية » نقد » ادب » عيال الظالمي : الاستفهام في (قصائد بحضرة المتنبي)

عيال الظالمي : الاستفهام في (قصائد بحضرة المتنبي)

الاستفهام في (قصائد بحضرة المتنبي)
الاستفهام نمط تركيبي من الجمل الإنشائية الطلبية، فهو طلب العلم عن شيء لم يكن معلوماً أصلاً، وهو مشتقّ من(فهم). قال ابن منظور (711ه):الفَهْمُ: معرفتك الشّيء بالقلب. فَهِمَهُ فَهْمَاً وفَهَمَاً وفَهَامَة:عَلِمَه. وفَهِمْتُ الشّيءَ: عَقَلْتُه وعَرَفْته، وفَهَّمتُ فلاناً وَأَفْهَمْتُه، وَتَفَهَّمَ الكلامَ: فَهِمَه شيئاً بعد شيء، ورجلٌ فَهِمٌ: سريعُ الفَهْم، ويقال: فَهْمٌ وفَهَمٌ، وأفهَمَه الأمر وفَهَّمه إيّاه: جعله يَفْهَمه. واستفْهَمْه: سأله أن يُفَهِّمَه. وقد استفهمني الشيء فأفهمته وفهّمته تفهيماً، ويقول ابن قتيبة(276ه):” واستفهمته: سألته.
فالاستفهام يأتي من عدة قضايا ومنها قضية الشك واليقين، وربما كان ديكارت الاسم الأكثر التصاقاً بهذه القضية ، فبواسطة الشك الكلي يمكننا أن نستوضح الحقيقية بشكل أفضل، ويعتبر الاستفهام إحدى أدواته أو سبله، إذ يوظف الشاعر أسلوب الاستفهام في تناول قضية الاستخبار وما خلفه ، وفي النفس وما وراءها ، وكان حافزه في ذلك ما يثيره هذا التوظيف في المتلقي من دلالات ، تبث فيه روح البحث عن الأجوبة ، وأحيانا عن التعجب، فقد بدأ الشاعر عبدالمنعم الملطاشي رحلته التدوينية بقصيدة من عتبتها الأولى بالسؤال( ماذا أصابكَ) حيث يقول:
ماذا أصابك قد أشعلت في بدني // ناراً كأنك لست اليوم تعرفني
هل أنتَ قلبيَ أم قلبُ التي رحلت // حتى تفرق بين الجفن والوسن
تسكنه الغرابة مما يلقى من نابض بين ضلوعه، وهذا التعجب أعطى الشاعر أن لا يضع علامة استفهام، يريد أن يستخبر عن موقف قلبه، ومحنته مع جزء منه لا ينقاد لقناعات ومباديء وعرف من يحمله، ولكن سيبويه كان له تعريف آخر عن الاستفهام فيوجزه بما يحتاجه أو يريده ( من المخاطب أمراً لم يستقر عند السائل) ، أمّا السكاكي فيعرفه: (بأنه طلب الحصول على أمر مبهم في الذهن، يهم السائل و يعنيه)، فهو أسلوب طلب في أصل وضعه، لكنه لم يبق على هذه الحال ، فخرج لمعان مجازية حيدته عن ماهيته في أصله اللغوي، قال عبدالمنعم الملطاشي وهو يريد أمراً بقوله:
إن كنت قلبيَ حقاً فلتحاورني // ذرني وشأني فإني لا أرى أحداً
مما تراه ولم تسمع به أذني
لقد عدد أنواع الاستفهام كأسلوب وشكّل علامة واضحة في يم البوح، فقد ورد في جميع قصائد المجموعة، ولم تخلو ماعدا قصيدة واحدة من تواجد هذا الأسلوب بين تضاعيفها، وعملية تنوع واختلاف الذي تمت به تجميع وإنتاج هذه التراكيب في الجمل الاستفهامية أكسب النص بعداً دلالياً أعمق ، وعملت على فتح فضاء التأويل، كما أشاعت أدوات الاستفهام ما هو أرحب وأدق من تحديد الدارسين لدلالاتها لأن المعاني التي تتولد منها تكون أكثر خفاءً، وقد تأتي اعتباطاً لدى الشاعر وهو يقص ما يتفاعل بداخله، ولهذا يصعب الإحاطة بها بشكل تام، فمهما أُجتهِد في قراءتها نقداً تبقى هذه الدلالات قابلة لتأويلات أعمق بحاجة للدرس المتجدد دوماً لفك رموز النص ودلالاته ، وقد مثل هذا التراكم الأسلوبي ظاهرة في شعر عبد المنعم الملطاشي بتنوع وتشعب الاستفهام، واختياراته باستعمال الأداة واستحداث تراكيب جملية فيقول في قصيدة (أحبُّ):
فهل يستوي من فاض بالحب قلبه كمن// فاض بالأضغان والشرِّ والبغض؟
وهل يستوي الماء الفرات مع الذي// أجاجاً على جرح تمازج في حمض؟
عملية موازنة مشتقة بتناص قرآني جميل، فقد تعادلت كفة ميزانه بين كلمة واحدة وهي ( الحب) وكل الموبقات من( الاضغان، والشر، والبغض) والمفاضلة بين الماء القراح العذب، مع الماء الأجاج المالح والذي امتزج بأحماض. لكي يزيد ويوسع المساحة في المقارنة، أضاف ما ينفر عند سماعها قبل أن تذاق، فالحب غاية كبرى وصلاح مستديم ونشيد مريح كي يتغنى به، وكما قال الشاعر:
فإنْ زعمتَ بأن الحبَّ معصيةٌ // فالحب خيرٌ بما يُعصى به اللهُ
ولم يعجل بالخروج عن نهر بوحه دون أن يورد استخباره في القصيدة، ويكثف سبل الاستفهام ، ليستخلص نتيجة، فيقول في صفحة 43 من نفس القصيدة:
وهل في سواد الليل فضل على السما // كما في ضياء الصبح فضلٌ على الأرض؟
هناك ثيمات بالأسلوبية لأنتاج النصوص، فعملية استدعاء ظاهرة دون غيرها يتوقف على ما تكتنفه النصوص من انتماءات معرفية، وعلينا أن نعرف ما بين الظاهرة والنص في الجهد لنلج نصوص الملطاشي، لكي تكون قراءتنا لها على أساس معرفي، لنستجلي ونغور في أعماق ما سطر لنا من مكامن الوجع والوله والتيم، ما يكتنف نفسه من أسئلة حائرة، وأسئلة إنكارية لا يحتاج إلى أجوبتها، فهو عالمها ومنشأها ومقدرها ومكتشف خباياها، ففي صفحة 12 من قصيدة ( رسالة قلب):
فهل قيس أنا والشعر ليلى // متى يخبو تؤججه الليالي .. ثم
ومالي كلما أنشدتُ شعراً // يذوب القلب من فرط انشغالي .. ثم :
ومالي إذ وجدتُ أبا نؤاس // وقد وضع اليمين على الشمال
بتضافر مختلف بأدوات الاستفهام يجعل الانسياب السمعي لأجوبة المخبر داخلي ، معروفة إنكارية ، وصارخة بدوي أضلاع لا صوت مفزع ، كل هذا الكم من الاستدعاء لا يسمع له قرع، ولا تشم له رائحة حرق، يجلب الماضي ليحضر الصورة الفارهة ليجيب بكل ثقة عما يعتمل بجوفه، بأسلوبه الخاص ، فحين ينشد في صفحة 38- قائلاً:
فأين خيالي المملوء شعراً // أهزُّ بهِ القلوب بكلِّ آن
لقد نزّهتُ أشعاري فكانتْ // شذى القداح بين الأقحوان
ولأنّ الاستفهام واحدٌ من الأساليب النحوية التي تعتري كلام الناس، إذ يمكن القول: إنّ الحياةَ قائمةٌ على السؤال، فيجب أن أقف عند الاستخدام اللغويّ الأصيل من خلال البيئة السّليمة التي تتمثّل بالفترة التّاريخيّة ومن خلال التّشكيل الفنيّ للغة الذي يتمثّل بالشّعر، في محاولة للوصول إلى مدى وجود هاجس السؤال عند الشاعر الملطاشي…………وللبحث تتمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *