الرئيسية » نقد » ادب » د. وسام حسين العبيدي : تجليات الوعي النقدي في ميتا سرد (مدونات سومرية) للقاص باقر جاسم محمد اختيارًا – قراءة سوسيوثقافية

د. وسام حسين العبيدي : تجليات الوعي النقدي في ميتا سرد (مدونات سومرية) للقاص باقر جاسم محمد اختيارًا – قراءة سوسيوثقافية

تجليات الوعي النقدي في ميتا سرد (مدونات سومرية)
للقاص باقر جاسم محمد اختيارًا – قراءة سوسيوثقافية

د. وسام حسين العبيدي

تحتفي النصوص القصصية بالكثير من التفاصيل اليومية التي يعيشها الإنسان، وهذا مما يُحسب ميزةً للقصة، بوصفها جنسًا يُعنى، عبر سيرورة الأحداث والوصف وآليات الحوار بين شخصياته، للتعبير عن الأبعاد الفكرية للتجربة الوجودية والاجتماعية. ومن شأن هذه التفاصيل أنْ تجتذب المتلقّي وتجعله في قلب الحدث القصصي، فيغدو أحد الذين يُسهمون في إنجاح العمل الأدبي، على أنّنا لا ننسى أن هذا المتلقّي محكومٌ بثقافته وثقافة عصره، أي أنه محكوم بخطاب الآخر، بالمعنى الذي يؤكّده (تودوروف) حين يقرّر أنّ كلّ تلقٍّ ((هو التقاء بين خطابين، أي حوار))( 1)، وبذلك يغدو ممكنًا حضور المتلقّي بوصفه فاعلاً في ديمومة النص الأدبي، من خلال قراءته الواعية، وما يمارسه من فعاليات في تفسير الأحداث، وتأويلها وربطها بعضها ببعض على وفق ما تتيحه مرجعياته المعرفية والثقافية من أسباب وما تحيل إليه من نتائج.

وفي قراءتي لقصة (مدوّنات سومرية) في ضمن (أزهار الحديقة السرّية) المجموعة القصصية الجديدة التي صدرت للناقد والمترجم باقر جاسم محمد، وجدتُ أنّها اشتغلت بصورةٍ عامة على إشراك المتلقّي في ربط الأحداث بأسبابها، وافتراض نتائج ستؤول إليها بعض أحداث القصة، وبهذا يُضمن للقارئ حقّه ويُحترم موقعه؛ لأنّه شريكٌ للسارد في أحداثه المنتخبة من واقعه، على أنّي لا أنكر أنّ بعض الحوارات قد لا تكون بحاجة إلى الإيغال في الوضوح، كما كان في المدوّنة رقم (16) من (مدوّنات سومريّة) القصة الأولى من المجموعة، فهي تكشف سذاجة (تالا) حين يسأل والده الحكيم (نخلة) عن سبب ميله إلى جاره (تانو) بخلاف ما هو الحال مع جاره الآخر (كوهال) فيجيبه لأنّ الأول قليل الخطأ مع الآخرين وإن صدر خطأٌ منه يبادر إلى الاعتذار لمن أخطأ بحقه، أما (كوهال) فهو يخطأ كثيرًا ولا يعتذر، و أرى أنَّ هذا التساؤل أدّى غرضًا استعراضيًّا كان بحاجة إلى أنْ يُؤدّى بتقنية فنية أقرب إلى الترميز وعدم الإفصاح بالقول، في حين كانت جميع تساؤلاتهِ في المدوّنات الأخرى التي ذكرها لنا السارد معبّرة عن ذكائه وحُنكته، بل أخذ بعضها منحىً فلسفيًّا، وهذا يؤكّد ما قيل في تاريخ الفلسفة أنّها بدأت تساؤلات هاهنا وها هناك.
من حيث التوصيف الموضوعي، عُدّت هذه المُدوّنات المتخيّلة إسهامة في المنحى الجديد في كتابة قصص الرُؤيا، الذي ظهر في عقود من القرن العشرين، حين اهتمّت القصص بإنشاء مدينة حُلُمية تتأسس على الواقع المعيش، وفي الوقت نفسه تنأى عنه إلى مدن خيالية أو تاريخية ضاربة في القدم( 2). و هنا يكون المتخيّل من مظاهر تجاوز الواقع، ولكن هذا التجاوز يحتفظ بالواقع وينهي حالته السلبية التي كان عليها قبل التجاوز بتغيير أو تطوير أو تشكيل جديد، وعلى هذا تتمّ صياغة جديدة للواقع قد يختلط فيها المتخيل بالواقع أو ينفصل عنه من حيث يتصل به بالمعنى الظاهراتي( 3)، إلا أنّ خصوصيّة هذه المُدوّنات، تقوم على مبدأ الافتراض، فتبدأ بملاحظةٍ يوردها السارد بقوله: ((تدور هذه المدوّنات حول أحداث وشخصيات متخيلة في فضاء تاريخي افتراضي لمدينة الوركاء من بلاد سومر. وفي أواسط الألف الثالث قبل الميلاد))( 4)، وقد يقتل هذا الافتراض حدس المتلقّي بواقعية هذه المدوّنات فيما لو كانت الملاحظة تنصّ على وجود ألواح طينية عُثر عليها من مجهول، وترجمها آثاريٌّ مجهول، إلا أنّ الافتراض الذي أورده السارد القصصي، يرتفع بالمتلقي عن مستوى الرُؤيا الحُلُمية؛ لابتعاد الحلم عن التحقيق بصفة عامة، ولكونه إيغالاً في الشعور بالهزيمة من عقابيل الواقع الذي يعيشه السارد، فيجد ضالّته في تأسيس رُؤياه على مهاد الأحلام، تعويضًا لتلك الهزيمة. ولعلّ القاص أيقنَ أنّ مثل هذا الاستهلال سيدفع بالقصة إلى مصافّ (الميتا سرد) حين يتدخّل المؤلف ((بصورة مباشرة في سير الأحداث ويعلّق على ما يجري أو يقتحم صفاء شخصياته الروائية بتطفله الدائم [فهو إذن] خروج على الأعراف والتقاليد السردية والتخييلية))(5 )، وقد نلمح مثل ذلك الاستهلال الذي بدأه القاص في أبرز ممثّلي اتجاه ما بعد الرواية، عند الروائي (جون فاولز) حين يُفاجئ القارئ بهذا الاعتراف الذي يستهلّ به الفصل الثالث عشر من روايته (امرأة الضابط الفرنسي) بقوله: ((أنا لا أعلم. وهذه القصة التي أحكيها هي مجرّد خيال، والشخصيات التي أخلقها ليس لها وجود خارج ذهني… الخ)) وكأنه عبر هذا الاستهلال يعبّر عن عدم يقينه وتردده مما سيطرحه على القارئ الذي يخشى عليه الكاتب من الوقوع في خديعة السرد المتخيّل(6 ).
قد لا يخفى المنحى الاجتماعي الذي اشتغل عليه القاص بعناية في جميع قصصه، إلا أنّ مناسيب هذا المنحى قد تختلف من حيث الشدّة والانخفاض بين قصّة وأخرى، ففي قصة (مدوّنات سومرية) نجد الحوارات المتخيّلة بين شخصّيتين خلقهما السارد وبثّ فيهما من روحه القلقة ونقداته الاجتماعية والسياسية والدينية ما جعل تلك الحوارات تعكس قلقه الذاتي، فمن نقداته الاجتماعية البيّنة ما كان في المدوّنة (8) فهي قد وضعت الإصبع على الجرح – كما يُقال- حين جعلت الأساس في إصلاح المجتمع ينطلق من المعلّم، ولا يصلح حال الأخير إلا بإصلاح النفس، وهذا المغزى الأخلاقي أكّده السارد عبر الحوار وتأكيد الجواب نفسه (أصلح المعلم) في كل مرّة من قِبل (نخلة) الحكيم، وفي مدونة (9) تكشف – عبر ردّ نخلة على استشارة صديق له حين أراد شراء أكثر من قطعة سلاح بقوله: ((من يشتري سيفًا فإنه يريد الدفاع عن نفسه، أما من يشتري عشرة سيوف فإن له غايةً أخرى))( 7) – نزعة الحكيم إلى السلم المجتمعي، وفي الوقت نفسه تعبّر عن إرادة الإنسان للحفاظ على حقوقه وممتلكاته من دون استسلام أو خنوع للآخرين ممن يريدون به كيدًا. كذلك تجد تلك النزعة الإنسانية المُسالمة في مدونة (11) التي عبّرت عن مدى رفض الحكيم لظاهرة الرق، فهو على الرغم من عدم مبادرته بالتنديد العلني والحراك الفعلي لمحاربتها، ولكنّه قام بأهون ما يستطيعه تجاهها، وهو المرور سريعًا على دُكّان النخاسة حين كان في طريقه، ولم يقف مسرّحًا نظره في الرقيق الذين عُرضوا للبيع فيه، كما يفعل الآخرون. وحين سأله ابنه أوضح له عبر ما يجوس في نفسه من مشاعر أنْ يجرّب إحساس هؤلاء فيما لو كان في مثل حالهم، وبهذا تحقّق القصة هدفها الاجتماعي السامي وهو الشعور بهموم الآخرين، والنظر إلى أبناء المجتمع على اختلاف طبقاتهم بمزيد من الاحترام والتقدير، فلهم ما له من مشاعر وأحاسيس، وشعور بالكرامة. ويُؤكّد الكاتب تلك النزعة عبر حواريّة أخرى بين الحكيم وابنه، في مدوّنة (11) حين سأله الأخير عن من يختار ويصطفي من الناس، فيكون الجواب بعيدًا عن كل النوازع التي تميّز جماعة من دون أخرى، وتفضّل مجموعة من الناس على أساس المنطقة التي يقطنونها، فكان أنْ أجابه بتقسيمه الناس إلى قسمين على أساس الأخلاق التي يُبدونها في سلوكهم مع الآخرين، وهذا بالطبع سيجعل (تالا) متحرّرًا من عبء الانحياز الأعمى لهذه الفئة على حساب فئة أخرى، فمن يجب على (تالا) أن يصاحبه هو الإنسان الذي يحترم الآخر، ويقتضي الاستلزام الحواري، أنْ يختار الفئة التي تُحسن إليه في التعامل، وأنْ لا يجعل معيارًا آخر يفوق هذا المعيار، فهو الأساس في التفضيل بين المجموعات البشرية على حدٍّ سواء. وفي المدونة (17) إشاعةٌ لروح المحبّة بين الآخرين وترسيم السلام والتسامح المجتمعي، مما يدفع بالقصة إلى أنْ تكون في مصاف الأدب الملتزم، فضلاً عن عدم تضحيتها بالجانب الفني في صياغة الأفكار وتداولها بين الشخصيتين المتحاورتين.
وفي المدوّنة (18) تجسّد الهدف التواصلي الذي سعت القصّة إلى توطيد أركانه عبر الحوار بين الشخصيتين، وعبر ما تطرحه من رُؤى وأفكار تُسهم في إقناع المتلقّي بجدوى التواصل الإنساني وفي المقابل تزعزع شعوره بالتفرّد والانزواء عن المجتمع؛ لكونه يحتاج إليهم في يومٍ ما، ففي قصّةٍ ساقها (نخلة الحكيم) عن شخصٍ أبى إلا أنْ يعتزل مجتمعه وذلك بأن يضع أسوارًا على مزرعته وفزّاعات لأجل إخافة الغربان من أنْ تحط فتلتقط الحبوب، ولكن كانت النتيجة التي آل إليها، سببًا يدفعه لإزالة هذه الحواجز، فاستشارة الآخرين ممّن أشاروا عليه برفع هذه الفزّاعات لتحطّ الغربان فتلتقط الديدان والفئران التي استولت بشراهتها على محصول المزرعة، وبالمحصّلة كانت الفكرة التي استفادها القارئ معزّزة عبر المثال الذي ضربه الحكيم لابنه، بأنّ التواصل الإنساني حتى مع غير الإنسان لا يعود على صاحبه إلا بكل خير. وهذا الاستلزام تقتضيه الفطرة السليمة البعيدة عن دغل الأحقاد ورين الذات المتضخّمة.
وتجدر الإشارة أنّ هذا التناول فيه تناصٌ صريح مع مرجعيات أخرى معاصرة استمدّها القاص من الواقع المعيش في الصين التي شهدت بفعل نزوة مجنونة لزعيمها (ماوتسي تونك) حربًا لا هوادة فيها لطائر الدوري سنة 1958م، وبعد أنْ تناقصت أعداد هذا الطائر، بفعل قتل الملايين منه، استولت الحشرات والآفات بأنواعها محاصيل المزروعات، بما جعلهم يرتدعون عن هذا الفعل اللامسؤول الذي كلّفهم الباهض من الخسارات .
أما في مدوّنة (10) فقد اشتغلت على المنحى السياسي والديني معًا، حين وجدت الجندية والخدمة في المعبد، كلاهما يُكرّس ظلم الآخرين، ويدعو إلى تقوية الجور واستغلال الطبقات الفقيرة، وبهذه المدوّنة يظهر النسق المتمرّد جليًّا، حين يرفض الانصياع لإرادة الأمير، أو الانجرار إلى كهنوت المعبد، فالعمل تحت كنفيهما لا يحقق سمعة طيّبة وذكرًا خالدًا للإنسان؛ لأنه قائم إما على قتل الآخرين جسديًّا للدفاع عن مملكة الأمير، أو القتل المعنوي حين يستثمر قابلياته الذهنية لتسطيح وعي الآخرين وجعلهم تبعًا لأرباب لن تقدّم لهم لا نفعًا ولا شرًّا. وفي ذلك الإرشاد الذي مارسه الحكيم (نخلة) يتكشّف البعد الإنساني الأصيل عند الحكيم، في رفضه التبعيّة للآخرين، بل وتكشف أقواله مدى أصالة الدلالة التي لازمته وهي (الحكمة) وابتعادها عن هذين النسقين الذين يُنذران بتهديد السلم المجتمعي وجعله فرقًا وأحزابًا لا يجمعهم جامع.
وقد نجح القاص أيّما نجاح في ترميز بعض الأهداف التي سعى إليها عبر تلك الحوارات بين الحكيم وابنه، حين أخذ الوالد يعلّم ابنه عن طريق الأمثلة العملية التي يهدف من خلالها إلى إيصاله إلى نتيجةٍ تغاير قناعات ابنه، ففي المدوّنة الأولى نقرأ المحاورة الآتية: ((قال نخلة الحكيم لابنه تالا: كيف ترى الحقل؟ قال تالا: لا أرى حقلا. قال نخلة الحكيم: فماذا ترى إذن؟ قال تالا: أرى أرضًا سمراء وماءً وفيرًا. قال نخلة الحكيم: وصوامعنا فيها بقية من بذور وسواعدنا قوية؛ فكيف لا ترى الحقل إذن؟))( 8). وفي الواقع أنّ ثمة (كسر توقّع) في طبيعة الجواب على سؤال الحكيم من قبل ابنه، إذ المتوقّع أنْ تكون الإجابة بحسب الرؤية البصرية لا الرؤيا الاستشرافية التي قصدها الحكيم، وبهذا تتمّ عملية شعرنّة القص عبر آلية الترميز التي تعمل على تقشير الحوار من رتابته الواقعية ونقله إلى آفاق الرمز الرحيبة، حين يباغت الحكيم ابنه بتلك الرؤيا التي تُفتح له مسارًا صحيحاً في الحياة، إذ الإرادة التي يملكها الإنسان وقوّته التي يوظّفها لبناء المستقبل السعيد، هي السبيل الأوحد للولوج إلى مستوى من واقع أعمق مما يعكسه الظاهر السطحي الخادع. و هذا يجسد الطبيعة الداخلية للنمط الإنساني الأصلي archetypal man في رموز محسوسة(9 )، فالأرض السمراء والماء الوفير مع وجود البذور والسواعد القويّة كلُّ تلك العناصر إذا اجتمعت بإمكانها أنْ تغيّر واقع حال الأرض الجرداء إلى حقلٍ أخضر، وفي الوقت نفسه، أنّ رؤيا الحكيم بثّت رسائل تطمينية لولده، تعبّر عن تفاؤله بالمستقبل القريب، حين يكون التفاعل الإيجابي مؤثّرًا بين أبناء المجتمع، فلا يُثمر إلا مزيداً من الخيرات الوفيرة، فيما لو أُحسِن استعمالها. فالأجيال – بحسب هذه الرؤيا- لا يمكن أنْ تتكئ على تراث الأسلاف، من دون تحريك للواقع بما يتلائم وطبيعة الحياة بما تلقيه من راهن اجتماعي وثقافي مختلف نسبيًّا عما كان عليه سابقًا.
وهذا ما كان في مدوّنة (20) حين ((قال تالا: لشدّ ما أنا معجبٌ بك يا والدي، لا شكّ أنّك أعلم الناس! قال نخلة الحكيم: ما هذا القول؟ سكت هنيهة ثمّ قال: هيا، قم معي لنذهب إلى السوق. وحين وصلا إلى أول السوق، قال نخلة الحكيم: أريدك أن تنظر إلى طول كل شخص تشاهده في السوق، ثمّ تخبرني عما رأيته. وبعد حين، قال تالا: لقد لاحظت يا أبي أن قامات الناس تتفاوت في الطول. قال نخلة الحكيم: فهل أنا أطول الناس قامة؟ نظر تالا إلى قامة أبيه ثم إلى قامات الناس في السوق، ثم قال: كلا يا أبي. وبعد تفكيرٍ وجيز أدرك ما يرمي إليه والده، فأضاف آسف يا أبي، إنما هو حبي لك. قال نخلة الحكيم: فلا تجعل حبّك لي مانعًا إياك من إنصاف الآخرين))(10 ) وهو هنا يستعمل قياس التمثيل الذي يُعدّ من الأدلة التي لا تفيد إلا الاحتمال؛ لأنه لا يلزم من تشابه شيئين في أمر أن يتشابها من جميع الوجوه، إلا إذا قويت وجوه الشبه بين الأصل والفرع وكثرت يقوى حينئذٍ الاحتمال(11 )، وهُنا قد يُشكل على المتلقّي أمرًا يتعلّق بما تمّ الاستدلال عليه وهو مخالفٌ لأصل القضية، فـ(تالا) كان يرى أباه أعلم الناس، وهو أمرٌ لا يُدرك إلا من خلال العقل، في حين كان المشهد الذي استدل (تالا) من خلاله أن والده ليس بأعلم الناس، كان مشهدًا حسّيًا لا يمتُّ بصلة إلى الموضوع الذي أثاره من قبل، إلا أنّ الحكيم أراد لولده أنْ يستدلَّ عبر التمثيل بالمحسوس مادّيًّا ما يُطابق في نتيجته القضية المُدركة من خلال العقل، فاختلاف طول قامات الناس أمرٌ واردٌ لم ينتبه له الولد من قبل، وكذلك اختلاف عقولهم، فمثلما تختلف طول قاماتهم تختلف عقولهم، ولا يمنع من أنْ يكون هناك من الناس من هو أرجح عقلاً من والده إلا أنه لم يتعرّف الآن عليه، وهذا الاستدلال التطبيقي الذي ساقه الحكيم لابنه إنّما يُعزّز النتيجة التي يريد الحكيم لها أنْ تقرّ في ذهن ابنه وهي (لا تجعل حبّك لي مانعًا إياك من إنصاف الآخرين).
ويُجيد القاص اللعب على وتر الرمز أيّما إجادة، حين يُوظِّفه ليكون حصان طروادة أفكاره، مُعبّرًا عن رُؤية الشخصيّة، وهو من وراء تلك الشخصيّات يُقنّن الدور الذي تلعبه، ويمارس تطهيرًا لعوالم مُلئت بالكراهية وأُتخِمتْ بالمادّة، فيطرح عبر تلك الرموز (الأليغورية) رُؤىً ومواقف وإرشادات تحتمي بظلال الشخصيات وتتزنّر بخطاباتها، ومن ذلك قول نخلة الحكيم لابنه تالا في المدوّنة (2): ((يا ولدي، حين ترى الكاهن يتّخذ رمزًا هو خنزير له أنياب نمر وبراثن ذئب وذيل أفعى، فاهجر معبده، واهرب منه لأنه بدلاً من أنْ يرعى روحك سيفسدها، وبدلاً من أنْ يُوصيك بأخيك الإنسان سيجعلك تمتصُّ دمه))( 12). ويتّضح عبر هذه التوصية الأخلاقية التي وجّهها الحكيم لابنه، مقبوليّتها الإنسانية؛ ذلك لأنّها تسعى إلى تفكيك أغلال التبعيّة للمؤسّسة الدينية التي تُحاول – عبر سلطة خطاباتها- أنْ توجد لها أتباعًا ومريدين حتى وإنْ كانت تلك الخطابات تسعى إلى إلغاء روح الإنسانية فيما بين الأخ وأخيه، مُشيرًا إلى إيحاء الرمز بما سيتركه من أثرٍ طيّب أو العكس من ذلك حين يكون الرمز المُتَّخذ فاسدًا ستكون النتيجة حتمًا بعيدةً عن الصلاح والنماء.
وكانت المدوّنة (13) مكرّسةً لترسيخ المنحى الانتقادي للسلطة الدينية، إذ كانت الأسئلة التي ساقها (تالا) نقطة الولوج إلى عالمٍ أريد له أنْ يكون حكرًا لطبقة الكهنوت، فيبادر بحركةٍ تتناصُّ والفعل الإبراهيمي الوارد في القرآن الكريم، وهو مما يُبرهن للآخر من خلال الفعل لا القول فحسب، وذلك من خلال المقارنة بين ادعاء السلطة الدينية معرفتها بالسماء، فيقتحم (نخلة الحكيم) السماء عبر تأمّلاته في النجوم، ومعلومٌ أنّ التأمّل بداية الطريق، ومن ثمّ يكون الحوار بين الشخصيّتين طريقًا لعرض تلك الرؤى الناقمة طبقيًّا، فتتوشّح بالعلم سلاحًا يكفيها مؤونة البقاء تحت الوصاية الكهنوتية، ليصل إلى النتيجة بقوله مستنكرًا: ((فهل يتساوى من يُخيف الناس بمعرفة السماء ويزعم أنه الوسيط بينهم وبينها مع من يدعوهم لمعرفة السماء مباشرةً حتى يفهموا متى يحرثون ومتى يبذرون ومتى يحصدون!؟))(13 ). وفي هذا القول يتمظهر المنطق (الثوري/ العلمي) للحكيم بما يتلمّسه عيانًا من سلوكيّات بعيدة عن مصلحة الإنسان ومكرّسة لخدمة طبقة تقيم وجودها كله على تجهيل المجتمع واستغلاله، فيدينها عبر هذه التأملات الشاردة بقصد؛ لأجل خلخلة تلك البنى الضاغطة بثقيل رساميلها التخييلية في أذهان المجتمع، ويفكّك منظومتها التراتبية عبر ذلك التوجيه التربوي الذي يبثّه في جنبات خطابه مع ابنه (تالا) إيمانًا منه بمنطق التغيير للأحسن.
وفي توليفةٍ تجمع بين المنحى الانتقادي الديني والاجتماعي، يواجه الحكيم (نخلة) كلاًّ من الكاهن والنخّاس في المدوّنة (19)، إلا أنّها مواجهة هادئة تعبّر عن مدى حُنكة الحكيم ورُقيّه في الاختلاف مع الآخرين، وفي الوقت نفسه تكشف عن مدى تأثيره في أعدائه، إذ إنهما (الكاهن، والنخّاس) قد تذمّرا من عدم تفاعله معهما، فلم يكن للحكيم أنْ يشتري تمثالاً لأحد الآلهة فيضعه في بيته ليحميه من الشرور، ولم يقف – أي الحكيم- ذات يوم مثل سائر الناس، فتشتري العبيد والإماء منه، بل حتى يرفض أنْ يقف متفرّجًا على ما يعرضه من عبيد للبيع. وبذلك يحقّق الحكيم هدفه الذي يصب في إدانة مثل هذه الأعمال التي تُكرّس البعد اللاإنساني في المجتمع، وتقوّي شوكة الظلم بين أفراده، ومعلومٌ أنَّ السلوك الذي يتّخذه (نخلة الحكيم) يأخذ مداه في المجتمع، وبالمحصّلة، قد يُؤلّب الآخرين من طبقات المجتمع على تلك المنظومتين المُطبقتين على سائر البلاد؛ لما يملكه من تأثيرٍ فيهم وصفه بائع التماثيل بأنه ((الذي يصفه الناس بالحكمة))( 14)، الأمر الذي يُعرّي أفعال هاتين السلطتين الطبقيتين من الحكمة، وهذا الأمر يمثّل أوّل الغيث لإسقاطهم من أعين المجتمع.
وفي ختام تلك المدوّنات كانت المدوّنة (21) الفصل الأخير الذي يوثّق المشهد الأخير من حياة (نخلة الحكيم) ألا وهو مشهد اللحظات الأخيرة قبل الموت، وهو لا يخلو من غايةٍ اجتماعيّة واعية أراد لها القاص عبر هذا الحوار أنْ تصل طريقها إلى المتلقي، وذلك حين يقول الوالد المُشرف على الرحيل مصبّرًا ولده على فقده: ((بل أنت قادرٌ عليه إن وعيتَ الأمرَ وأردته)) وفي هذا القول نستشف الإرادة الكامنة في وعي الإنسان، حين يعزم على تحقيق ما يريده حتى وإنْ كان صعبًا، فالحياة لا تُقهر مصاعبها إلا بالقدرة التي يوظّفها الإنسان لتذليل تلك المصاعب، كذلك يتعلّق الأمر بمدى الحرّية التي بإمكان الفرد أنْ يحقّقها في وعيه، حين ينعتق من أسر عواطفه، ويقرّر مصيره، ومن ثمّ يواجه مشكلاته اليومية بما يحمله من إرادة صلبة. أما في الحوار الآخر ((قال تالا: سأباهي بك الناس دائمًا، وسوف أجعل منك رمزًا لمجدٍ أتعبّد في محرابه. قال نخلة الحكيم: “إذن، فأنت لم تفهم جيدًا مقاصد أعمالي وأقوالي!” قال تالا: “فماذا تريدني أن أفعل؟” قال تالا: احرص على أنْ يكون لك من سلوكك مع الناس وأفعالك في الحياة والعمل ما يفخر به أبناؤك من بعدك وهذه هي نصيحتي الأخيرة لك”))( 15). ويظهر جليًّا تلك النزعة التحرُّرية النابذة للتقليد، فمهما كان الإرث الذي تركه الحكيم عظيمًا، فهو لا يُمكن بحال أنْ يُوضع في هالة القداسة، ومن ثمّ يتّكئ الأبناء على تراث آبائهم، فالسلوك الذي يتركه الإنسان مع الآخرين هو السبيل الأوحد لضمان خلود الإنسان، وليس الاكتفاء بالمنجز الذي قدّمه السلف؛ فلا ينبغي أن يقع الأبناء تحت تأثير التقديس الأعمى لما حققه الآباء. وهذه الرسالة الأخلاقية التي أوجزها لنا (نخلة الحكيم) تعبّر عن إيمانه بخلود الأعمال لا الأشخاص، وفي الوقت نفسه تدلل بما لا يقبل الشك على رؤيته المنفتحة على متغيّرات الزمان، ونسبيّة المعايير التي تتحكم في أذواق أهل كل زمان، فلا يمكن أنْ تكون العادات والسلوكيات وكل ما يمت إلى ثقافة العصر، لا يمكن أنْ تكون قوالب ثابتة لأزمان بائدة، بل هي متحرّرة من مقيّدات الزمن، وخاضعة لمنطق الذاتية و للذوق والظرف الذي يحكم طبيعة العصر وعاداته.
ورُبّما أجرؤ فأقول: إنّ هذا المقطع من المدوّنة يتناصّ بصورة غير مباشرة مع المقطع الأخير من ملحمة (كلكامش) بعد أنْ أدركه الهمّ واليأس حين أكلت الحية عشبة الخلود، ففكّر بعد شوطٍ قطعه مع الحزن، أنّ الأعمال كفيلةٌ بتلك المساحة الشاسعة من الخلود، فلا يُعيد الإنسان حزنٌ أو بكاء، وإنّما يُعيد ذكراه على ألسن الآخرين ما يتركه فيهم من عملٍ عظيم ومن سلوكٍ طيّب يبقى رطبًا على كل لسان.
وفي ختام هذه الدراسة التي عرضتُ فيها جوانبا تتعلّق بالمضمون النصّي لهذه القصّة، من قصص (باقر جاسم محمد) أقول: إنّ هذه القصة التي تمظهرت على وفق حوارات متخيّلة، نجحت بتوصيل المضامين الفكرية التي آمن بها القاص عبر تلك التقانات الفنية، فتأمُّلُ دلالاتها المتعددة يُتيح بلوغ ما هو أعمق صلة وأصلب وشيجة، لا على مستوى الطرح الكلي العام الذي ينتهي إلى تناول موضوعات السلطة والمعرفة والتدبير وغيرها، وما يتصل بها من تمييز الخير والشر، بل كذلك على مستوى الوسائل المعتمدة في ذلك الحراك الذي شهدنا سيرورته لبلوغ الأهداف المتباينة، فتبرز القوى العقلانية والمعرفية متميزة الفعالية حاسمة التقرير(16 )، كذلك لم تخلُ الموضوعات التي أثارها القاص من اهتمامات الحداثة وسعيها إلى تخليص الإنسان من أوهامه وتحريره من قيوده وتفسير الكون تفسيرًا عقلانيًّا واعيًا، وهذا لن يتحقق ما لم يقطع الإنسان صلته بالماضي ويهتم باللحظة الراهنة العابرة( 17)، كلُّ ذلك جاء متناغمًا واختياره المكان الذي جرت فيه الأحداث، (سومر) التي يتفق على تقدُّمها الحضاري جميع المؤرّخين، ففيها الزراعة والتجارة قد تطوّرت، إلى جنب مجموعة من الصناعات المعدنية، فضلاً عن الشرائع والحكومات وعلوم الرياضيات، وتطوّر الكتابة والآداب والموسيقى(18 )، كلُّ ذلك التطوّر جعلها ميدانًا خصبًا لاختيار القاص لها بافتراضه هذه الحوارات المتخيّلة؛ لمقبوليّتها عند المتلقّي، معبّرًا عن إخلاصه لمبدأ الالتزام الأدبي الذي لا يقف عملٌ إبداعيٌّ عظيم إلا على ركيزته.
الهوامش:
( 1) الشعرية، تزفيطان طودوروف، ترجمة: شكري المبخوت ورجاء بن سلامة، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء – المغرب، ط2، 1990م: 18 .
(2 ) ينظر: بناء مدينة الرؤيا في القصة العراقية القصيرة – محمد خضير أنموذجا، جميل الشبيبي، الموسوعة الثقافية (48)، دار الشؤون الثقافية العامة، ط1، بغداد، 2007م: 14 .
( 3) ينظر: ما وراء السرد ما وراء الرواية، عباس عبد جاسم، دار الشؤون الثقافية العامة، العراق – بغداد، 2005م: 34 .
( 4) أزهار الحديقة السرية – قصص قصيرة، باقر جاسم محمد، المركز الثقافي للطباعة والنشر، بابل – دمشق – القاهرة، ط1، 2016م: 8 .
( 5) ميتاسرد ما بعد الحداثة، فاضل ثامر، مجلة الكوفة، السنة 1، العدد 2، شتاء 2013م: 67 .
( 6) ينظر: المصدر نفسه: 67 .
(7 ) أزهار الحديقة السرّية، باقر جاسم محمد:
ينظر: الرابط: https://www.almrsal.com/post/622258
(8 ) أزهار الحديقة السرّية، باقر جاسم محمد: 8 .
(9 ) ينظر: المسرح الطليعي (من 1892 حتى 1992)، كريستوفر أينز، ترجمة: سامح فكري، مركز اللغات والترجمة – أكاديمية الفنون – وزارة الثقافة – مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي ، مطابع المجلس الأعلى للآثار، القاهرة ، 1995، ص43.
( 10) أزهار الحديقة السرّية، باقر جاسم محمد: 20 – 21 .
( 11) ينظر: المنطق:
(12 ) أزهار الحديقة السرّية، باقر جاسم محمد: 8 .
( 13) أزهار الحديقة السرّية، باقر جاسم محمد: 15 .
(14 ) أزهار الحديقة السرّية، باقر جاسم محمد: 19 .
( 15) أزهار الحديقة السرّية، باقر جاسم محمد: 21 – 22 .
( 16) ينظر: في دلالية القص وشعرية السرد، د. سامي سويدان، دار الآداب، ط1، 1991م: 302 .
( 17) ينظر: دليل الناقد الأدبي، د. ميجان الرويلي، د. سعد البازعي، المركز الثقاقي العربي، الدار البيضاء – المغرب، ط3، 2002م: 225 .
( 18) ينظر: قصة الحضارة، ول ديورانت، ترجمة: محمد بدران، الجزء الثاني من المجلد الأول، 10 .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *