الرئيسية » فكر » جابر خليفة جابر : جِيم جَديد (قَص)
(22) كورنيش الرواية

جابر خليفة جابر : جِيم جَديد (قَص)
(22) كورنيش الرواية

إشارة :
كتاب (جيم جديد – قصّ) للمبدع جابر خليفة جابر الذي ينشره موقع الناقد العراقي في حلقات هو واحد من أهم الكتب الثقافية التي صدرت بعد الاحتلال. فبالإضافة إلى أنّه يتناول مفاهيم وأحداث وشخصيات ثقافية وفق نظرة جديدة وبعضها يُطرح لأول مرة ، فهو أيضا تشريح لمعضلاتنا الثقافية ومحاولة طرح حلول لها بدلا من النواح والتشكي. أمّا أسلوبه السردي الهادىء و “الحياتي اليومي” فقد أزال عنّا التباس وصفه على الغلاف بأنه “قص” لأول مرة. وللأسف لم يحظَ هذا الكتاب المهم بالمناقشات المطلوبة التي نتمنى أن تثيرها محاولة نشره هنا. تحية لجابر خليفة جابر.

(22)
كورنيش الرواية

رذاذ آذار الخفيف لم يحل دون ما اعتدنا عليه من التنزه على طول الكورنيش ابتداء من مدينة الألعاب المقابلة لبيت أصفر وحتى بوابات القصور الرئاسية، ودون ما أعتاده الباعة وأصحاب الأكشاك من مشاهد الروايات وعناوينها وأسماء مؤلفيها وطبعاتها ودور النشر وهي تتناثر أمامنا وخلفنا أينما سرنا، نمر بالسّياب وأزاميل نداء كاظم، فتتناثر أكثر وتتوزع كما الأزهار المقطوعة توا على مصاطب المتنزهين وضحكاتهم..
كنا نتمشى وحسب ولا نتأثر بما حولنا من صخب ورغائب ومناغاة، متنافرين مع كل ما هو حي وضاج بالحركة في الشارع، وعلى الشاطيء، لا نرى حتى زوارق الزفة وهي تعج بمصابيحها الملونة وبالراقصين ابتهاجا، ولم يلتفت منا أحد لنقاوة العرائس وفرحهن..
هكذا نحن، كنا نسير مع السرد والساردين كما لو إننا كائنات طين لم تمسه الروح بعد ولم تتدفق فيه الحياة، تتهادى الروايات إلينا مع أمواج المد الصاعد من الخليج وترسم أمامنا ونحن نتمشى ابتسامات سخرية ونظرات إشفاق لما يعتري حواراتنا منهمكون كنا بنفي تهم الآيدلوجيا عن أنفسنا وبالبراءة من كل موجهات الكتابة.
وقتها لم أدر بعد كيف التقيت الشاعر الفرنسي شارل بودلير وبيده الطبعة الثانية من ديوانه “أزهار الشر” التي أضيفت إليها قصائده المفعمة بالحياة والمسماة “لوحات باريسية” ربما كان مدعوا للمربد البصري، لم أشهد مشاركته، لكني سمعته يترنم بانتشاء ساحر..
(لا تبحثي عن قلبي، لقد التهمته الوحوش/ قلبي عبثت به الغوغاء)
سألته: سيد بودلير جميل ما قلت لكنه محمل بالآيدلوجيا وأنت من ينادي بالشعر الخالص؟
– أيها العراقي لا تخدعنّكم شطحاتنا(سأكون كاذبا ولو أقسمت بكل الالهة إذا قلت إنني أكتب شعرا خالصا)..
(إن المواءمة بين الشرط الشعري والشرط الإنساني هي التي تصنع الشاعر الحقيقي)
– زملائي أولئك يرون الآيدلوجيا نقصا ويرفضونها.
– لأنهم لم يقرؤوا بعين الفنان الحقيقي ما كتبوه هم!
كل ما كتبوه مشبع بالايدلوجيا المرغوب فيها عولميا!
لكنهم لا يرون!
مصابون بعمى الألوان زملاؤك!
ما بكم في الألفية الثالثة، عصر العولمة وما زلتم لا تقرؤون؟ ما زلتم عورا وربما عميانا؟
لم لا تعالجون الحول في أعينكم؟
كل ما يريدونه منكم أن تكتبوا كما يرغبون لا كما تحتاج مجتمعاتكم، ما يرضي إنسانيتكم غير مرغوب فيه، اكتبوا إيروتيكيات سيرضون عنكم، ولكنها آيدلوجيا ايضا! اكتبوا عن يهود العراق وحنينهم لسليمة مراد، شوهوا أي مقدس في أعين الناس سيرضون عنكم، ولكنها آيدلوجيا يا صاحبي..
قطيع الثقافة والأدب والفن الآن معولم في غالبيته..
( هناك من لا يستطيع أن يلهو إلا وهو في قطيع..البطل الحقيقي يلهو وحيدا)
توقف فجأة وقال: أشم رائحة بحر الشمال..
كانت رواية الزنبقة السوداء على مياه شط العرب، قريبة من الجرف، فالتقطها بودلير وقال : هل قرأها أصحابك؟
كلها ايدلوجيا وإن أخفاها دوماس بمهارة.
هل عرفوا ما حل بالأخوين دي ويت ولماذا؟
آراؤكم تضحكني فعلا، رمى الزنبقة السوداء لتتهادى على مويجة ناعمة ونظر إلى ساعته: هل تعرف إنني ألتقيك الآن خارج الزمان، في الساعة الخامسة والعشرون، هل تتذكر مؤلفها الراهب جورجيو هو أيضا جار لدوماس في مقبرة العظماء بباريس؟
لو قرأها أصحابك بعين سليمة من السكماتزم لشاهدوا فيها كل الشعوب وهي تقترف أفعالا سيئة بحق مسكين كل ذنبه انه اتهم باليهودية..
أ ليست آيدلوجيا هذه، أتتنا من بحر الأدرياتيك؟
أنتم في البصرة، وعندكم مد شط العرب وجزره، يأتي إليكم بالعالم كله وهكذا وعيكم!؟ غريب امور عجيب قضية كما يقول الممثل العراقي جعفر السعدي!
صافحني بودلير مودعا وهو يشير غامزا إلى رواية أخرى وقال: هذه من المتوسط أمامك، خذها .. انحنيت وانتشلتها : رواية “دروز بلغراد” الفائزة بالبوكر العربي، قرأتها كما فعل بودلير، رأيت المسيحي المسكين حنا وما عاناه في الأسر، وما ارتكبه الدروز من مجازر، وفظائع الترك..قلت لنفسي ربما سيدفن ربيع جابر في مقبرة العظماء بباريس ايضا!
وصحت بهم: كلها آيدلوجيا- رواية البوكر- وقد احتفلتم بها، لهم حلال وعلينا حرومس يا…
لم يسمعوا كعادتهم – روائيو القولبة- كانوا يتضاحكون بصخب، وكان رذاذ آذار يزداد خفة، رأيتهم خفافا أيضا ورأيتهم – بعيدا عن كورنيش الرواية- يتخافتون..

=====

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *