الرئيسية » نصوص » رواية متسلسلة » صالح البياتي : رواية نزف المسافات
الفصل الثامن (ح 1) المأتم *

صالح البياتي : رواية نزف المسافات
الفصل الثامن (ح 1) المأتم *

رواية نزف المسافات
صالح البياتي
الفصل الثامن
ح 1
المأتم *

الموت حقيقة ساحقة، أكثر التصاقا بالإنسان من الحياة نفسها، اما فاجعته فإنها تتوارى وراء جبل هائل الارتفاع من الأسى، لا يعلم الا الله متى بدأت اول صخرة ترتفع فيه عن الأرض؟
عاد نوح ظهيرة يوم بارد، كانت الشمس ساطعة تبعث الدفء في اوصاله، والأسى بنفسه المكتئبة في آن واحد، التفت لجهة اليمين، رأى مكان امه خاليا، يغمره الضوء، اعتصر قلبه الألم، وراح يخاطب نفسه:
هناك بعيدا.. في صحراء وادي السلام، لا مكان يُستظل تحته، غير شواهد القبور، لا شجر فيه ولا نهر، سوى بحر من الرمال. هناك تركتها ترقد الى يوم الدينونة، كيف طاوعتك نفسك ان ترجع بدونها..
كان يرفع يده بلا وعي، عندما يرى سيارة تحمل على سطحها المعدني اللامع، نعشا ملفوفا بالعلم العراقي، احصى ثلاثة، أربعة..
بعد ذلك طوحته دوامة افكاره وهواجسه بعيدا، كانت روحه تعرج في سماوات بيضاء.. لا تشبه معراج الكتب المقدسة.. الفضاء تحول الى اوركسترا، موسيقى تصدح بمقطوعات سيمفونية، ليست من تأليف احد من البشر، الملائكة إتخذت اماكنها في القاعة الاوركسترالية، وثمة ملاك عظيم يقف امامهم، يقوم بدور المايسترو..
كان يراهم من خلال بلور صاف، رأى الجوق الملائكي، الكورال وقائده، بكل التفاصيل الدقيقة، الملابس الآلات، وعصا القائد، التي كانت تلمع كالبرق في السماء.. لم يفق حتى نبهه بوق سيارة اقترب منها كثيرا، تخيل انه بوق يوم البعث، الذي يقيم الموتى من قبورهم الدارسة..
حضر في امسية نفس اليوم؛ الذي وصل فيه، مأتم الضابط الشاب حنون، ابن المرأة التي أطلق عليها قديما، الرقم الصعب في المعادلة الجنوبية، لأنه لم يستطع اقناعها آنذاك، ان استبدال اسم بأخر؛ مسألة عادية تحدث كل يوم تقريبا، المرأة التي لا زلت عندما يغمض عينيه، ليستعيد ذكريات طفولته، يرى قامتها الفارعة منتصبة كالرمح أمام التنور، يلفح وجهها الأسمر وهج النار، فيزيده دكنة، تتساقط بخفة من يدها ارغفة الخبز، الى طبق على الأرض، تعبق رائحتها الطيبة في الهواء، يذكر انه عند عودته من المدرسة ظهرا، يسيل لعابه حين يرى البخار يتصاعد منها، ترحب به، وتمد له رغيفا ساخنا، يرقصه بيديه حتي يبرد قليلا، ثم يلتهمه بشهية، صنعت هذه المرأة شابا ناجحا، من بيع الخبز في السوق، تخرج حنون من الكلية العسكرية، الدورة 83 / العام 1980 ضابطا، برتبة ملازم ثان، في السنة التي اندلعت فيها الحرب..
حين سمع نوح بالخبرراح يردد مع نفسه، وهو في طريقه لمأتمه، هاتين الكلمتين: خسارة فادحة..
فعندما يختطف الموت الأبن الوحيد، لامرأة بفقر وبؤس وشقاء وكدح ام حنون.. فتلك يا عالم خسارة فادحة..
كان المعزون كالعادة منهمكين، يتحدثون عن مشاكلهم اليومية وهمومهم الشخصية، تساءل نوح مع نفسه، اليس الاجدر بهم رثاء الميت، بكلمة يترجلها اقرب اصدقاءه، او فرد من اسرته، يذكر فيها شيئا عن سيرته! حتى وإن كانت متواضعة وغير مثيرة.. مجرد استذكار، سيثير الشجن في النفوس، اما وأن المأتم قد خلا من ذلك، فما جداوه إذاً، هذا الشيء اثار الأسى في نفسه، واعتبره استهانة بحق الراحل.. ناهيك عن عدم الإنصياع للأمر الإلهي بالإنصات لتلاوة القرآن، حيث الجميع منشغلون عنه بالحديث، وان قراءته كما بدت له، انما هي اطار ديني يكمل لوحة الحزن، فهم يأمون المأتم للقيام بواجب او أداء دين بذمتهم.. كما هو الحال الآن، حيث يجري الحديث بين شخصين يجلسان بجانبه، تكلم الأول عن ترفيعه الوظيفي المتأخر، وافترض الثاني ان الحرب ستنتهي قريبا، فرد عليه الأول، بل انها ستطول، وسأل صديقه، عما اذا كان قد سمع عن حرب كرة القدم، او كما سميت حرب المائة ساعة بين السلفادور وهندوراس، فإستغرب الثاني وقال انها أقصر حتى من حرب الأيام الستة بيومين، وتمنى ان تنتهي الحرب مع إيران سريعا، فاستبعد الأول ذلك، بسبب تعنتهم والعناد المتأصل فيهم كما قال. فأيده الأول انت على حق.. احقاد قديمة.
قال نوح في نفسه، بل هي اخطاء قديمة، بسبب عقد الماضي المستحكمة فيهما، سمع الأخر الجالس بجنبه يقسم بشرفه، ويؤكد لصديقه انهم سيرضخون اخيرا للواقع، بنى رأيه على اساس ان الجيش الإيراني ضعيف ومفكك، بعد هروب معظم جنرالات الشاه الكبار الى الخارج..
فقال نوح في نفسه، وهذا ما أغرى الرئيس بمهاجمتهم..
انتقل الحديث بينهما، الى موضوع آخر، لينتهي اخيرا بالكلام عن شخص ثالث، لم يذكرا اسمه، اشارا اليه بـ هو.. فتحدث احدهما عنه هكذا.. هو لا يهمه سوى الوصول لمصالحه الشخصية، بأية وسيلة.. وأيده الآخر، أنه لا يتهاون ابدا عن كسر رقاب الناس، فإستنتج الأول، بصراحة.. هذا هو وقعنا.
قال نوح في نفسه، واقع مؤلم، قاس، غير إنساني، شاذ وبائس. واستأنف الرجلان حديثهما عن الرجل المجهول.. فأكد احدهما ان امثاله كثيرون في مجتمعنا، القوي يأكل الضعيف، او كما يقال البقاء للأصلح.
هنا عند هذه النقطة من الحديث، تدخل نوح، من باب المشاركة في النقاش فأدلى بدلوه.
” عفواً.. البقاء للأصلح، تعني ان تتكيف أنواع معينة من الاحياء مع تغيرات البيئة الطبيعية، فرضية بيولوجية جاء بها دارون في سياق نظرية النشوء والارتقاء..”
نظر الرجل اليه شزرا ، ثم قاما وغادرا..
راح نوح يلوم نفسه على التدخل في حديث لا يعنيه.”
انتهى المأتم كما ينتهي كل ليلة، مآتم آخر في مكان آخر، دون أن يتغير شيء في لعبة الحياة والموت. لكن البلاء الأكبرمن مصيبة الموت، وجود أمثال سليم الخماش، وغيره من الأشرار، في حياتنا، لأنهم يتسلون بالحاق الأذى بالناس.. خاصة أولئك الذين ليست لديهم اشواك ابرية حادة..
تساءل نوح، لماذا لم يخلق الله او الطبيعة، لهؤلاء الضعفاء من البشر (الذين لا حول لهم ولا قوة)، دروع تحميهم، كما لدى بعض الأحياء.
فكر بذلك، لكنه لم يكن بصدد إصدار حكم أخلاقي، في موضوع حساس كهذا، ومثير للجدل.. قرر مع نفسه، على ضوء ما رأى وسمع الآن ومن قبل، ولمرات عديدة لا تحصى، أن يصرف النظر عن إقامة مأتم للمرحومة، كهذه المجالس التي يطلق عليها إعتباطا كلمة مآتم، عزاء، او تأبين..
فكر ان الشيخ كاظم، سيستغرب منه هذا التحول المفاجئ عن التقاليد المتوارثة، وانه عندما يلتقيه، سيصارحه برأيه؛ سيقول له: أن العزاء سيقام في بيت صديقتها ام سعيد، يقتصر فقط على النساء.. وأنه سيستقبل المعزين في بيته، عدد قليل من اصدقاءه.
هذا ما وطد نفسه عليه، كره أن يتسرب الزيف الى اصدق مشاعره.. في حزنه على امه، وكره ايضا ثرثرة المعزين، ورؤيتهم يدخنون السجائر الرخيصة، او يُسقَونَ الماء، ويرتشفون الشاي او القهوة المرة، بنفس الاقداح والفناجين، فهذه العادة بنظره غير صحية، ومدعاة للقلق، لانها تنقل الامراض من شخص لآخر..
ولما كان لميسان ارث حضاري قديم، وملامح سومرية اصيلة، ارتاح نوح لهذا القرار، فأمام فاجعة الموت، يجب أن يغدق الانسان حزنه بسخاء، كما ناح جلجامش على رفيقه انكيدو، وحين سيرى أم سعيد، سيفتحان معا كتاب المراثي القديم جدا، قدم مسوبوتيميا، سيبدآن بأول صفحة، ولن يتوقفا حتى تفيض ينابيع القلب العميقة والغزيرة بالحزن.
عانقه الشيخ كاظم بحرارة، عند باب الجامع، فباح اليه ما انطوت عليه نفسه، شعر نوح ان الرجل المعمم رغم تفهمه، كان يخفي في نفسه قلقا وحيرة من افكاره الغريبة، مرت فترة صمت قصيرة، اتاحت لنوح إخراج محفظته، اعطى الشيخ النقود التي كانت مخصصة لمأتم المرحومة، طلب منه ان يسلمها بنفسه لأم حنون، تبادل الرجلان نظرة طويلة، ثم افترقا بعد وداع، على امل ان يلتقيا مساء غد.
شعر نوح براحة عظيمة، كأنه خرج توا من حمام تركي ملئ بالبخار والحرارة، في ليلة قارصة البرد.
تساءل نوح مع نفسه، وهو في طريقه لبيت الخالة أم سعيد، عجيب.. نحن نردد بلا وعي كلمة السلام، الله، الخير*، من دون ان يكون لها تأثير عميق في نفوسنا.. صرخ بألم نحن نغرق في مستنقع من الدم.
• إبتداءً من الفصل الثامن، ينتقل السرد من السيرة الذاتية الى الشخص الثالث.
• تردد عادة بكثافة واضحة، اثناء مجالس الفاتحة، عبارات مثل: السلام عليكم، الله بالخير.
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *